|
||||||
| Updated: الاحد, نيسان 13, 2003 09:04 ص | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
الشعر والفن
التشكيلي و حكاية الاتفاق والاختلاف ـــ مصطفى محمد علوش
شوقي بغدادي: الفنان يحاول أن
يستبقي ما رآه جميلاً ومعرضاً للزوال. كمال محي الدين حسين: الجمال هو
مادة الفن الأساسية، والجمال متضمن في كافة أنواع الأدب. حسان عطوان: الشعر حدس اللحظة
الخالقة وحطب الدهشة. "الفنانون أدلاء على
الجمال" ـ فاتح المدرس. "أشعر بأن ما يخلقه
الشعر والفن لا يخلقانه من عدم بل "يريانه" رغم الحجب" ـ أنسي
الحاج. لأن الشعر دفاع عن الحياة
لتصبح جنة الروح وتحريض على رفض
الخراب في الوجود. فارس الشعر شاعر عدّته اللغة
بكل ما تحمل من طاقات جمالية خلاّقة وفضاءات لا نهائية، لتكون النتيجة مولوداً
إبداعياً رائع المظهر غني المضمون ومابين الظاهر والباطن فيه تطلق القصيدة عناوين
جمالها. ساقية الشعر جزء من نهر
الجمال يرفده الفن التشكيلي لكن من اختلاف الأداة والمادة، فالتشكيل مكون من لون في الرسم أو جبس في
النحت، وحين اعتمد الشعر على الصوت وإيقاعه فإن التشكيلي يرتكز على الصورة محاولاً
خلق ثقافة جمالية بصرية توجز اللحظة
وتوقفها وتغذي العين وتنمّي حسها لتدهش المتلقي. وجهنا السؤال التالي إلى
مجموعة من الشعراء والتشكيليين السوريين وهو: "كيفي تنظر إلى ما يوحّد
وما يفرّق بين الرؤية الجمالية في الشعر والرؤية الجمالية في الفن
التشكيلي".. وإلى القارئ الأجوبة التالية
على سؤالنا: الشاعر السوري شوقي بغدادي: ما يوّحد بينهما هو ما يوحد
عادة بين الفنون، وهو هذه الرغبة الخاصة والمحرقة لدى الفنان في أن يستبقي ما رآه
جميلاً ومعرضاً للزوال من خلال موهبته القادرة على إبداع مايمثل هذا الجمال رسماً
أو صياغة لغوية أو نحتاً أو تأليفاً موسيقياً إلى غير ذلك من الفنون. لكن ما أن يشرع الفنان في
تنفيذ رؤيته حتى تبدأ الفروق بالظهور والنمو فبالفن التشكيلي مثلاً يأخذ العمل
الأدبي شكل محاولة لتجسيد التجربة كما رآها الفنان وأحس بها فعلاً وكأنه يطمح إلى
أن يضعنا أمام "الشيء الجميل" ذاته وليس أمام صورة عنه. إنَّ الرسام حين يتصدى مثلاً
إلى تصوير مشهد غروب الشمس فهو يبدو كمن يحاول أن يقدّم لنا في لوحته الشمس ذاتها
والغيوم نفسها التي كانت تحيط بها وهي تنحدر نحو المغيب من خلال الخطوط والألوان
التي يستخدمها، في حين أنَّ الشاعر يستعين بوسيط هو اللغة فهو لا يقدّم إذاً
كالرسام المشهد نفسه بل يقدّم وصفاً لغوياً عنه. ومن هنا تكتسب الرؤية
الجمالية في الفن التشكيلي طابع الاستعارةالحية المعتمدة على حاسة البصر تحديداً
في حين تكتسب هذه الرؤيا في الشعر طابع الاستعارة المجازية المعتمدة على المخيّلة
والمخزون الفكري بعيداً عن الحواس الخمس، وهذا ما يفرّق بالتالي في المهارات
التقنية بينهما إذ تمتزج هذه الرؤية لدى الفنان التشكيلي بالمهارات اليدوية في حين
لا تجد سوى المهارات اللغوية
سبيلاً لها لدى الشاعر. ومع ذلك فهذه الفروق لا تنجو
من بعض التماثلات أو المؤثرات المتبادلة في الرؤية الجمالية، فالشاعر وهو يصوغ
عباراته اللغوية يتعرض أغلب الأحيان لشطحات في التركيب اللغوي والتخييل المجازي
يبرق فيها الأصفر والأحمر والأزرق وكل ما يخطر على البال من الألوان وكأن اللغة
نفسها ذات رصيد تشكيلي يساعد
الشاعر ضمناً على فتح تراكيبه اللغوية في جمل معينة أو على إغلاقها أو على
تدويرها فيبدو وكأنه يحمل فرشاة يلون بها لا قلمً يخطّ به حروفاً فحسب. والفنان التشكيلي بالمقابل
وهو يبتكر ألوانه وأشكاله يتعرض أيضاً لشطحات في التركيب والتخييل تلمع فيها اللغة
والحروف وكأن الحروف ذات ألوان كما صنع الشاعر رامبو ذات يوم حين تخيّل للحروف
الأبجدية ألواناً. الشاعر حسان عطوان: الشاعر والرسام… كلاهما يبني من
اللاّمرئي مرئياً يبحثان عن مالا عين رأت، ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر. فالشعر حدس اللحظة الخالقة
وحطب الدهشة واكتشاف المعنى الأسمى من اللامعنى وتخليق الحياة من الموت والحضور من
النفي، ولأنه سابق للحياة فإنه يقودها إلى هذا المعنى الأسمى.. واللوحة هي الأخرى لبوسٌ
يتخلق من حدس ودهشة وعتمة وضوء، تزدلف عناصرها من الظلال إلى النور، وهي إعادة
لإنتاج الحياة من الموت عبر اللون
والحظ والرمز.. إذن كلاهما دعوة إلى الحرية عبر دراما الحياة وتناقضاتها،
القصيدة واللوحة رؤيا تلتقي على هذا الهشيم الذي تذروه رياح التجربة الإنسانية،
وأفق واحد يطرح الأسئلة الجذرية لمعنى هذا الهباء الذي لا يكتسب معناه الأسمى إلا
في القصيدة واللوحة، أعني القصيدة القصيدة، واللوحة اللوحة، وكلاهما ذاكرة ملتهبة
ومتشظية وينبوع طفولة وبراءة، عينان تتجاوزان القشري والمظهري والأقنعة الخادعة
وغواية الرغبة/ القيد واللقمة المشنقة، وحطام الأنا إلى ما لا عين رأت وأذن سمعت
ولا خطر على قلب بشر. ما يوحّد بين القصيدة واللوحة
كثيرٌ من الصدق والمغامرة، رغبةٌ في أن يكتشف المبدع ذاته ويسبر غور الحياة من
حوله وتوقاً للإيغال في الدّغل بحثاً عن الدهشة والفتنة والسحر. بعيداً عن زيف
المدن الرثة وحذلقات الكلمات المداهنة والوجوه المستعارة والنفاق الاجتماعي.. فالشاعر والرسام رفيقا درب
واحد، عصّيان على النفي والتهميش والموت، يستنفذان روحيهما بالكلمة واللون من
المستنقع المطبق على أرواح المحاصرين بأوهام الحياة الموَات والذين تقطعت بهم
السبل ولهم عينا طائر وهما ينظران بعيون (البصيرة) عيون (الرؤيا) التي لا علاقة
لها بعين الرؤية والبصر وشتان مابين (الرؤية والرؤيا) والبصر والبصيرة.. ولأنهما يعيدان صياغة الحياة
من جديد فإن الشاعر والرسام يلتقيان على مدارس التعبيرية والانطباعية والتجريدية
والرمزية والسوريالية والإيجازية والبصرية التي تعنى بالانزياحات الدلالية والخداع
البصري. فالذي يجمع بين الجماليتين
الشعرية والتشكيلية أكثر مما يفرق بينهما، فكثير من الشعراء يرسمون باللغة وكثير
من التشكيليين يكتبون باللون وقس على ذلك ما يبدعه الموسيقى و المخرج المسرحي
والفنان الإيمائي وسائر الواهبين أعمارهم للإبداع والحرية. الأديب القاص والمترجم محمد
أبو خضور: الفنون جميعاً تشترك في الأثر
الباقي لدى المتلقي وهو ما يعبّر عنه بإدراك الجمال، وقد يكون هذا الجمال صوتياً
مثلما هو في الموسيقا وإيقاعياً، ويكون لونياً وتشكيلياً في اللوحة، ونفوراً
والتفافاً في النحت. على أي حال أهم ظاهرة إبداعية
هي الشعر لذلك هناك مقولة أدبية تقول: "أن الإنسان يطمح لأن يكون شاعراً
وعندما يفشل يكتب القصة وعندما يفشل يكتب الرواية، والشعر ديوان العرب والإنسان
اكتشف أن الحيوان الذي يركبه يطرب للإيقاع، لذلك كانت ظاهرة الحد والأهازيج حتى في
الكتاب الكريم، السور المكيّة تعتمد على هذا الإيقاع مثلاً: إنّا أعطيناك الكوثر فصلِّ لربك وانحر إنَّ شانئك هو الأبتر ثم قوله تعالى: "قل هو
الله أحد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد".. إضافة إلى تغيير الإيقاع،
البنية الداخلية للشعر تتركز على الإيقاع والطباق والجناس والمترادفات، والمختلفات
والمترافقات والمتفارقات مثلاً: وجدك ضالاً فهدى وجدك عائلاً فأغنى وأحياناً يبدأ باسم: والنجم
إذا هوى.. في التشكيل التدرجات في اللون
هي ما يوازي الإيقاع، اللون المعتم يوازي البحر الطويل، اللون الفاتح يوازي بحر
الرجز، النحت الصورة الكامنة ضمن الحجر هي التي تكون متكونة في ذهن الفنان بناحية
بدئية قبلية لك سألت امرأة فناناً
رسوماً كان قد رسمها: "أنت لم تستطع أن ترسمني فأنا أكثر شباباً من هذه
الصورة؟ فقال لها: "سوف تكونين مثلها" هكذا يراها بعينه. كلما كان العمل ناجحاً يتمنى
المتفرج أو المستمع أو القارئ أن يكون هذا العمل له، أي صانعه وهذا دليل فطري على
إبداع العمل، لأن الجميل كل إنسان يتمنى أن يقتنيه لأنه يتمثل فيه عامل الندرة، في
الشعر السوري هناك أسماء مهمة مثل عبد القادر الحصني، عبد النبي التلاوي، جمال خير
بك.. وقبل ذلك الجيل الأكبر: فايزخضور، ممدوح عددوان وقبلهم محمد عمران، وعلي
الجندي، وأضيف حسان عطوان ومروان الخاطر.. بالنسبة للفنون الجميلة هناك
معيار وحيد يقول: لا بشاعة في الذوق والقصد من هذا أن لدى الإنسان حاسة قبلية تدرك
الجمال والبشاعة وتدرك الطيبة والشر بشكل قبلي، ومن الطبيعي أن الخبرة الإنسانية
تطور هذا الحدس إلى تجربة حياتية قد تمتد إلى دائرة الإنتاج الكمي الصنعي، ولذلك
قيل أن الإنسان هو "ماسابسن" أي "الإنسان الصانع".. والفن الجيد يملك قوة ذاتية
تتراوح مابين الجلال وتدرجاً نحو الجمال ويحاول أن يصنعه بالفن الحديث عبر الأبنية
الشاهقة والغرابة. هناك سمة مهمة تكاد تكون
مشتركة بين جميع الفنون إضافة إلى
الإيقاع، هو التكرار، وهذه ميزة يتميز بها الشعر العربي، ولعل نازك الملائكة وضعت
إصبعها على هذه الظاهرة فأشارت إلى ظاهرتي الإيقاع والتكرار، وهذا يتضح أكثر ما
يتضح في الموسيقا الكلاسيكية هدف الفن عموماً تجميد الزمن في منحوتة أو منظومة أو
أغنية، عندما قال الشاعر الفرنسي لجثمان حبيبته إنك لن تموتي بالنسبة إلي كان يقصد
خلودها، وعندما نفت أثينا الشعراء من أساطيرها لأنهم ثوار ولأنّهم أنبياء المعرفة
والمستقبل وما زالوا هم الطّلعة، لأن الشاعر بريء، كالطفل وله وثبة النمر وله لسعة
الصاعقة وليس عبثاً أن يطارد القيصر بوشكين ويدبّر له مقلباً لمقتله وليس عبثاً أن
يطارد البلاط الإسباني الرسام غويا وليس عبثاً أن تطارد الدوائر البريطانية الشاعر
الإنكليزي كلوديل وماذا نقول
فالقائمة طويلة وتعكس نهوض الفن الصادق بوجه الغلط. الصحفي والناقد التشكيلي فاروق
صبري: من البدهي القول أن هناك تداخلاً وتماهياً وتخاطباً
بين الأجناس الأدبية والفنية، لكن من الجوهري التأكيد أن القصيدة واللوحة،
المنحوتة توأمان لا يمكن قطع الحبل السرّي بينهما، فعمر التأثير والتأثر في مسار
الإبداعية يمتد إلى ثلاثة آلاف سنة، فتاريخنا نذكر أن (السيمونيدس كليوسي) 556-486
ـ ق.م. قال إن الشعر صورة ناطقة أو رسم ناطق وإن الرسم أو التصوير شعر صامت،
و(هوراس) الإغريقي قال أيضاً: كما يكون الرسم يكون الشعر، والشاعر الإنكليزي
(درايدن) أكدَّ أن الاستعارات الجريئة في الشعر تساوي الألوان القوية المتوهجة،
فيما قال الشاعر الأمريكي (عزراباوند) أن العمل الذي يضمّ مجموعة مختارة من الصور
والرسوم هو نواة مائة قصيدة ويؤكد هذا الكلام وإن بشكل متباين الأديب الألماني
(أوجست فيلهلم) حينما يؤكد أن الأدب الكلاسيكي أقرب بطبيعته إلى النحت وإن الأدب
الحديث الرومانتيكي أقرب إلى الرسم أو التصوير وفي الأجواء نفسها يذهب الناقد
(هربرت) إلى القول بأن أوزان الشعر عند الأنجلو ساكسونية يمكن أن تقارن بزخارفهم
وفي الطرف الآخر يقول الشاعر الإيرلندي (ييتس) بأنه حينما يرسم في شعره فهو يرسم
صوراً لا تنسى، أما في مشهدنا
الثقافي فنرى أن الجاحظ قال: إن الشعر هو صناعة وضرب من النسيج وجنس من التصوير،
وفي سياق تفسير الجاحظ وتأويلاته المتألقة يمكن النظر إلى قصائد أبو نواس وكيف يصف
الكأس وصور كسرى وكيف يقرأ البلاغيون والنقاد واللغويون كالزمخشري والمرزوقي وابن
سينا وابن رشيق ومن ثمَّ عبد القادر الجرجاني كيف يقرأ هؤلاء قصائد الشعراء كصور،
إذاً ووفق هذا الاستعراض التاريخي لعلاقة القصيدة في الفن التشكيلي يمكن القول بأن
ما يفرق بينيهما هو خصوصية كل من القصيدة واللوحة/ المنحوتة والخصوصية هنا تعني
بصمة المبدع على المنجز الإبداعي، إن كان رسماً أو قصيدة، ولتقرأ هذا المقطع من
أنشودة المطر للسياب: عيناك غابتا نخيل ساعة السحر أو شرفتان راح ينأى عنهما
القمر عيناك حين يبسمان تورق الكروم وترقص الأضواء كالأقمار في
نهر يرجّه المجذاف وهناً ساعة
السحر كأنهما تنبض في غوريهما
النجوم حتى تؤكد أن القصيدة واللوحة
/المنحوتة توأمان لا مجال في إقصاء أي منهما عن الآخر وهما يتوحدان وإن تغيرت
أسماء وماهية أدواتهما.. القلم/ الفرشاة الأزميل/ الكلمة اللون/المادة. إذاً ما يوحّد القصيدة
واللوحة لا يدع فرصة لتسجيل حالة التفرق بينهما حتى لجهة النقد الأكاديمي المعرفي.
د. علي الخالد. فنان تشكيلي: في الإنسان طاقة كامنة يداعب
الحلم في قلبه ويبحث عن الحقيقة في عقله، ويتألق في عمله كومضة نورانية، مثل
الانبهار بلوحة أو قصيدة أو مقالة وتختلف باختلاف التقنية شكل هذه الومضة
النورانية، فهو في الفن التشكيلي يقوم بصناعة هارموني لوني، وهو في الشعر يتناغم
بواقع غنائي. الإنسان هو ذاته ذلك الفنان
الذي يبني بيته بالطين وإن لم يتوفر له فقد يبنيه بالحجارة والإزميل. وهذا البدوي
الذي يعيش في البطاح الرملية في الجزيرة العربية، والفنان أعطى لنفسه الحق في
التعبير عن الحياة شعراً لا زال صداه ينتقل من جيل إلى جيل، ولو توفرت له لحظات
الاستقرار وعرف اللون والفرشاة لأبدع أجمل الألوان ومتعنا بأخلد اللوحات. أنا لا أميز بين صورة الفنان
وصورة الشاعر لأنهما طاقة فنية، نشاهدها في التشكيل ونسمعها في الشعر وفي ذلك قال
الشاعر: الأذن تعشق قبل العين أحيانا. وأحياناً يرسم الشعراء فناً
بدون ألوان كقول الشاعر:
وإن تأثير الشعر بالفن
التشكيلي له امتداده العميق في التاريخ، فعنترة رسمه الفنان أبو صبحي التيناوي. وفكر أية أمة يرتبط بديانتها ولابدَّ
للفنان من التأثر بمعتقدات الأمة الأساسية، فاستخدام المؤمن للسبحة وتكرار
التسبيحات لقتل الفراغ الشيطاني من عقل الإنسان قد قابله عند الفنان التشكيلي تعدد
عنصر التكرار في نسج السجادة حتى لا يبقى فراغاً مكانياً قد يحدث خللاً في تواتر
الإيقاع. هذه السجادة الشرقية لها مركز
وانتشار إلى اللا محدود هي انطباع لفكر الإنسان المتعبد الذي يعتقد أن الكون يمتد إلى اللامحدود ولكن مركزه هو الله. والدائرة هي إسقاط لقبة
السماء لما استوعبته قدرة العين على الرؤية، ومنها جاءت الأقواس وانعطاف الخطوط
فوق الأبواب والشبابيك لتمنح هذه الأقواس فرصة لضوء الشمس والقمر حتى يدخلا صحن
الدار ويمنحا السكينة. وعلى ذلك فقد تأثر المنظور
الفني العربي بالفكر الإسلامي الذي آمنت به الأمة، فنحن نعرف أن الأشياء كلما
ابتعدت عنا ترتفع على خط الأفق وتصغر حتى تضيع، بينما في المنظور الإسلامي فإن الأشياء
التي تعلو على خط الأفق هي الأكثر أهمية بينما تهبط عن خط الأفق وتضيع في الأسفل
الأشياء التافهة وتذوب في باطن العالم السفلي وتزول، ويعرف هذه الفروقات العارفون
في علم المنظور وقواعده.. د.نزار
علوش. نحّات
كل شيء ممكن.. لكن ليس كل
ماهو ممكن واجب، وكثير مما هو كائن من المفترض أن لا يكون، وإمكان تكوّنه ليس
مبرراً كافياً لأن يكون، وتحديد ذلك مسؤوليتنا جميعاً. خلف استمرار الوجود توازنه
البنيوي، علينا أن نعتمد بما نقدمه على ما نلمسه في ذلك كي نضمن الاستمرارية
لنتاجنا، وبما أن النحت قائم على المبنى والعام، وبقدر ما يتحد المبنى والمعنى
بالصيغة النحتية، يأتي العمل النحتي موفقاً ويبلغ أقصى درجات التوفيق حينا يغدو
"كلمة" يعبّر بذاته عن ذاته…
وكما أن العمل النحتي يأتي
مبنياً من مواد مختلفة، حجر، خشب، حبس، ومواد مصنّعة أخرى يضمنها النحات معنى ما
كذلك الأمر بالنسبة للشعر فهو مبنى ومعنى، مبناه اللغة، يبدأ بالحرف ثم الكلمة
وبعدها العبارة، يبنيها الشاعر ليعطينا بها معنى ما بقدر مايكون توازنها البنيوي
موفقاً بقدر مايكون العمل الشعري موفقاً فيأتي العمل الشعري معبراً بذاته عن ذاته
كما هو الأمر في النحت. وما الفرق بينهما سوى أن لكل
منهما روحيته، فللشعر روحيته لا يكون شعراً بدونها وكذلك الأمر بالنسبة للنحت فله
روحيته ولا يكون نحتاً بدونها. د.كمال محيي الدين حسين ناقد
وفنان تشكيلي: عندما نتحدث عن الفن بصنوفه
كافة، مكتوباً، مرئياً، مسموعاً، أو غير ذلك، فإننا نتحدث عن الجمال في أخصّ
حالاته، لأن الجمال هو مادة الفن الأساسية ومن المسلّم به أن الجمال متضمن في كافة
أنواع الأدب، كالشعر والنثر بما فيها من أجناس النظم والقصة والرواية والمسرح
وغيرها، وينطبق هذا على كل الفنون البصرية، إلا أن الرؤية الجمالية عرفت تطوراً هاماً وتبدلات جذرية
عبر العصور، فلكل حقبة تاريخية مفاهيمها الجمالية الخاصة، وصولاً إلى العصر
الحاضر. وقد نتج عن ذلك تراكمٌ غنيٌ ومعقد للرؤية الجمالية عبر العصور، لذا فإن
علم الجمال المعاصر يحمل آثاراً تراكمية حافلة بالرؤى والآراء والمفاهيم. ويمكن
القول أن علم الجمال لم يبلغ في عصر من العصور ماله من الأهمية في الفن الذي تفرزه
حضارة الإنسان المعاصرة. فإذا ما أردنا مناقشة مسألة
ما يوحد وما يفرّق في الرؤية الجمالية في الفن التشكيلي والرؤية الجمالية في
الشعر، وهو سؤال خاص جداً بقدر ماهو فرعي فيمكن القول أن هذا السؤال شرعيٌ بقدر ماهو
هام، لأن أغلب البحوث الجمالية تتناول الأدب وقليلاً ما تربطه بالفنون البصرية أي
الفن التشكيلي وخاصة عندنا.. يهتم الشعر كما الفن التشكيلي
بأهم العناصر المكونة للقصيدة أو العمل التشكيلي وهما الشكل والمضمون، وقدأدى
اختلاف النظرة الجمالية إلى كل من هذين العنصرين وإلى علاقته بالعنصر الآخر إلى
توليد العديد من المدارس الشعرية والتشكيلية اعتباراً من أقدم العصور حتى الآن،
فهناك شعر، وتشكيل واقعي وكلاسيكي (عمودي) ورومانسي ورمزي وسوريالي (آليّ) وغير
ذلك، كما أن أغراض كل من الشعر والفن التشكيلي متشابهة جداً، وإن لم تكن متطابقة
فهي شديدة التقارب، خاصة في المرحلة المعاصرة بسبب تغليب الخصائص الشكلانية
والاختزال وتعقيد لغة الخطاب الشعري والبصري في الفن التشكيلي، والإغراق في
التجريد والابتعاد عن القيم التقليدية في الطرح، من هنا كان الإغراق في البحث عن
تقنيات جديدة شكلانية تعمق الأساليب الفردية وترسخ الخصائص الذاتية في كل من
الإنتاج التشكيلي أو الشعري، وصولاً إلى التغريب والانتقال من مخاطبة كافة أفراد
الشعب إلى مخاطبة نخب محددة. لذا فإن ما يعتقد بأنه جميل وإبداعي شعرياً وتشكيلياً
في الوقت الراهن، يدور حول مسألة الشخصانية الأسلوبية شكلاً ومضموناً، أكثر منها
في اتباع أساليب الشعر أو التشكيل التقليدي أو الموروث، وعن أن النتاج الشعري
والتشكيلي المعاصر، أكثر التصاقاً بثقافة الإنسان وأنماط السلوك والوعي الحالي
سواء في الشرق أم في الغرب، وستقود العولمة الفنية في الفترة القادمة إلى تعميق
هذا الخط الذاتي، إلا أنها ستعطيه دفقاً كبيراً نتيجة لزيادة المعارف التاريخية
والتفصيلية وتقنيات الفن وهو ما تبيحه ثورة الاتصالات وقد يكون هذا بحد ذاته خطراً
على الآداب والفنون المحلية لأن العولمة ستعمل على تعميق الاستقطاب الفكري. وإذا ما تحدثنا عن الفروق في
الرؤية الجمالية بين الشعر والفن التشكيلي فهناك فروق هامة تتجلى في أغراض كل
منهما الناتجة عن الخصوصية التي يفرضها
أدب مكتوب أو فن مرئي، فما زال الشعر يتناول أحاسيس الإنسان ومشاكله بشكل
أساسي من وطنية وحياتية وإنسانية وعاطفية وتاريخية.. الخ،.. بينما نجد أن دائرة
اهتمامات الفن البصري وخاصة إذا ما أضيفت "العمارة" هي أوسع مجالاً
وأخطر تأثيراً في حياة الإنسان ويكفي أن نطلع على منجزات فنون التصميم التي دخلت
كل مجال من مجالات حياة الإنسان، من تصميم المنشآت المعمارية وحتى أبسط أدوات الاستخدام
اليومي، فإننا سنفهم كم أن الفن التشكيلي متغلغلٌ في أشدّ تفاصيل حياتنا، قد لا تكون هذه الإشارة كافية لإيفاء
هذا الموضوع حقه، إلا أنها وبالفعل تكون مدخلاً لاستنتاج هام هو: أن الفن التشكيلي
المكون من صورة يخترق كل المجالات ولا يتوقف عن حدود اللغة، وأن لغة الصورة أسهل
فهماً وتلقياً من أي فن مكتوب، بما فيه الشعر الذي يحظى وسيحظى دوماً بكل احترامنا
وتعاطفنا.. | |||||||||