|
||||||
| Updated: الاحد, نيسان 13, 2003 09:04 ص | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
مقتل العصفور السّاخر ـــ عبد الكريم السعدي لم تسعفني الكلماتُ عندما غرقتُ متأملاً بوجهها الصبوح مع بداية يوم جديد من شهر تموز عندما جلستْ قُبَالَي تلحظني بنظراتها من عينين سوداوين واسعتين في استراحة السينما (الكافتيريا) ما بين العرض الأول والثاني للفيلم الأمريكي (مقتل العصفور السّاخر) وقد حرْتُ بها واستغربت وجودها في هذا المكان وتساءلتُ كثيراً من أي عالم أتَتْ وهي غريبةٌ عني وافدةٌ لها شكل لم أعهده أبداً هنا قبلاً وكنت كالمشدوه الذي فقد شيئاً غالياً ولا يدري كيف يسترجعه. أسرفتْ بالنظر إلي والتحديق بي وابتسمت ابتسامة رقيقة شفّت عن براءة أنثى وفِعْلِ امرأةٍ وصبوة حالمة مددت يدي لإغلاق النافذة التي إلى جانبي فمّدت يدها لتفعل ذلك فتلامست الأيدي فقالت: شكراً لك وما أحسبك إلا تسكن بخاطري وتستقرئ أفكاري وتفعل ما أرغب فعله فازداد استغرابي وتعاظمت دهشتي وكأنني لم أعهد بنفسي القدرة على التماسك وبلساني التكلم والجرأة والإقدام وما أحسبني إلاّ طفلاً يحبو في عالم غريب وقد نسي من حصيلة بلاغته كل شيء. فتلعثمت أكثر وحِرتُ فيما أقول فأَتْبَعَنَي بكلماتها التي تقطر إغراءً ولفحتني بتنهيدة من سعير أنوثتها الضارية وكأنني سمعتها تقول "قل شيئاً" ألا تتكلم؟ أم أنك خجول ولم تحادث فتاة أو امرأة في حياتك.. رغم أنني أجدك مكتمل الرجولة و.. لا بأس.. لا بأس. سأنتظر حتى تجد العبارة المناسبة لتخاطبني بها قلت عندها وأنا أتفحص ملامحها وأبحث عن ذلك الشيء الغريب الذي يلفها ويجذبني إليه دون إرادتي قصْراً مقهوراً مفتوناً بما أرى: ما حيلتي أمامكِ وأنتِ الجميلةُ الفاتنة سوى أن أتملى من بهائك واستنجد وأعتصم بصمتي فهو خير ألف مرة من الحديث أحياناً (والمرأة سر مكنون وعالم غريب) ولعل الأساطير وما سمعناه من أسلافنا لا يرقى إلى غوامض عالم الأنثى وكيف وأنت الساحرة اللّعوب وفاكهة الذات البشرية ومحط النزاعات والإبداعات ألست من سلالة أمنا حواء وقد قيل أنه عندما أراد الله لأبينا آدم وأمنا حواء النزول إلى الأرض حدث أن افترقا عن بعض ليبحث سيدنا آدم عن طعام وقد أوصاها أن تبقى في مكانها لا تغادره حتى يعود من جولته فغاب عنها لزمن ثم رجع وسألها هل غادرت مكانك أو هل حصل شيء في غيابي؟ فقالت وقد ذهبت شرقاً وغرباً وبحثت أكثر منه: لا لم أغادر مكاني هذا أبداً). وها أنا ذا أجدني أسترجع ما سمعت عن تلك القصة في هذه اللحظات التي استغرقتني في محرابك اللامتناهي ما بين أبعاد ثلاثة هي الجمال والسحر والغموض وإن بادرتني بحديثك فكيف لي بالرد السريع وأنا أوجس خيفة من غموضك أولاً وجرأتك ثانياً وسحرك ثالثاً رابطاً كل ذلك في مخيلتي والرعب يملأ قلبي فاعذري دهشتي وصمتي واستغرابي قالتْ لي مرحى مرحى.. ها أنت تخطب إذاً وانطلقتَ دون وقوف أو فرملة إلا بعد أن أفرغت ما في جعبتك كله. وتواصل الحديث بيننا في صدّ وردّ وشدّ وجذب حتى اقتربنا وتهامسنا وبدأت تتلاشى مرارة الغربة ورياح الاعتكار وانحسرت عبارات التساؤل ليحل اللين والاستلطاف حتى جاء صديقي من جولته التي شملت صور العروض السينمائية المقبلة للأسابيع القادمة المعلقة في فاترينات جدارية في بهو الصالة فنهضت لأبادر صاحبي بالمضي لإكمال مشاهدة الفيلم فنهضت الحسناء وقد تركت على الطاولة اسمها ورقم هاتفها فتناولته.. دلفنا عبر ظلمة المكان (بعد أن أُطفئت الأنوار وبدأ العرض) إلى مقاعدنا حتى انقضت بضع دقائق فأحسست بيدٍ تلامسُ كتفي وباللاشعور رفعتُ يدي اليسرى لأتحسس ظاهر كتفي فأمسكتُ بيدٍ وهي تتسلل إلى عنقي والتفتُّ مندفعاً بردّات الفعل لأتحقق من ذلك الشخص الذي يمازحني في تلك الظلمة ولم يخطر ببالي أن تكون هي، فتبينت ملامحها بصعوبةٍ وقد اعتادت العيون على العتمة بعد أن توسعت الحدقات فأشارت بسبابتها وهي تضعها على فمها منذرة إياي بعدم التفوه ثم الصمت فربتُّ على يدها وما أظنني فهمت شيئاً بعد ذلك أو لاحظت ما يجري من أحداث ؟؟ لأنني كأي شارد يحدق بما هو أمامه دون أن يعي أو يدرك ما يشاهد وأضِيئَتْ الأنوار ثانية وخرجنا واستأذنت من زميلي لقضاء أمر يهمني وافترقنا ومضيت مع طالعي الجديد في رحلة أشهرٍ وقد تعلق كل منا بالآخر وكما تسللت يدها في العتمة تسلل حبها إلى قلبي حافراً أخدوداً عميقاً ومجرى يتدفق فيه من عذوبة حبها وموجة عشقها حب جارف وطئ أعتاب جسدي وتمكن من فؤادي وألهب جوارحي مأخوذاً بكليتي نحوها مندفعاً بعواطفي إليها شارداً بذهني في عالمها أمطرتني هواها وشملتني بعذابها وأنفذت في سويداء قلبي سهم حبها وما عهدتني منجذباً في حياتي إلى شيء مثلما أنا عليه اليوم. وبدأت أقلب أمري كأنها جنية تقبض على مقاليد أمري فتتحكم بمصيري أو هي ساحرة تمتلك من مفاتن الأنثى وأساليب الشعوذة ما يوقع مثلي في حبائلها وما ازدادت إلى غموضاً وبدأتُ أتصور شيئاً من موادّ الدراسة العلمية التي درستها حول التابع وتابع التابع وحسبت نفسي في فلكها أدور أو أتبع جاذبيتها ولم تكن لتمتنع أو تنعطف عن مسار حسي بل أحاسيسنا المتبادلة تعزز كل حب وتقوي كل موقف وعرفت من خلال فترة عشقنا طبيعة حياتها فهي تتعامل كما يقال (بتجار الشنطة) وقد سادت هذه الظاهرة في مجتمع السيدات وبعضهن وسيط لبعض حيث تتاجر كغيرها بأنواع المكياج والثياب الفاخرة المستوردة من فرنسا وإيطاليا وبعض دول أوروبا الأخرى عبر حقائب المسافرين الشخصية عندها فهمت مقدار ترفها المضاف لجمالها وأنوثتها الطاغية حتى عبرتْ بحياتنا غيوم الانقطاع وسادت جفوة البعد وحال بيننا صمت الحرمان فغزتْ الوحشة مسارب نفسينا ولم أدر لذلك سبباً وكلما اتصلت بها تعللت بالمجيء وأننا سنلتقي لا محالة والموعد قادم قريباً.. لمحتها في دربي مرة عند بائع الزهور المجففة فتفاجأت بوجودي وتجاذبنا عبارات التحية واعتذرت لانقطاعها عن مقابلتي لظروف أخرتها عن ذلك فقبلت عذرها على أمل أن نلتقي قريباً. وهكذا دخلنا في دوامة عراقيب المواعيد والمماطلة والاعتذار بشتى الأسباب الواهية واختلاق المبررات التي لا طائل دونها، تصورتها الملاك الأبدي الذي ينشر عباءته على من يحب من خلال علاقتنا وإذا بي أشاهد أنها تمتلك أسراراً أخرى لا أستطيع الوصول لكنهها وسبر غورها وتذكرت ساعتها أول مرة تعارفنا وتيقنت من تصوري وجهلي بالمرأة وأيقنت أن السر الغامض الذي تمتلكه ما هو إلا واحد من عشرات الأسرار الأخرى في جعبتها وبدأتْ تمنيني باللقاء ولا تأتي وتتفنّن باختلاق الأعذار حتى صرت أمامها المتهم البريء فما أشبه حياتي معها بحكاية الذئب والحمل، لقد انعكست الصورة وأصبحت أجد نفسي معها مذنباً في كل الأحوال وتيقنت مِنْ حكاية الذئب يوم جاء أعلى النبع ليشرب وفي قعر الوادي حمل صغير يرد الماء حين قال الذئب أما زلت تشرب وتعكر علي صفو مائي يا كبش فقال الحمل أنا لست كبشاً ولكني حمل وديع يا صاحبي وها أنت تشرب من أعلى النبع وأنا في أسفله فكيف لي بذلك؟ قال الذئب إذاً أباك في العام السابق فعل هذا. قال الحمل وكيف لي بمعرفة ما فعله أبي وأنا لا أملك حيلة لأذيتك فاغفر لي غلطتي وسأمتنع عن الشرب إن أردت.. لا يا كبش أنا لا أصدقك وأنت وأباك وجدك كلكم عكرتم ماء شربي ولا بد لي من عقابك.. قال الحمل أرجوك لا تفعل.. فلن أفعل ما يغضبك يا عظيم الوحوش لكنه انقض على الحمل وأنفذ فيه مخالبه وكان وجبة سائغةً لشرير غادر.. وعاتبت نفسي عندها وإن كنت خفتها قبل أن أعشقها لكنني عشقت غولاً مفترساً ظهر بثوب حسناء ووجه غانية كنت واحداً من ضحاياها التي تتابعت تخطب ودها وتتهافت عليها لتبني معها عشقاً آخر ووصالاً شائكاً يحمل عبره تياراً كهربائياً قاتلاً في كل مرة، كثيرة الوعود مغناجة رقيقة التعامل سُميّةُ الأهداف تستقطب حولها ما لا يعدُّ ولا يحصى وقوتها مستمدة ممن يعشقون وصالها وهم أدوات انتقامها وهيمنتها في هذا العالم. أدركت بعدها أنني العصفور الذي قبضت عليه بيدٍ ناعمة قاسية تريد خنقه كلما ضغطت أكثر وشاهدت نفسي في شريط الفيلم الأمريكي "مقتل العصفور الساخر" صورة جسدت حالي تماماً.. فمتى أتحرر من قبضتها ودمائي تتفجر من شراييني النازفة؟! فيا له من حب قاتل. |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |