جريدة اسبوعية تعنى بشؤون الأدب و الفكر و الفن - العدد 740 تاريخ 23/12/2000
Updated: الاحد, نيسان 13, 2003 09:04 ص
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الوعي العربي في مرايا النار ـــ سليمان حرفوش

تتميز رواية الكاتب السوري حيدر حيدر: "مرايا النار" الصادرة عن دار "أمواج" اللبنانية عام 1992 بعمارتها الفائقة الإتقان. وقد حسم الكاتب أمره منذ الكلمة الأولى باختياره زمن الوعي المتحلزن بديلاً عن الزمن الكرونولوجي المترهل، موزعاً روايته في ستة أزمنة متداخلة، كل زمن بمثابة الفصل في الرواية التقليدية، وهي على التوالي: زمن الحكاية، زمن الورد، زمن العار، زمن الهروب، زمن الغيرة، وختمها بملحق أسماه: زمن التتويج ومرايا الظلمات. وتلتف هذه الأزمنة وتتعانق وتتحلزن، متبلورة حول بؤرة الوعي المستقطب في الحدث المحوري الذي يحرك صيرورة التشكيل الأدبي في الرواية. كما تتشابك المقاطع المتلاحقة ضمن كل زمن ـ أو كل فصل ـ وتتداخل من خلال تعانق الحاضر باستمرار مع الماضي في أداء شيق رائع، دون أي تكلف من جانب الكاتب، ودون أية تعميات أو ترميزات قسرية متحذلقة. فكيف تم الأمر بهذا التوفيق لحيدر حيدر؟..‏

لقد نجح في التقاط الرمز الأمثل للعربي التائه ممثلاً في بطله "ناجي العبد الله"، إذ وضعه في قطار سفر منذ البداية، وحتى النهاية. وعلى الهدير المتواتر برتابة، هدير عجلات القطار، ومع أصوات الصفير المزعجة لدى التوقف في المحطات والانطلاق منها، تستيقظ الرؤى، وتلسع الذكريات الأليمة، وتتداخل اللحظات المتنافرة زمناً، الموحدة وعياً وديمومة.‏

فالبطل بادئ الأمر هارب من وطن غير محدد، تحكمت بمقاليد الأمور فيه طغمة لا تعرف غير القتل، والتعذيب، والتجويع ودوس الحريات، وهربه الأول ذاك داخل الذات يجعله متقاعساً حيال حبه الغضّ الأول، عجزاً نفسياً وقهراً:ففي وطن القمع والاستلاب كيف يمكن الاستسلام للحب؟ ثم لا يلبث أن يخسر ذلك الحب خسارة فاجعة حين تقتل حبيبته على يد الطغمة ذاتها، وتطارده من ثم على الدوام جثتها الطافية على ضفة النهر. وهو هارب ثانياً من مدينته التي استبيحت ومن مجزرة حصدت جميع أفراد عائلته، ولم ينج سواه بهربه إلى منور الحمام، واختبائه كجرذ لأيام وسط ذلك النتن والخوف والقهر. وهو هارب ثالثاً وأخيراً من الحب الجديد الذي تعلق بعنقه مستغيثاً في تلك المدينة الساحلية الغريبة في شمال أفريقيا، وهي المدينة التي لجأ إليها بعد المجزرة: حب امرأة متزوجة تعيش مع زوجها وابنتها الصغيرة.‏

كان زوجها قد أصيب بشلل نصفه السفلي حين حضر ناجي العبد الله واستأجر غرفة لديهم، فتعلقت المرأة بالغريب تعلق الغريق بغصن يابس. وراودته جهدها، واستماتت عبثاً في تحريك مستنقعه، مستنقع اليأس والقهر، الراكد إلا من التفكير الممضّ بالثأر للأهل والحبيبة والوطن. وتستمر محاولاتها التي أثارت أخيراً الغيرة الجنونية لدى زوجها المشلول إلى أن كان هرب ناجي على غير هدى في هذا القطار المسافر إلى مكان غير معروف بالنسبة لذلك المشرد الأبدي الذي لم يحسم بعد وجهة سفرته الجديدة. حيال هذا الهرب المستمر يبدو اسم البطل: ناجي العبد الله رمزياً إلى حد بعيد: إنه "الناجي" أولاً من القتل، مثلما هو "الناجي" ثانياً ـ وهنا جوهر الرواية ـ من نسيان استباحة الوطن والإنسان برفض الوقوع في شرك الحب الفردي. ثم إنه "عبد الله"، العبد الفقير إليه تعالى والذي لا يقدر على شيء إلا تأجيج الرغبة في الثأر، وهي رغبة عاجزة: مجرد نار تأكل القلب الذي نضت منه نسغ النضارة والعفوية إلى غير رجعة، مثلما مات في نبض البراءة واليقين والتوقد بالحماس.‏

كان محمود درويش يقول: ".... وطني ليس حقيبة/ وأنا لست المسافر/".. ورغم تأكيده ذاك فلم ينفك عن السفر. أما حيدر حيدر فلم يقع في التناقض: فوطنه ليس حقيبة، إنه توهج الوعي المؤلم تحت الأنقاض والحطام..." نبض الدم المحرور في العرق الموات" ـ كما قال خليل حاوي، وهو مسافر آخر لم يهنأ باله حتى استقل قطار الموت ـ .نعم. الوطن الذي يسود فيه البطش والتعهير لا يورث إلا ذكريات حامية تكوي الوعي كلما أراد الاستسلام للنوم؛ والمواطن ـ الإنسان فيه مغترب، وهو في رحيل لا ينتهي حتى لو لم يغادر مسقط رأسه قيد شبر، مثلما هو في تشرنق، محكم داخل عزلة قاتلة حتى وإن كان في أكثر الأماكن ضجيجاً وازدحاماً. لقد أبدعوا قديماً رمز شبح البحار التائه الذي حلت به اللعنة فلا يحيا ولا يموت على متن مركبه السابح أبد الدهر فوق الأمواج، وعثر حيدر حيدر في لحظة إلهام فريدة على الرمز الصافي للوعي العربي المحاصر الممزق حين ابتكر ذلك المسافر الخالد في قطار رتيب لا ينقطع هدير وتخلخل عرباته الصماء.‏

ثم أجاد حيدر جلاء رمزه حين جعل البطل من لا مكان: فهو من بيروت، أو ربما من بغداد... أو ما شئت. وقد يستوحي القارئ أحياناً بعض التحديدات المكانية فيحاول ضبط الإحداثيات بدقة ماكرة، لكن كل شيء سرعان ما يتخبط من خلال تفاصيل جديدة تغير الإسقاطات والإحداثيات، ولا يعود أمام القارئ إلا الإيمان بأن.."الحال من بعضه"... حتى الفصل الأخير حيث يقرر الكاتب حصر إحداثياته بدقة كما سوف نرى لاحقاً..‏

وزاد حيدر حيدر تقنيته براعة وتكثيفاً في محوره العمل حول بؤرة الوعي المتأججة. فاعتمد النقلات السريعة الخاطفة بين الشخصيات الثلاث: البطل والزوجة والزوج، متابعاً بإيقاع متواتر تطور حب الزوجة للغريب، وهو الحدث الرئيسي الذي نظم من البناء الدرامي المتدرج مع ذلك الحب اليائس من زمن الورد في بداياته الغضة، حتى زمن الغيرة في نهايته المحبطة، مروراً بزمن العار ومن بعده زمن الهروب. كما ربط الكاتب في أضمومة واحدة جميع ضمائر التواصل: الغائب أولاً، ثم المتكلم، فالمخاطب، فأما ضمير الغائب فكان للسرد لدى عرض البطل ناجي العبد الله. وها هنا يتماهى الكاتب مع بطله بلغة شفافة مرهفة، مشحونة بجمل قصيرة غنية بالصور في زخمها المتلاحق دون أي تشتت على التخوم الرائعة بين الشعر والنثر. بل إن بعض المقاطع هي بحق قصائد مؤثرة من الشعر الوجداني المنثور. وأما ضمير المتكلم فجعله حيدر للزوجة وللزوج؛ وعرّج على ضمير المخاطب حين تناجي المرأة في سرّها هذا الغريب المستعصي على الحب والحياة؛ أو حين يفجّر الزوج جنون غيرته شاتماً ومتوعداً ـ في سرّه ـ زوجته التي انفلت عهرها حسب توهم غضبه من كل قيد.‏

ولم يفلت الكاتب في سياق هذا التكيف الشديد إحياء الزمن الماضي، زمن الرحيل في القطار، ودمجه عضوياً بالإيقاع الدرامي لعمله الروائي، إذ لم يتوقف عند ناجي المسترسل مع ذكرياته، بل تعرّض أيضاً لتلك الأم المسافرة مع طفلها المريض. فيتوافق تطور وتفاقم مرض الابن مع تنامي أزمة الحب اليائس، وينتهي المرض بموت الطفل مع تقطع حبال الأمل لدى زوجة المشلول. وفي أول محطة للقطار بعد وفاة الطفل، لا ترضى الأم بتسليمه ليدفن، بسبب حالة هستيرية أوهمتها أن ابنها مازال حياً. ولكنهم ينجحون في انتزاعه بالقوة. ثم هاهي، مع اقتراب العمل في نهايته، تلقي نفسها من القطار: إنه الموت إذن! الموت والعجز والهرب في لحظة خالدة هي الماضي والحاضر! إنه الزمن الخالد وقد تحققت ديمومته بالترابط العضوي للأصداء المتجاوبة المتناغمة في وحدة العمارة الفنية داخل "مرايا النار": حب الزوجة اليائس؛ موت الطفل؛ انتحار الأم؛ مقتل الحبيبة الأولى؛ شلل الزوج عضوياً؛ شلل ناجي نفسياً؛ تشابك الغائب والمتكلم والمخاطب؛ وجودياً وإنسانياً في قلب الفاجعة؛ الهرب ثم الهرب؛ القطار المتقدم وسط الليل؛ وأخيراً، لسعة رغبة الثأر لدى ناجي، وحرقة نار الغيرة بين أضلاع الزوج المغلوب على أمره.‏

لابد لنا الآن، استكمالاً لتفاصيل اللوحة، من وقفة متأنية أمام تلك الزوجة المعذبة. إنها، كما عرضتها "مرايا النار"، فتاة اغتصبها الشاب الذي ادعى حبها، ثم يمَّم بعد اغتصابها شطر إسبانيا لإتمام دراسته، وخلّفها وراءه وهي حامل منه. وكان أن زوجوها درءاً للفضيحة من شقيق المغتصب. وبالطبع، فهذا الزواج الاعتباطي هو نوع مختلف من الاغتصاب. أما الابنة، ثمرة الاغتصاب الأول باسم الحب، فقد اضطر الشقيق لتبنيها وتربيتها. لكن هذا الشقيق، المنقذ ظاهرياً، والممارس للدعارة والاغتصاب فعلاً، يصاب بشلل نصفه السفلي ويصبح قعيد كرسي متحرك، ليطلّ من ثمّ على هذه الأسرة "النموذجية" ناجي العبد الله المصاب هو أيضاً بشلل، لكن في نصفه العلوي ـ عاطفياً هذه المرة ـ . وها نحن فجأة دون أي تكلف أو إقحام أمام رمز رائع مثلث الأوجه، يكمل رمز المسافر في قطار التيه ويتجاوب معه بتناغم كامل، فالزوجة هي أولاً رمز الأنثى المغتصبة قبل الزواج وبعده، وهي ثانياً رمز الحب الأنثوي الخائب بين عنّتين: عنّة الروح لدى الغريب والطفلة ثالثاً نسل الحب الكاذب والاغتصاب فهي الرمز الأمثل للبراءة الملوثة والمقهورة في آن واحد.‏

بهذا الرمز العفوي الشفاف والبليغ كل البلاغة، هذا الرمز الثلاثي الوجوه يكمل حيدر لوحته وصولاً إلى الفصل الأخير: زمن التتويج ومرايا الظلمات، الذي قرر فيه ضبط إحداثياته عند النظام العراقي تحديداً وهزيمته المنكرة في "عاصفة الصحراء" دون أن يثني ذلك رأسه عن "تتويج" نفسه في مرايا الظلمات والبطش.‏

وبتلك الصورة الفاجعة لمأساة الشعب العراقي يختم حيدر حيدر رائعته "مرايا النار" بلغته الشعرية التي لم تسف ولم تضعف لحظة واحدة، مخاطباً زمن الظلمات ذاك في الصفحة /140/ في السطور الأخيرة من عمله:‏

"ممجّد أنت وخالد إلى الأبد في أرشيف وذاكرة الدهور المنحطة، وليتأصل هذا الفساد العظيم في الخلايا والشعيرات الماصّة حتى يكون الهلاك والظلام والدمار عميماً وشاملاً، ليولد من اختمار هذا الفساد نسل آخر، جديد، صلب، ولامع، يمحو آثارك من طبقات الأرض، وتاريخ الزمن، ودم البشر القادمين مع الشمس".‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244