|
من عيون التراث: المعجم في بقية الأشياء لأبي هلال العسكري ـــ محمود الأرناؤوط
هذا الكتاب صغير الحجم كبير الفائدة عقده مؤلّفه (الإمام أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري المتوفى أواخر القرن الرابع الهجري)، لجمع ألفاظ كثيرة رمى بها الزمان إلى زاوية من زوايا النسيان فباتت معطلة، وراحت جمهرة الكُتَّاب والمتأدبين والمتعلمين تبتعد عن استعمالها لأنها لا ترى بين يديها عند الإشارة إلى معنى من المعاني التي تعرض هذا المعجم الصغير إلى استعمال كلمات عامية في الدلالة كما تصح هنا تصح هناك، ولو أن ما يجري في هذه الناحية من اللغة يجري مثله في نواحيها المختلفة لتعطل من اللغة جلّها، ولفقدنا منها تلك الكثرة في كلماتها التي هي لها غنى وثروة ولنا عز وفخر، ولحلّت الألفاظ العامة محلّ الألفاظ الخاصة. وهذا الكتاب وإن صغر حجمه فقد كبر نفعه لغريب ما تضمنه من أسماء بقايا الأشياء، وبديع طريقته في الدلالة على سَعَة لغة العرب وفضلها في جميع اللغات، وقد نظم المؤلف ما ضمّنه إيّاه من الألفاظ على نسق حروف المعجم، فبدأ بما كان في أوله همزة، وأتبعه بما كان في أوله باء، وهكذا إلى آخر حروف المعجم. وتحسن الإشارة إلى بعض ما ورد في المعجم من الألفاظ للدلالة على منزلته، ففي باب الهمزة نراه يقول: "الآس: بقية العسل في موضع النحل" وفي باب الباء نراه يقول: "البزيم: ما يبقى من المرق في أسفل القدر من غير لحم"، وفي باب التاء نراه يقول: "التريكة: والجمع ترائك، وهي بقايا تبقى من الكلأ في مواضع لا يصل إليها الرواعي"، وفي باب الثاء نراه يقول: "الثاوة: بقية قليل من كثير"، وفي باب الجيم نراه يقول: "الجذامة: ما يبقى من الزرع بعد حصده"، وفي باب الحاء نراه يقول: "الحاصل: ما بقي من كل شيء وثبت وذهب ما سواه"، وهكذا إلى آخر حروف المعجم. وقد بقي هذا المعجم الصغير ـ على كثرة نفعه للمشتغلين بالبحث والتحقيق مخطوطاً بعيداً عن متناول الأيدي إلى أن امتدت له يدا اثنين من أعلام البحث والتحقيق بمصر في العصر الحديث هما الأستاذ إبراهيم الأبياري، والأستاذ عبد الحفيظ شلبي، فقاما بتحقيقه وضبط نصوصه وإعداد فهرس لمواده والتقديم له، وتوجا عملهما في إخراجه بإضافة ألفاظ كثيرة إليه واستدراكها على المؤلف بوضعها بين حاصرتين إتماماً للفائدة، فجزاهما اللّه تعالى عن العلم وأهله خير الجزاء، وقدما للكتاب بمقدمة نافعة ومفيدة، ونشرته دار العلوم بالقاهرة منذ قرابة خمسين عاماً، ثم أعادت إصداره مصوراً مكتبة الهداية ببيروت سنة (1413هـ= 1992م)، فأتاحت لأبناء جيلنا من الباحثين الحصول عليه مشكورة.
|