|
||||||
| Updated: الاحد, نيسان 13, 2003 09:04 ص | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
انهيارات المثقف في (أحضان السيّدة الجميلة*) ـــ نزار وجيه فلّوح هل تعني قراءة نصّ روائي ستيني ـ بالضرورة ـ إعادة طرح أسئلة عتيقة عفا عليها الزمن؟ تخاطب (ذكية) المرأة الجميلة الناضجة زوجها (إسماعيل) في لهجة سخرية وتحدٍّ: ـ "كتابك الجميل هذا الذي أضعت فيه أجمل لياليك، اتركه في أي مكان وانظر إن كان يلقى بالاً من أحد...".. أما (إسماعيل) المثقف وأستاذ الفلسفة الذي يحلم بوضع أكثر من كتاب يتحدث فيه عن تجاربه وخيباته وأحلامه فلا تثيره نبرة التهديد عند زوجته فيهتف بهدوء: ـ بل يعود إليَّ مع صديق جديد لأفكاري.... ويخوض (إسماعيل) امتحاناً قاسياً، فينسى ـ أو يتناسى ـ مخطوطة كتابه في مقهى البرازيل، بعد أن صبّ فيه عصارة حياته وتجاربه، وتنتقل المخطوطة إلى شاب مثقف فقير، ثم إلى سارق ظنها حقيبة نقود، فإلى طفل نحيل يعمل صبياً عند حلاق، ثم إلى بائع للخضار والبطيخ، يشتريها منه زبون بليرة ونصف، فترميها زوجته من النافذة لتقع على شيخ طاعن في السن... ويلتقطها عامل متعطل جائع فيظنها ثروة مفاجئة، ثم يعطيها لبائع متجول بربع ليرة، فيضعها الأخير في كيسه الكبير مع كومة من الأحذية البالية والخردوات القديمة، إلى أن يشتريها شابٌ متأنق مغرم بالعاديات، وحين يفشل في بيعها للهواة يعيدها إلى (إسماعيل) في بيته، مثنياً على أفكاره وثقافته، فيما هو يختلس النظر إلى زوجته الجميلة (ذكية) محاولاً الوصول إلى قلبها، وخلال ذلك كلّه تعرضت المخطوطة للغبار والركل والوحول وأطماع الفئران دون أن تُقْرَأ منها كلمةٌ واحدة، لتعود إلى صاحبها الذي خسر الرهان، ولم يفلح في التخلص من عقدة الإثم والغربة والخيبات الكثيرة... و(إسماعيل) هذا مثقف يعمل مدرساً للفلسفة في مدرسة للإناث، يعترف لنفسه بعقده الكثيرة، ويداري ميوله الجنسية وظمأه الشديد إلى المرأة، فيبدو مثل مراهق أمام طالبته (ليلى) ذات الستة عشر ربيعاً ... ويشعر أنه مريض وكهل الروح والجسد بعد أن فاته قطار الزواج. أمّا أحلامه في وضع كتاب أو أكثر حول تجاربه في الفكر والحياة والنضال فإنها تصطدم بعدم قدرته على التركيز والإنتاج، فهو يشعر بغربة حادة ووحشة قاتلة، يزور صديقه (فاتح) في المرسم، ويتبادلان حواراً حول ما حلّ بهم وبأحلامهم الخائبة، ويتذكر الأصدقاء الذين كانوا كتلة متراصة متفائلة، فتشرد بعضهم بين المنافي والسجون، وفتك المرض والموت ببعضهم الآخر، وتجتاحه نوبة بكاء هستيرية أمام صديقه، فيدعوه إلى الاستعانة بالمرأة على همومه ويأسه وضجره.. تجمعه المصادفة (بذكية) المرأة الأرملة الناضجة الثرية، فيتبادلان حديثاً مصطنعاً حول الفن والحياة والتجارب الشخصية لكل منهما، ويكون ذلك مفتاحاً لعلاقة زوجية لا تنجح في تخليص (إسماعيل) من عقده وخيباته، إذ تنفجر في أعماقه بقوة وقائع ماضيه الحافل بالجبن والتردد والهزيمة.. يزور (إسماعيل) القلعة ويناجيها كصبية رائعة الجمال، ويسألها المغفرة عن ماضيه الآثم، فتدعوه إلى النسيان والاندماج في حياة الحبّ الجديدة مع زوجته وأفكاره، فيقرر أن يبدأ الكتابة عن الحبّ والحياة والخير والجمال، لكنَّ كوابيس الماضي تلاحقه من جديد، فينصرف عن واجباته الزوجية إلى عزلة جديدة، إلى أن تراهنه (ذكية) ذلك الرهان حول كتابه مؤكدة عبث مايكتب وعدم جدواه وقيمته... أمّا (إسماعيل) الذي ظلَّ أسير ماضيه فتنثني الرواية على صورته مصلوباً على عمود، حيث تنهال عليه حجارة الناس المصطنعين على حزام القلعة الخارجي. هذه خلاصة تقريبية ـ وربّما مُخِلَّة ـ لما تقوله الرواية... أما كيف تقوله، وبأية لغة وأسلوب، فالرواية تمثل ضمن سياق مرحلتها التاريخية في الستينات مشروعاً جديداً في الكتابة الروائية يتجاوز أساليب الحكي والقصّ والإخبار إلى كتابة تنهض على رؤية تأملية للذات والواقع والمجتمع، تغذيها خصوبة فنية وشعرية عالية في استخدام اللغة وتفجير طاقاتها، وفي توظيف المكان، والاغتناء بمرجعيات ثقافية وفنية ورموز دينية وفكرية وتاريخية متنوعة: القلعة، السيدة، الاعتراف، التطهير، المغفرة، يهوذا الإسخريوطي، رامبو، تشيخوف.... وإلى جانب هذه الرموز الموحية تحمل أسماء الشخصيات دلالات تعبيرية خاصة، فصديق البطل (فاتح) الذي يتردد (إسماعيل) على مرسمه يستدعي إلى ذهن القارئ شخصية واقعية معروفة، أما (إسماعيل) الذي تلازم حياته الآلام ففي شخصيته ومصيره شيء من النبوة وما يتصل بها من طقوس التضحية والافتداء، فيما يشي اسم (ذكية) ببعض مفاهيم الخبث الاجتماعي الداعية إلى اغتنام الفرص وانتهازها. لا يقتصر المكان في "أحضان السيدة الجميلة"، على مجرد كونه إطاراً حاضناً للأحداث، بل هو مكان حيّ متحرك ونابض، فالقلعة شخصية رئيسية فاعلة، وهي رمز للتاريخ، وأحلام الماضي، ورمز للبقاء والديمومة، وحافز للتفاؤل المستقبلي... أماّ نمط السرد فيرتكز في شطر كبير من بنية الرواية على لغة البوح والاعترافات الذاتية التي تعكس مزيجاً متناقضاً من مشاعر التعاسة والخيبة، مع اللهفة الحارقة إلى تحقيق رغبات الجسد والروح، إثبات حضور الذات أمام المرأة والعالم، إذ يُولِّد المونولوج الداخلي تداخلاً في الزمن، وتداخلاً في الحدث، الذي ينوس بين الحلم والواقع، وتزداد لغة الرواية ألقاً في مقاطع المونولوج الذاتي ذي الطابع التأملي والفكري محلقة فوق لغة الإخبار والتفاصيل الحكائية المباشرة.. تمر الرواية بعدة لحظات تحمل إلى القارئ في كل مرة شعوراً بالنهاية، لكنَّ السرد يمتد بعدها نحو ذرا جديدة من التصاعد والتأزم، مما يوحي بشيء من تعدد الخواتيم ربَّما يعكس ـ فنياً ـ ارتباك موقف البطل وصراعاته النفسية والوجودية غير المحسومة. أمّا الأصوات فتكاد ـ رغم تعددها الظاهري في الرواية ـ ترتد إلى صوت واحد مهيمن هو صوت الراوي الممثل للمؤلف الكاتب المتأمل والمفكر، وإلاّ فمن أين لبائع بطيخ ـ وهو شخصية شعبية ـ أن ينادي: "عالسكين أيها الغرباء في أرضهم... عالسكين يا محبون بلا أحبة، عالسكين أيتها الحقائق التي يزدريك الكلّ فلا يعلمون..."؟!.. ماهو موقع المثقف ودوره في المجتمع خلال مرحلة تاريخية محددة؟ وما الذي آل إليه هذا الدور؟ وكيف نفسر هذا الإخفاق الفردي والجماعي الشامل والذريع، حيث سقطت أحلام التغيير وانكفأ المثقف الحالم إلى اليأس والعزلة والانطواء؟ ما سمات شخصية المثقف (إسماعيل)، وهل تدل التعاسة التي لازمته على قوة حضور الحس الأخلاقي لديه؟ وأخيراً: من هي السيدة الجميلة: ذكية أم القلعة التي كان (إسماعيل) يناجيها ويعترف لها؟ ففي الرواية مستوى ترميزي يجعل بعض الشخصيات والأماكن والأحداث محملة بدلالات فنية إضافية وممتدة، ومستوى إبلاغي يبرز جملة مواقف سياسية واجتماعية من الاستعمار والسلطة، ومن التجار الذين أنشؤوا طبقة طفيلية انتهازية تتربع على أنقاض القيم الأخلاقية الآفلة؛ إلاّ أن الرواية سعت إلى إبراز هذه المواقف من خلال خيار فني يتجنب الخطابية والشعاراتية والتقرير في زمن لم تكن الرواية العربية قد تخلصت فيه من هذا الأنموذج في الكتابة والتعبير. تطرح الرواية رغم نبرتها التساؤلية الواضحة بعض المقولات والقيم التي تمنحها سمتها التأملية الخاصة، فالفكر مصدر القلق، والإنسان حصيلة تاريخه، والمرأة مفتاح للخلاص، والعلاقة معها شراكة روحية أزلية، أما علاقة البطل المغترب بالواقع فمؤقتة هشة سريعة الانهيار، لكنَّ وليد إخلاصي، لا ينفَكُّ يطرح التساؤلات حول قلق المثقف الباحث باستمرار عن دور له، وعن أجوبة لتساؤلاته الوجودية مما أفضى به إلى اغتراب روحي عميق عن المجتمع والعالم، فهو يُشَخِّصُ مصيره من خلال ما تقوله له زوجته: "ما أغباك يا إسماعيل، بعت متعة الحياة بالبحث عن سر الحياة! لن تصل إلى المتعة ولن تجد السرّ".. المشهد الذي تقدمه الرواية منذ ثلاثين عاماً يستدعي إلى ذهن القارئ مقارنات ودلالات غنية تلامس الراهن والسائد والآني، ولعل في ذلك نفسه مايسوغ إعادة قراءة هذا النصّ الروائي الستيني الذي ما تزال أسئلته ـ على قدمها ـ تبدو للقارئ مشروعة جديدة وطازجة. الهامش: *ـ أحضان السيَّدة الجميلة: وليد إخلاصي ـ دمشق ـ 1968. وصدرت الرواية في طبعة جديدة ضمن أعمال الكاتب عن دار عطية ببيروت ـ 1999. |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |