|
||||||
| Updated: الاحد, نيسان 13, 2003 09:04 ص | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
خط أزياء الربيع ـــ البيرتومورافيا ت. وفاء شوكت كان بإمكاننا اعتبار الوفاق كاملاً بين الزوجين إينديليكاتو لو لم تفرّقهما مسألة الموضة. كانت السيدة إينديليكاتو، وهي امرأة ساحرة ومتطلبة، وتصغر زوجها بعشرين عاماً، تريد أن تتبع، وبأي ثمنٍ كان، الموضة النسائية خطوة بخطوة.. كان إينديليكاتو، وهو رجلٍ جدي ومن الطراز القديم يجد مطعناً، ليس فقط المصاريف التي يجبره عليها طموح زوجته بل بالأحرى في التفاهة والخدع المتكرّرة للموضة ذاتها. فكان يمتنع أحياناً عن تزويد زوجته بالمال الذي تطلبه منه، متعللاً بأن ملابس السنة الماضية يمكن تماماً أن تخدم في السنة التي تليها، وكان يحتج أحياناً أخرى، بعنفٍ ضد قبّعة غريبةٍ جداً، أو تنورة مثقلة بالزينة. وكان يهتف قائلاً: البساطة، تباً! ومن جهة أخرى، ما هي قصة الفصول هذه؟ عليكِ أن تكتفي بثوبٍ خفيفٍ للصيف، وآخر أكثر سماكة للشتاء.. وعليهما أن يكفياكِ ليس لموسمٍ واحد فقط، بل لسنوات! فتجيبه زوجته: -إيهٍ، نعم.. أو أقلبها أيضاً، مثلما تفعل.. ويردّ عليها زوجها: -أين الضرر في ذلك؟ كان الناس في "العصر الوسيط" يتناقلون الثياب من الأب إلى الابن. فتقول المرأة: -أزمان أخرى وطبائع أخرى. ثم أن الظلامية(* ) كانت هي السائدة في "العصر الوسيط". فيقاطعها زوجها قائلاً -اسمعيني، لن تنالي مني قرشاً واحداً لهذا الثوب. وفي بداية شهر آذار /مارس/، اشترت السيّدة إينديليكاتو عدد فصل الربيع من مجلة موضة أجنبية شهيرة، وأحضرته إلى منزلها بنية دراسة موديل فيه، لتقوم خيّاطة بنقله لها. كانت الموضة هذه المرة -كما قالت لزوجها وهي تتصفّح المجلة بعد العشاء - جديدة حقاً، وجدّتها أنيقة جداً، يمكنها للوهلة الأولى أن تضلّل، وحتى أن تثير استنكار أصحاب العقول العادية والفظّة. وحدّدت وهي تتفحص بنهمٍ صفحات الورق الصقيل الكبيرة قائلة: "إن الأمر يتعلق، دون أدنى شك، بأكبر ثورة حدثت على الإطلاق في عالم الموضة". وتابعت قائلة: "لكن كلُّ من يملك ذوقاً رفيعاً، ومن يتمتّع بالحساسية لا يستطيع إلا أن يقرّ بأن هذه الثورة ليست فقط ضرورية، بل أيضاً نافعة إلى أقصى درجة" وختمت المرأة حديثها بازدراء تقريباً وهي تقول: "حتى ولو قمنا بجميع الجهود التي نريدها للموضة، فإن الأجانب يسبقوننا كثيراً". مدّ إينديليكاتو يده، وقد أثارت اهتمامه هذه المقدمة ليمسك بالمجلة. لكن زوجته دفعته وتابعت تصفّحها بحماسة، وهي تطلق، من وقتٍ لآخر، صرخات إعجاب: "أي حب!.. أي كنز!.. أي روعة.. أي جوهرة!.. أخيراً، وكأنها سحرت تقريباً بالنشوة التي أغرقتها فيها هذه الموديلات، مدّت له المجلة، وهي تصيح قائلة: "لا، لا.. إنها تحفة فنية حقاً.. قلّ لي أين رأيت شيئاً جميلاً مثل هذا، قبل الآن؟" ضبط إينديليكاتو نظارتيه على أنفه ونظر. كان الرسام قد تخيّل، لتصوير الموديل، تقديم مشهدٍ من الحياة اليومية، وظهر في الصورة وجه امرأةٍ نحيل ورقيق، ترتدي سترة فارسٍ مخطّطة، وتنورة مخططةً أيضاً، وتقف بالقرب من قدرٍ يمزج فيه طباخ عجيب، يرتدي الثياب ذاتها، لا نعرف أي نوعٍ من العصائد، مستخدماً مغرفةً طويلة. كانت العارضة ترتدي الجوارب، وقدماها مدسوستان داخل حذاءٍ عسكري ضخم ويُشاهد على الكم ساعدة عليها رقم. وكان رأس العارضة المبتسم والدقيق، مجرّداً من الشعر، ولكنه ليس أصلعاً: كان تنقيط مضغوط يوحي بأنه قد حلق تماماً. وكانت العارضة تمسك بيدٍ ضوءاً كاشفاً عسكرياً، وترفع بالأخرى بحركةٍ متصنعة، إلى شفتيها ملعقةً كبيرة. وكان الرسّام قد رسم تصميماً في السريرة، بخطٍ أكثر رشاقة، ومتلاشٍ تقريباً، سياجاً حديدياً، ونافذةً بارزةً، وحارساً تنزل خوذته على عينيه، ويتقلد رشاشه. وينتشر حول الصفحة بكاملها، وبمثابة إطار لها، سلك شائك. وكان يمكن قراءة التعليق التالي بالأحرف الطباعية المائلة. "إن خط الموضة الجديدة، ليس خطاً مختلفاً، إنه الخط. مستقيم، فهو لا يدعو أبداً إلى استدارات سخية. عفيف، فلا يكشف إلا عما هو ضروري. بسيط، فهو يرضي ضروريات الحياة العصرية. وفي الخط الجديد، يستعيد الجسم الذي عذّب طويلاً، حقوقه: فيتنّفس الصدر، ويتحرّر الردفان، وتنبسط الساقان. وتشكّل الساعدة ورقمها التسلسلي الزينة الوحيدة لهذا الموديل اللذيذ ذي البساطة الساحرة وأناقته المعتدلة. والقبّة مقفلة عند أسفل الرقبة وطياتها مقلوبة، وللكمين زندان. والقماش قطني من النسيج السميك، المدعو قطن "السجين" ويقترح مزيّن الشعر (ياء)، تسريحة شعرٍ مثيرة بقدر ما هي مبتكرة لتوافق موديل المصمم (واو) حصل عليها بتمرير المجزّ على كامل جلدة الرأس. وسنلاحظ كيف أن الجلد يستطيع التنفس أخيراً في هوة التسريحة الجديدة المعمدة، بالضبط، التسريحة (صفر) بعد أن كان مخنوقاً منذ مدةٍ طويلةٍ جداً تحت كتلة الشعر الضارّة بالصحة والقذرة، بحرّية تامة. وأطلق الحذاء (غين) بدوره، هذا الحذاء الساحر الذي تقترن فيه، وبشكل مدهش، الصلابة المحسوبة بدقةٍ واللذيذة ببساطة الموديل الكلاسيكية. وهو خفّ من النمط العسكري مصنوع من جلد البقرة الصغيرة الغليظ، رأسه مدعّم بمسامير مدببة ثلاثية الأطراف، وله أربطة جلدية لا تلبس الجوارب معه. والموديل مخصص للصباح، للنزهة العادية الصحية عبر معسكر الاعتقال، ساعة توزيع اليخنة الغليظة". وسألت السيّدة إينديليكاتو، وعيناها تلمعان سروراً قائلة: -إيهٍ، حسناً؟ ما رأيك بهذا؟ أليس فاتناً، بكل بساطة؟ تلفّظ الزوج أخيراً بوضوحٍ قائلاً: -ماذا؟ ماهذه فظاعة؟ وصرخت الزوجة: -فظاعة؟ هذا الموديل المبتكر بطريقةٍ لا تصدّق، فظاعة؟ كم نرى أنك أصبحت عجوزاً، وأنك لا تفهم شيئاً في الحياة العصرية! سأل الزوج: -وهذا الحذاء العسكري؟ كيف ستنتعلينه؟ فردّت عليه المرأة: -إنه حذاء بسيط وعملي. آن الأوان للتخلص من هذه الأحذية الصغيرة المبهرجة، التي لا تفعل سوى إتلاف القدمين.. -والرأس المحلوق؟ هتفت السيدة إينديليكاتو: -كنت أنتظر ذلك. الرأس المحلوق، كما تقولها بابتذالٍ شديد، إنها أعظم حداثة في هذا الفصل.. لقد اعتمدها مزينو الشعر الكبار كلهم.. لكن، كيف تفعل كي لا تدرك أن الشعر قبيح؟ أين عيناك؟ قال إينويليكاتو وهو يرفع نظارته: -ممكن، ممكن.. فصرخت زوجته: -هذا واضح، واضح! ثم قالت وقد عادت فجأة إلى دلالها المتملّق والسنّوري، وهي تقفز على ركبتيه، وتحيط رقبته بذراعيها: -إذاً، هل ستوافق على صنعه لي، هذا الرداء؟ -أبداً. ونتج عن ذلك مناقشة طويلة من غير الضروري ترديدها كانت المرأة خلالها تصرّ، وتهدّد، وتمدح، وترجو وتشتم وبقي الزوج يصر على كلمة "أبداً" النهائية. وجعل إينديليكاتو زوجته تلاحظ أخيراً، كذريعةٍ للتبرير، أن هذا الثوب كان يمكن أن يكون ساحراً كما تؤكّد ذلك، لكن، لكي ترتديه، كان ينقص الشرط الأول: Sine qua non، وجود معسكرات الاعتقال، والقدر، والضوء الكاشف، وتوزيع الحساء، والسياج الحديدي، والنافذة البارزة والحارس. وأنه سيكون كمن يرتدي ثياب التزلج على الثلج في عزّ الصيف. فضربت المرأة على جبينها، هي التي لم تفكّر بذلك، وصرخت قائلة: -هذا صحيح! لكن هذه هي غلطتكم أنتم جميعاً أيها الرجال.. إننا نسبقكم دائماً في الحداثة.. ماذا تنتظرون لخلق معسكرات الاعتقال الملعونة هذه، قل لي قليلاً، ماذا تنتظرون؟ أنا أعرف تريدوننا أن نرتدي ثياباً مثل الراهبات.. هذا ما تريدونه. فقال إينديليكاتو: -إذا فقط..! لكن لا تخافي شيئاً.. ستتمكّنين خلال عام أو اثنين أو ثلاثة على الأكثر من ارتداء هذا الثوب.. سترين. قالت المرأة: -بالطبع، ومثل العادة، عندما لا تعود هي الموضة. فأجاب إينديليكاتو بتهكّم: -من الأفضل أن تصل متأخراً من ألا تصل أبداً! وخرجت المرأة من الغرفة مستاءة وهي تصفق الباب وراءها، فأخذ إينديليكاتو قبّعته، وذهب إلى مكتبه. |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |