|
||||||
| Updated: Wednesday, September 24, 2003 03:04 AM | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
مُدّكِّن ـــ دريد يحيى الخواجة * تعريفات كثيرة نالت الإنسان من جوانب عميقة عديدة فيه. وجاء اليوم صحفي يمني ظريف، فعرَّف اليمني بخصيصة بارزة من خصائصه الأصيلة المتميزة، قائلاً: "اليمني حيوان مُدَكِّن".. *** * الواقعة: ذات مساء عرجت على مطعم صغير، في "جولة" جامعة صنعاء يبيع فولاً مدمساً، وأنا في طريق العودة إلى مسكني. استقبلتني رائحة الخبز التنوري على عتبة الباب العريض المفتوح، فغمت أنفي، وحركت معدتي، واشتهيت فوراً صحن الفول المدمس الحار، تغرق فيه الأصابع إلى أسفله، وتتندى بزيت الزيتون، وهي تمسك بلقمة الخبز التنوري الطازجة.. طاولة صاحب المطعم على الباب. ألقيت عليه السلام: ـ السلام عليكم يا حاجّ!.. فرد السلام بأحسن منه وهو يبش بي: ـ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. ثم أضاف على الترحيب بـ: "أهلاً وسهلاً" مِزْحَة بشوشة: ـ سجلتْ لائحة غيابك عن مطعمنا أياماً ذات عدد.. ولن ينفعنا عذرك..! أعجبتني طريقة ترحيبه التي تجذب الزبائن، حتى ليظن كلُّ زبون أن صاحب المحل يخصُّه وحده بالاهتمام والمداعبة. لم يكن زحام اللحظة في مطعم دكانه المتواضع. جسمه ضئيل وكذلك طاولته الخشبية المبقعة بأفانين من آثار أطعمة متنوعة. في قعر الدكان "تنور" يتم فيه خبز العجين المختمر، هو ذا الحاج: "عبد الرزاق" يبدو رائقاً في أمسية جميلة، يحتسي الشاي مع الحليب، ويطوف بعينيه عبر الشارع الممتلئ بالناس والغبار والسيارات والدبابات (الدباب: مركبة خدمية جماعية صغيرة لنقل الركاب داخل المدن)، التي تصبُّ في جولة الجامعة. انتبهت، فجأة، إلى غياب حَلَّةِ الفول النحاسية وموقدها الحار، فتبددت في موضعها فرصة التكفير عن ذنب غيابي بشراء مضاعف، وقلت للحاج عبد الرزاق معتذراً، ومحتجاً في آن: ـ كيف أكفر عن ذنبي، وأشرت إلى موضع حلة الفول... الوقت مبكر، أليس كذلك؟! مع هذا ـ ما شاء الله ـ لم يبق من الفول شيء!.. قال ملبياً رغبتي: ـ حسن!.. لا يهمك!.. أتدبر لك شيئاً منه من عند دكان جاري. بادرت إلى شكره، وأردفت ناصحاً بلهجة حكيمة، بعد أن همدت نَهْمَتي في طعامي الشهي. ـ لماذا لا تكثر من الفول يا حاج عبد الرزاق، حتى تلبي رغبات زبائنك الكثر!.. تأملني الحاج قليلاً، استعار لهجتي، وقال بحب، وتأنٍ، وإيمان، وثقة: ـ يا دكتور! نحن نبيع وغيرنا يبيع. وصاحب الدكان تاجر صغير، لابد أن يحسب حساباً لجاره ولجيرانه. يقول المثل: "ألف دكان على كنف الرحمن"... مستورة والحمد لله، هذه قسمتنا، وندع الآخرين ينالون قسمتهم أيضاً. فما رأيك؟.. أجبته على عجل وإعجاب: ـ بارك الله فيك، أسمع مثل هذا الكلام، وأشهد أنه موقف نبيل، الدكاكين لديكم كثيرة ملفتة للنظر، وتعمل في أنشطة اقتصادية عديدة، بعض أصحابها فقراء، وبعضهم لا يستقر على حالة مادية واحدة، لكنها، جميعاً، تحمل في داخلها قواعدها الذهبية الجميلة. أقول لك، ما عدت أدهش من عدد هذه الدكاكين على تواضع أغلبها. ما عدت أتساءل: كيف يتمكن أصحابها من العيش والتجاور وهم متماثلون..... ثم ودعته منبسطاً، وودعني بابتسامة رغب أن تبقى معلّقة وهي تشهد عامل محله قادماً بسرعة من الخارج، يحمل طعامي المفضل المجهز من قبل ـ جاره ـ الذي "دَكَّنَهُ" جيداً!.... |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |