جريدة اسبوعية تعنى بشؤون الأدب و الفكر و الفن - العدد 740 تاريخ 23/12/2000
Updated: الاحد, نيسان 13, 2003 09:04 ص
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

المواجهة ـــ عوض سعود عوض

ارتمى خالد في حضن أمه وأخذ يقبلها، يحدق إلى عينيها النديتين الذابلتين. لم يتمالك نفسه من البكاء، حاول أن يضمها، يده اليسرى لم تساعده، ما زالت ملفوفة بالجبس، قبلته وغسلت دموعها وجهه، غمغمت والأسى يقطع نياط قلبها:‏

-أنت من بقي لي من الدنيا!‏

جهزت أم خالد الإفطار. نادت زوجها وصغيرها ليتناولا وجبة الصباح، قبل أن ينطلقا إلى دوامهما.. البارحة قبل انصرافها من المدرسة، اتفقت مع المعلمات على زيارة الجرحى. أخبرت أنها ربما تتأخر. انطلقت. موعدها قد أزف، اجتازت شارع عبد الرحيم محمود ميممة صوب كلية النجاح. لوحت لزميلاتها.. التقين في محل الورود القريب. انتظرن المتأخرات وبعض الطالبات، ثم تابعن إلى حارة الياسمينة. عند الوصول إلى مركز مدينة نابلس التجاري كانت المواجهات على أشدها. الجماهير تهتف ضد الصهاينة وتقذفهم بالحجارة. الشوارع تشعل قناديلها، غاصة، تتأجج حماسة، اضطررن أن يغيرن طريقهن، أن يسلكن طرقاً المواجهات فيها أخف.‏

الدخان، الروائح، الدموع، القنابل المسيلة، حركة الشبان المستمرة، الهتافات، إحراق علم العدو. وقفن يتفرجن على الصغار الذين لملموا بقايا النجوم والأقمار وزرعوها بأيديهم في الشوارع. القصائد تتطاير. تفرد الشوارع مساحات كبيرة، تحتضن شبانها. مشاهد فيها الفرح والدموع. سيارات إسعاف تنقل الجرحى. الإسرائيليون يحيلون الخضار إلى يباس. رصاصهم يخترق رؤوس المتظاهرين وأجسادهم.‏

الحلم يتشكل جميلاً وموجعاً. الجميع يقفون وأيديهم متعانقة. الأرصفة تحتفل؛ تمسد ضفائرها،. يبتعدن عن الازدحام عن الطلقات والقنابل الدخانية.. يقف العالم عارياً، يثرثر النهار. كيف لهؤلاء أن يصمدوا؟ المروحيات.. الدبابات.. العدو استنفر قواته وإمكانياته، وها هو يقصف، أيتابعن إلى المستشفيات أم يعدن إلى بيوتهن ويؤجلن الزيارة؟‏

الدخان غطى الفضاء، السماء ملبدة بغمامات ترابية ودخانية،. الصبية يتراكضون، يواجهون، يحتمون من الرصاص. اندفعن يواجهن الرصاص ويحتضن الصغار.‏

خلعت نابلس مفاتنها. وفتحت أبوابها على الريح والمطر والحياة. ترفع الأشجار هاماتها، تتمايل، تحمي بجذوعها بعض المتظاهرين. في هذا الجو وصلن. استنفرن عاطفتهن، واحتفظن بشيء من الشجاعة للشد من عزيمة الجرحى. أمطرنهم حباً وورداً. وصلن إلى جانب فتى لم يتجاوز التاسعة. وقفن. أم خالد نظرت إلى وجهه، دققت النظر وصاحت: ((خالد.. خالد..)) تكومت عليه. هرعت الممرضات وبعض المعلمات والطالبات اللاتي يستمعن غير بعيد عنها لقصص المواجهة:‏

-ماذا يا أم خالد؟‏

-إنه خالد!‏

ابتسم لأمه ولصديقاتها اللاتي قبلنه ودعون له بالشفاء العاجل. ظهر الارتباك عليه، إذ حاول أن يخبئ يده اليسرى، أن يدير وجهه، أن لا ترى أمه جراحه، لكن لهفته لرؤيتها أفشل ذلك.‏

من بعيد مجموعة من جاراتها جئن إلى المستشفى، يسألن، تفاجأن بخالد الجريح. قالت إحداهن:‏

-هيا يا أم خالد إلى بيتك!‏

-سأظل إلى جانب ولدي.‏

-ستظل واحدة منا، أما أنت فلا، عليك الذهاب!‏

بعد جدال أقنعنها. سارت النسوة خلفها. تفاجأت بحشد من الناس عند باب بيتها. سألت:‏

-ماذا حصل؟‏

-لقد استشهد أبو خالد، العمر لك!‏

وقعت على الأرض.. وعندما أفاقت من صدمتها، طلبت أن ترى وجه زوجها، أن تكلمه.. أمسكت به، تناديه، تعاهده أن تظل وفية للأرض ولخالد. وكغيرها من النسوة عليها أن تودعه الوداع الذي يليق به. تزغرد وقلبها ينفطر حزناً وألماً، مع الدموع دوت زغرودتها..‏

دبت الفوضى في كيانها، في حياتها، الجليد يجثم على صدرها، صورته ترافقها. البارحة حدثها عن الانتفاضة والشهادة والنصر، وها هو يسافر ويتركها على طرف الصحراء. لمن الأحلام والضحكات؟! ينوء رأسها بغمامات تفجر أعاصير ودموعاً. أسلمت أمرها إلى الله.. وزعت وقتها ما بين المقبرة والمستشفى.‏

أحس خالد بعمق حزنها، حدق بها وابتسم، حاول أن يخفف عنها، ودّ أن يقول إنه بخير، وإن حزنها أكبر من إصابته. لم يقل ذلك بل سألها عن أبيه الذي لم يره بعد إصابته. أجابته بأسى وحرقة:‏

-معك حق يا ولدي، نحن سنزور والدك!‏

خرجا، يدها بيده. تجفف دموعها وتشد على يده، توجها بعيداً عن المدينة، وصلا إلى المقبرة. أدرك أن والده استشهد، عرف لم كانت أمه حزينة طوال الأيام الماضية.‏

ما زال القبر تراباً، وعيدان الريحان خضراء، ارتمى على الأرض وهو يحاول كتم شهقاته. أمسك التراب بيده وهو يحني جذعه، انغمس جزء من جبهته بتراب القبر.‏

نظر إلى عيني أمه، إلى حزنها المقيم في صدرها وفي وجهها الذابل، إلى بطنها المتكور. حاول أن يعانقها، أن يلف يديه وراء رأسها، لم تطاوعه يده اليسرى، تمالك نفسه وجفف دموعه. نظر حوله، انحنى وتناول حجراً بيده اليمنى وركض خارجاً من المقبرة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244