|
||||||
| Updated: الاحد, نيسان 13, 2003 09:04 ص | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
مرافئ جزيرة الحبّ (2 من 3) ـــ عبد القادر الحصني قال السندباد: لما علم الشيخ الحكيم بما أنا عازم عليه، وتيقَّن أن مرادي ليس خلاصي الشخصيّ، بل خلاص البلاد والعباد، انتابته حالٌ سرّحت طائفاً من الغيم على شمس وجهه الطيّب، وافترّت روحه المتعبة عن سؤال: وماذا أنت فاعل؟ قلت: أصنع قارباً، وأصل إلى تلك البلاد المنكوبة. قال: حسناً.. وماذا بعد؟ قلت: أبحث عن طريقة أهزّ بها عرش ذلك الملك الظالم، وأبدّد ظلام عهده الأسود. قال الشيخ الحكيم: أرى فيك العزم والصدق، وأرى فيك رجلاً يستحقّ أن ألقي بين يديه بجوهرة السّرّ التي أطبقت عليها صدفة قلبي خمسين عاماً، فاستمع يا ولدي: إن جوهرة السّرّ هذه هي من معدن الشعر، تنزّلت عليّ كما الوحي في سبحاتي وتأمّلاتي، واستقرّت في أعماقي، تنتظر من أبوح له بها. خلاصة رؤياي هي أن ظلام الكراهية الذي أحاق بالبلاد والعباد لا يشقّه إلا فجر حبّ صادق، وأن حالة حبّ واحدة كبيرة وصادقة كفيلة إذا ما تحقِّقت بهزّ عرش الظلم والظلام، فأذهب إلى هناك، وحقّق معجزتك إن استطعت بعلاقة حبّ حقيقية ناجحة في معقل الزيف والنفاق والفساد، فلا أرى الأمل معقوداً إلا على الحبّ. قال السندباد: فعمدت إلى خشب ملقى على الشاطئ من حطام السفن، فصنعت منه قارباً، ثم استأذنت الشيخ بالرحيل، طالباً منه الدعاء. رمقني الشيخ بحنوّ غامر، وشدّ بوهن يده على شباب يدي، ثم استلّ من تحت قميصه قصبة سوّاها ناياً، دفعها إليّ، قائلاً: أنت تعرف حنين القصب فاستعن بها في مهمّتك.. قرّب شفتيك من شفتيها، وتنهّدْ تتنهّدْ معك، فتذكّرك أول ما تذكّرك بأن من وصفوك بأنك قصبة مفكّرة هم على حقّ، ولكنّك في الأصالة قصبة عاشقة، يعطف حرُّ أنفاسك هذه القصبة على غابر عهدها، على ضفة النهر، فيصدر عنها ما يبعث الشجن والشجى في نفوس الناس، فيتذكّرون خضرة أرواحهم وطراء عواطفهم، وأظنُّ أنها تكفيك في مهمّتك، فأنت مبعوث بالحبّ، فحسب. قلت: والقوّة؟ قال: الظالم أقوى منك بجيوشه وزبانيته، وقوّتك في روحك.. قلت: والعقل والمنطق والفكر؟.. قال: مما يؤسف له أن الملك الظالم قد اخترق كلّ هذه المفاهيم، فصار له (مفكروه) الذين ضلّلوا الناس، فبعد خمسين سنة من الزيف، خلطوا الحقّ بالباطل، وخلطوا الباطل بالحقّ، فاستوى لهم نهج ظالم، حجّتهم فيه بالغة.. أما المعقل ما قبل الأخير لحرية الإنسان؛ عنيتُ الحبَّ؛ فما زال عصّياً على الاختراق، فتحصّن به... تحصّن بما لا يزيَّف، ولا يزوّر، ولا يخرج، ولا يُمثَّل... قلت: ندّت عنك كلمة غريبة أيها الشيخ، إذا جعلتُ الحبَّ معقلاً قبل أخير للحريّة، فما آخر معاقلها إذاً؟ قال: آخر معاقل الحريّة (الخيالُ)، وهو أرحب المعاقل على الإطلاق، أُرجئ المقال فيه إلى مقام آخر.. ثم صمتَ الشيخ، وأبحرت.. ** نزلت على شاطئ مدينة الظلم والظلام، فإذا هي محاطة بسور ضخم، عليه حرّاسٌ أشدّاء، وإذا على بوّابات السور إجراءات مشدّدة وتعليمات صارمة، لا تسمح بالدخول والخروج إلا بعد تفتيش واستعلام واستجواب وأختام، ولم يكن في حوزتي غير تلك القصبة الهيفاء التي كان قلبها فارغاً كفؤاد أمّ موسى، وكان معي كيس نقود أيضاً، فيه حفنة دراهم، حطّت عليه عيون الحرّاس، فزهدت به، فانتهبوه، واقتسموه.. فإذا هم مرتشون صغار،يُدخلون ويُخرجون ما يشاؤون ومن يشاؤون بالدراهم والدينار، فعلمت أن تلك المنعة المتمثّلة بالحرّاس والأسوار إنما هي منعة زائفة، إذا ما جدوى كل هذه القوى المرابطة إذا كانت المدينة من داخلها ساقطة؟ ** تجوّلت في أحياء هذه المدينة وأسواقها، وعاينت صروحها ومنشآتها، فإذا الهياكل باذخة عامرة، يسعى فيها بشر نفوسهم داثرة بائرة، ينهشون بعضهم بعضاً، وينهبون بعضهم بعضاً، في ظلّ حالة أشبه ماتكون بالجنون، لا يحدّها نظامٌ، ولا يضبطها قانون.. دخل الغمُّ قلبي، وأحسستُ بقطع من الليل الأسود تغزو أعماقي، فغرقت في حزن، لم أجد ما يعينني عليه غير تلك الناي التي أعطانيها الشيخ الحكيم.. انتحَيت ركناً هادئاً وأرسلت أنغامي المجرّحة في ذلك الفضاء الكتيم، مستنزلاً الرحمة من السماء، ومستجدياً اللطف من نسمات الهواء، ومقتبساً البراءة مما تبقى في عيون الأطفال.. وصار هذا دأبي في كل مكان أحلّ فيه، إلى أن قادتني قدماي إلى جوار حديقة غنّاء يتوسطها قصر كأنّه القلعة المكتفية بنفسها عمّا حولها.. على سور تلك الحديقة أسندت جسدي المتعب، وانحنيت على نايي، أبثّها ما أجد من صنوف البلاء، وأرسل من خلالها ما تبقى في روحي من أحلام الخلاص وأطياف الرجاء.. وبينما أنا على هذه الحال من تمزّق الروح واعتلال القلب واعتلاج الوجدان؛ أستحضر في أنغامي قول أمير الشعراء امرئ القيس: "ولو أنها نفسٌ تموت جميعةً ولكنها نفسٌ تقاطرُ أنفساً".. إذا بصوت رفيق لطيف، يرسل آهاته، ويبوح بهمساته من وراء سور تلك الحديقة، كأنه يعاني ما أعاني، ويجد شيئاً من السلوى في ألحاني، فاستغربت صوت هذا الإنسان.. وتساءلت من يكون؟.. وكيف بقي في هذه المدينة الظالمة مثل هذه الروح الهائمة التي تهزُّها أنغام الموسيقا وعواطف الحبّ.. فتسلقت سور الحديقة. وقبل أن يرى السندبادُصاحبَ الصوت أدركه السندباد الصباح، فسكت عن الكلام المباح.. |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |