|
||||||
| Updated: الاحد, نيسان 13, 2003 09:04 ص | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
في وقت القيلولة ـــ منهل السراج إنها ختام إذن.. دفنت مع خنصر أبيها المقطوع دون إتمام ختمة عليها.. ولم تختم القصة.. خجلون منها أهل المدينة وهم يرغبون بالنسيان ولكن... حساب الله أصعب أم حساب أهل المدينة..؟ غير أن أبا ختام يمشي في السوق بخنصر مقطوع ويزن اللبن والجبن بخنصر مقطوع.. بناته عند عمتهن يعاقبن بذنب ختام.. زوجته مرمية في بيت أخيها.. خادمة.. وأخته تفتل على البيوت تختار لأخيها زوجة. ربما كانوا يضحكون لنكتة بذيئة عندما انقلبت السيارة في طريق العودة إلى المدينة.. الخضرة الندية والضحكة الساخرة.. كانوا يظنون أنهم نجوا للمرة الأربعين.. لكن.. نجت -لسوء حظهما- امرأتان كانتا في المقعد الخلفي.. أما الرجلان الجالسان في المقعد الأمامي فلم ينجيا.. كل من الأربعة ترك زوجه في البيت. يفعل بعض أهل المدينة هذا، يغلقون باب سورها الكبير ويودعونها بقبل في الهواء ويهرعون.. تخلع النساء كل حجابها.. ويرخي الرجال ربطات أعناقهم.. وفي المساء يشرب الرجال ويرقصون بمحبة وحنين وشوق للمدينة الغافية ولسورها المغلق.. وبكرم بالغ للبلد الذي منحهم الكأس والمتعة. هربت إحدى المرأتين والأخرى لم تستطع اللحاق بها فقد جروها إلى المشفى وهي تردد بهلع: -أنا منيحة اتركوني.. أو -أنا سأموت تريد ختام أن تطمئن الجميع إلى موتها القادم وتخلص من قبضاتهم التي تشد الشرشف على صباها ساحبينها إلى غرفة الإسعاف وقد سارعوا إلى وضع حارس عليها أو حارس عليهم خوفاً منها. في حديقة المدينة وداخل سورها جلس شاب يبكي بين أزرار أزهار ذابلة وبجانبه آخر يجبر خاطره.. ربما كان أخو ختام.. أو جارها الذي كان يحبها قبل زواجها أو زوجها المغدور حامل العار حتى ينفضه عنه.. تهامست الممرضات والعاملات كذلك الأطباء وموظفو المشفى.. فالخبر انطلق من المخفر القريب.. طرق الأبواب والهواتف.. ارتدى زيه الذي ينتظره دائماً وتنزه.. سمعه من يرغب ومن لا يرغب.. رجلان ماتا معهما امرأتان خائنتان إحداهما هربت والأخرى تعض الوسادة.. قضوا بوضع الحديد على رقبتها ورقبات أخواتها وخالاتها وعماتها وجاراتها. ختام ذات العشرين عاماً مرمية في سرير المشفى الحديدي تدّعي النوم متيقنة في كل ثانية من غطاء رأسها بأصابعها المدماة من العض ندماً حتى اضطروا إلى لف كفيها بضماد سميك.. أمها بجانبها تلطم خدها مكسورة العين.. بينما يوجد على الباب شرطي يتابع الخبر كي يتشدق به على الغداء لزوجته وهو يعض بصلة خضراء.. مشتهياً أن يعض خد ختام.. وطبعاً لزوجته جارات تلقاهن في الصبحية والعصرية وأحياناً وقت قيلولة زوجها.. ولجاراتها أقارب و للأقارب جيران والجيرة حارة والقرابة أكثر حرارة والجميع ملتصق بالجميع.. انتشرت شتائم نساء المدينة لختام الفلتانة قبل رجالها.. أما لعناتهن فقد أصابت الهواء بوباء وارتطمت بجدران السور الغربية والشرقية والقبلية الكتيمة وارتدّت.. أبو ختام على طراحته في بيته بين وسادتين يتكئ على إحداهما بالتفاف حزين.. لقد انحنى كتفه وشاب رأسه في فجر واحد.. كان يعرف طيش ابنته لكن لختام زوجاً والناس لا تعرف وطالما أن الحال مستور فهي في أحسن حال.. خرج إلى أرض الدار وجلس على الدرجة المنخفضة من السلم.. -لو تنشق هذه الأرض وتبتلعني.. مصيبة.. لو أنها ماتت.. عندها سأمتنع عن حضور دفنها لكنها عاشت.. بنت الكلب.. كي تلصق الزفت باسمي.. لابد أن اللبن حمّض والحليب فرط والجبن على وشك.. غادر بيته في الصباح ولم يرد السلام على الخباز واللحام وبائع الخضرة.. اقترب أبو ختام من الدكان المغلقة بستارها وقفلها المتوضع على الأرض برغبة من يريد أن يدفن رأس صاحبه فيها.. فتح نصف الستار الحديدي فانتشرت رائحة الجبن المرتخية وحموضة اللبن.. جلس في الركن المعتم بجانب عنبر السمنة مسنداً رأسه إلى سطحه الأملس واللزج من بقايا السمنة المعشعشة فيه وتفاحة حلقه تنزلق بلزوجة أيضاً وبين ناتئة في عنقه الرخو مرتعشة تحت جلده المجعد الرقيق... -السلام عليكم. غاص الجواب.. كان يرد السلام في اليوم الواحد ألف مرة.. كل هؤلاء الأوادم يرمون سلامهم بخجل ورغبة في التعزية.. يقولونها ويمضون بسرعة.. لا يريدون أن تلتقي العيون وهو لن يرفع وجهه المنكس.. من يقدّر سوف يحمد ربه أن سوء الحظ لم يطل بيته ومن لا يقدر سوف ينتشي بنجاته.. غمغم بكلمة لجاره وغاب ساعة طلق أم ختام وعاد. ختام كانت طائشة.. لم يذكر متى طاشت فقد زوجها وهي تلعب بالحارة.. عندما ولدت كان ينتظر عبد الستار كان يزن الجبنة للزبون عندما أخبروه بمجيئها.. سماها ختام كي يحسم أمر البنات ويقطع السلسلة.. لكن ختام جرت خمس فتيات آخرهن كفى وهي مازالت تحبو.. وقف وانتقل إلى الزاوية الأخرى من الدكان بجانب الميزان.. كان جاره الذي يبيع السمنة والجبن مثله جالساً على تنكة جبنة واضعاً ساقاً على ساق مجمعاً جلابيته بين ركبتيه قدمه المحشورة في خفه المنزلي الذي يكبرها بنمرتين على الأقل.. أخذ لحسة من اللبن الموضوع أمامه وقال لضيفه: -كنا نشوف المرة تنشر الغسيل في أرض الديار بالشلحة والباب مفتوح الله يلعنها.. العيون خضر قد الشحاطة على وجه قد البلاطة والرقبة لبن حليب وزنود مقشورة متل قرع الخفيف.. كانت تطلع عالموضة.. ثم يستأنف بفخر: -أنا لم أحضر عزا الرجلين اللذين ماتا مسطولين مع النسوان. أين يمضي أبو ختام.. المرة طلقها والبنات عند عمتهن والصهر مختف تاركاً لأبيها أمر الفضيحة.. أغلق الستار الحديدي وخرج.. دفع باب بيته ونظر إلى حبال الغسيل الفارغة سيمكث وحده في هذا البيت.. أغلق الباب واتجه إلى بيت أخته.. وضعت أخته الغداء أمامه صامتة بينما البنات مكومات في أبعد غرفة -حتى كفى ابنة التسعة أشهر-.. كيف يأكل..؟ خرج إلى أرض الدار وجلس ملتصقاً بالجدار ولكن الجدران تشارك أيضاً بقصة ختام.. فجارة أخته تشتم ختام وأهل ختام وعيلة ختام متمنية الموت لها بصوت تتقصد أن ترسله إلى أبعد أذن ممكنة.. ربما تزيد نفسها شرفاً.. لم يتناول أبو ختام طعامه بل قطع مسافة النصف ساعة بعشر دقائق.. كان يهرول آخذاً الشمس والسماء والهواء معه تناول الفأس من السطح.. قفز.. انتصب أمام الليمونة.. دقائق.. حفر عمق متر. أخرج صرة.. قطّع عشرة أكياس وهو يشهق.. أخرج مسدسه ملأه بالرصاصات التي كانت مخبأة بين ملابس زوجته في الرف العلوي من الخزانة.. كانت ختام تشفى.. -دمها قوي وعينها تستطيع فتحها بالمازوت.. قال الشرطي.. قبلت أن تشرب كأس الزهورات وهي تنوي أن تهرب عندما يغفلون.. وربما تلحق بصديقتها التي كانت تشاركها مشاويرها وتغطي غيابها.. وقد ارتاحت لقرارها قليلاً.. ناظرة إلى أمها الشاردة الناقمة عند النافذة.. لم يمنع الشرطي الأب عندما اندفع وفتح باب غرفة ختام.. بل انتظر مراقباً فوران البركان الذي أخرج مسدسه... صاحب الأم.. بكت ختام برعب ونظرت برجاء إلى صدر أبيها الهائل قائلة: -أنا بنتك. لم يحتمل رجاءها.. وصرخ: -بنتي.. اطلعي ردي على العالم. سحب سكيناً وفتح كفه اليسرى وصاح باكياً مشيراً بالسكين إلى خنصره: -هذه ابنتي وسأقطعها. ارتمت خنصره المقطوعة فوق ختام أما ختام فقد قبلت أن تموت في تلك القيلولة قبل أن تصل الرصاصات جسدها. حساب الله أصعب أم حساب أهل المدينة؟؟؟ |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |