جريدة اسبوعية تعنى بشؤون الأدب و الفكر و الفن - العدد 740 تاريخ 23/12/2000
Updated: الاحد, نيسان 13, 2003 09:04 ص
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الومضة القصصية وبلوغ الهدف ـــ إسماعيل مروة

تعدّ القصة القصيرة من أكثر الفنون الأدبية انتشاراً في زماننا، وكتاب القصة القصيرة في زماننا زادوا إلى درجة كبيرة تدعو إلى التفاؤل بمستقبل قصصي جيد للقصة العربية، ولعلّ ما أشار إليه عدد من النقاد من أن القصة القصيرة هي البنت المدللة للصحافة الأدبية اليومية أو الأسبوعية أو الشهرية فيه الكثير من الصحة، فوفرة الصفحات الثقافية في الدوريات -حتى اليومية السياسية- أفسح المجال لبروز أسماء كثيرة في مجال القصة، وتنوع هذه الصحف والدوريات واختلاف توجهاتها واهتماماتها، أوجد نوعاً مختلفاً من القص، وهناك من القصاص من برع في تحويل اللقطة الكاريكاتورية الساخرة الناقدة إلى قصة قصيرة، فصارت سمة له.‏

وكثرت الاجتهادات -وهذه بطبيعة الحال حق طبيعي للمبدع، وفي مصلحة القصة- وتنوعت القصص المنشورة هنا وهناك، وصرت ترى القصة القصيرة التقليدية، والقصة القصيرة الحداثية، و تلك التي تلتزم بالحدث، وتلك التي تهتم بالتصوير، وأخرى تهتم باللقطة الشاعرية، وأخرى مباشرة، وأخرى رمزية، وتجد القصص التي تلتزم بحرفية القصة وحجمها، والتي لا تهتم إلا بالكشف واللغة الشعرية الموحية..‏

هذه التجارب القصصية كلها تستحق أن يوقف عندها، وأن تُدرس بعناية، وتُقَوّم تقويماً صحيحاً وسليماً من أجل مستقبل القصة.‏

الأستاذ إبراهيم سعفان من الأصوات الأدبية ذات النكهة الخاصة، فهو متعدد الاهتمامات والمواهب، في مجالات النقد والشعر والفكر واللغة والقصة، وتجربته القصصية تجربة خاصة جداً لذلك تستحق الاهتمام، وتستحق أن تُدرس على الرغم من أن الأستاذ سعفان مُقِلّ في القصص المنشورة، ففي مجال القصة صدر له مجموعة (القناع) ومجموعة (قبل أن تنطفئ النار) 1998، وهي التي أقف معها في هذه الزاوية.‏

مجموعتان فقط نشرهما حتى الآن إبراهيم سعفان، شأنه شأن أغلب المثقفين العرب الذين يعملون على أكثر من صعيد، تتوزعهم سهام الحياة، فلا تترك لهم المجال واسعاً للتفرغ لإبداعاتهم. وعلى الرغم من رحى الأيام وقسوة ظروف العمل يبقى المبدع العربي على تواصل مع حبه الإبداعي وتوقه لتقديم الجديد، وهذا ما يؤكده إبراهيم سعفان في مجموعته المميزة (قبل أن تنطفئ النار).‏

تقع المجموعة في (82) صفحة من القطع الصغيرة، وحوت تسعة وعشرين نصاً قصصياً، وقد اتسمت هذه المجموعة بسمات عدة أحاول أن أضع يدي عليها، مع إيماني بأن حدود الإبداع مطلقة، ومن الصعوبة أن تُحدّد أغراض الإبداع وأهدافه.‏

1-التواصل المجتمعي الحميم: قصص إبراهيم سعفان تتسم بالتواصل المجتمعي، فهو ينتقي لوحاته مما يرى ويسمع، ولا يهرب بأدبه عن أرض الواقع وما فيها، وهذا بحد ذاته يعطي أدبه سمة إضافية تقرّبه من القارئ، وتجعله قادراً على أن يحيا مدة أطول، هذا في وقت يحاول كثير من المبدعين أن يهربوا من معالجات الواقع بغاية الهروب من المواجهة أولاً، وبحجة التقليدية ثانياً.‏

وهذا التواصل يتجلى في عدد من النصوص أهمها النص الأول الذي حمل عنوان (نبض) الذي يصور فيه حالة دائمة التكرار، وهي الصراع بين الحضارة الشرقية وتقاليدها، والحضارة الغربية وتقاليدها من خلال قصة فتاة وأخيها ومحاولته الخروج عن المألوف والعادات، لكنه يتوقف عندما يجد أخته قد وضعت في موقف لا يحسد عليه، ويخرج عن تربيتهما، ولم يتردد سعفان في الكتابة عن هذا الموضوع لتقليديته، وإنما حاول واجتهد في رسمه بلوحة بسيطة ومغايرة لما رسم قبله.‏

2-الشاعرية العالية في القص: وقد يوصف القص أحياناً بأنه شعري خاصة عندما يلعب المبدع بمهارة في المساحة الفاصلة بين اللوحة النثرية واللوحة الشعرية، وتجلى هذا في قصص أو لوحات -بصورة أدق- عديدة منها: (ذبابة -تداعيات- لقاء - بعد الأوان).‏

وهذه الشاعرية قد ترتفع أحياناً كما في بعد الأوان لتخرج النص القصصي إلى خانة النصوص الوجدانية، التي تتخلى عن كل عناصر القص المعروفة، لتصبح الكلمة الشاعرة هي الهدف والوسيلة بآن واحد كما يختم في نص قصير جداً: "وبقيت أنت لي كلمة من نور مسافرة في دمي.. تومض تحت الرماد".‏

قد يأخذ أحدهم على النصوص القصصية التي تجنح إلى الشاعرية نوعاً من فقدان الهوية، خاصة إن كان ممن يتمسك بالصورة القصصية المدرسية، إلا أن القصة في العالم أجمع تجاوزت التعريفات التقليدية للقص، تلك التي تتعلق بالحدث والزمان والمكان والأبطال واللغة، فالقصة الحديثة- إن اتفقنا معها وإن اختلفنا - عملت على تفجير القوانين الثابتة، وقدمت قصة مختلفة بدرجة كبيرة، وهذه التجارب نجحت مع قاصين، ولم تنجح مع آخرين، وبعد مدة سيتجاوزها فن القص من جديد إلى تفجير جديد في الشكل والمضمون.‏

المهم أن إبراهيم سعفان استفاد من بروز النزعة الشعرية في القص، وقدم نصوصاً مميزة بين الشعر والنثر، فيها من الروح ما فيها، ومن التكثيف ما فيها، تكتنز بالوجدان العالي، دون أن يركن القص جانباً أو بصورة نهائية، معتمداً في ذلك على اللقطة الشاعرية التي تحتفظ بها عدسة الذاكرة الذكية.‏

3-القصة القصيرة جداً: ليست القصة القصيرة جداً بدعة جديدة، فقد أسست لنفسها، وصار لها جماعات تكتبها وتؤيدها وتنشرها، ومع أن عدداً من كتاب القصة القصيرة جداً قد تجاوزا حدّ الإبداع، وصاروا يقدمون أنماطاً لا علاقة لها بالكتابة على الإطلاق، وليس بالقصة وحسب، إلا أن كاتب القصة القصيرة جداً إن كان واعياً لما يفعله قادراً على التكثيف العالي، فإنه يقدم خدمات عالية لفن القص، وإبراهيم سعفان قدّم في مجموعته عدداً من هذه النصوص، وأكاد أقول المجموعة برمتها تنتمي إلى هذه الطائفة من القصص كرّس فيها مبدأ التكثيف، وهذّب قصصه وحكايته، وجرّدها من أي ترهل أو زيادات (الشوق -مداعبة- لقاء -وغيرها..).‏

والحكم على نجاح التجربة يكون من خلال قدرة القاص على تقديم رؤيته التي يريدها، وإن حاولنا تفصيلها استغرقت منا زمناً، ففي قصته لقاء يقول:‏

"شغفها حباً منذ رأته.. نصبت شباكها حوله.. لم تأبه للوم الصديقات.. حانت فرصة اللقاء راودته فأبى.. راودته فحذرها.. سقته من كأسها فانتشى.. تراودا.. فتساقطت أوراقهما.. غابت هي في نشوة كأسه.. وافترقا.. تحرقها الابتسامة وتلسعه الدموع.." ذكرت هذا المثال حتى لا يعد الكلام النقدي مجانياً، وفي إطار المجاملة، ويمكن أن يقف القارئ عند ملاحظة صغيرة لكنها ذات مغزى، فالكاتب كان يضع بين الفواصل نقاطاً، وهذه النقاط تعطيك مساحة زمنية تمتد قليلاً، وتعطيك فرصة لتخيل قطعٍ في الحدث، وكان من المفضل أن يتم الإيحاء هذا دون استخدام آليات إخراجية في الكتابة، ودون استخدام (فاء العطف) التي تركت المجال لتعاقب الحدث، وكأنك أمام شريط سينمائي قُسّم إلى فواصل محددة، لكنه يتحرك بآلية من أوله إلى آخره دون كسر للنمط.‏

4-الموروث والأساطير: في أكثر من نص في المجموعة يحاول الكاتب الخروج على المألوف باستخدام بعض الأفكار التي تعود إلى الأساطير، كأسطورة القضاء على الجنس المهدد في (وينشق الليل). وأسطورة إفناء النوع في (وصاح الديك) وأساطير المخلوق العنكبوتي الضعيف في (الخطوط..).‏

وبعد الأساطير اتكأ الكاتب على الموروث الديني المقدس، وعلى الموروث الشعبي... فرمز التفاح والكشف والطاعة في (خروج) واستخدام الحكايا الشعبية حكاية ولفظاً في (شمس النهار).‏

وهذا يصب في صالح القاص بصورة حتمية. لأنه لا ينسلخ عن الرؤى والأفكار التي انطلق منها في ثقافته وحياته.‏

5-اختيار موضوعات تحتاج إلى جرأة: لكن ميزة هذه الجرأة: الانتماء مثل (احتراق) والرغبة والخوف، و(مداعبة) والإغراء واللون. و(احتراق) والخصب والارتواء. و(جف النبع) والرغبة والإحجام وما نسبته إلى الانتماء هو ما يتعلق بالقاص نفسه، ففي جميع هذه النصوص نجد انتماءه هو المنتصر، والخوف هو الحل، والإحجام هو الخاتمة. قد يقول قائل: إن هذه الطريقة تقترب من الوعظية مما يُفسد الأدب فنياً، وهذا بالطبع مرفوض، فالأدب يمكن أن يؤدي دوراً أخلاقياً متقدماً إذا ما أجاد الكاتب توظيفه.‏

6-الاهتمام بالواقع المعيش: قد يخطر أن يقول أحدهم: إن كان الكاتب يهتم بكل هذه القضايا فأين الواقع؟ الواقع يحتل المساحة الكلية لهذه المجموعة، وتلك الارتكازات التراثية والدينية والأسطورية كانت لتقديم الواقع ضمن رؤية خاصة.‏

لذلك نجد عنده الواقع المأساوي والذوق الاستهلاكي، والالتزام والواقع، والجرأة، والروتين والانسجام بين المبادئ، والعقل والقلب، والجمال والقبح، وتطابق لحظتي الميلاد والوفاة، ومشكلة المثقف العربي وذلك في قصص المجموعة وعلى الخصوص: (ذبابة -ابتسامة ميت- كل ما تبقى- قبل أن تنطفئ النار- غثيان- أبواب السماء- دعاء- قصة لم تتم).‏

والذي ساعد الكاتب على تغطية هذه الموضوعات الكثيرة اختياره للقصة القصيرة جداً، فعدد النصوص كبير إذا ما قيس بعدد الصفحات أو بطبيعة القصة القصيرة.‏

لقد كان بإمكان هذه المجموعة أن تحتل مكانة أبرز لو أن الكاتب اعتنى بتوظيف النص التراثي أو الديني، ولو بطريقة قائمة على التناص المضاد أو المماثل، لكن ما فعله الكاتب هو أنه وضع هذا النص بقالب جديد دون أي تحوير يذكر، لذلك نجد الدلالات القديمة نفسها، وأحياناً بألفاظها..‏

ولو خفف من طرح الأفكار التي طرحت من قبل -مع الإشادة بطريقة التناول التي اتبعها القاص -لاكتسبت النصوص المزيد من الإدهاش والمفاجأة.‏

وبعد: يقدم القاص الأديب إبراهيم سعفان في هذه المجموعة خطوة تختلف عن خطوته الأولى (القناع) وأزعم أنها تختلف عن تجارب القاصين الآخرين، لأنه أراد أن يكون مماثلاً لذاته وفكره وأزعم مرة أخرى أنه نجح في ذلك إلى درجة بعيدة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244