جريدة اسبوعية تعنى بشؤون الأدب و الفكر و الفن - العدد 749 تاريخ 3/3/2001
Updated: Wednesday, September 24, 2003 03:04 AM
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 
إشكالية (مسرحية الصدى) بين النص والعرض المسرحي ـــ علي عبد الوهاب البرازي﷒

إشكالية (مسرحية الصدى) بين النص والعرض المسرحي ـــ علي عبد الوهاب البرازي


حضرني وأنا أشاهد عرض مسرحية "الصدى" للمؤلف المخرج "عبد المنعم عمايري" على خشبة مسرح القباني بدمشق، سؤال مفاده.. هل كان أجدادنا العرب القدامى أكثر حكمة وواقعية منا نحن أبناء الجيل الحالي الذي عاصر القرنين العشرين والحادي والعشرين، عندما عبّروا عن تلك الحالات النفسية التي تنتاب الإنسان: وهو يشارف مرحلة "أرذل العمر" حتى قال في ذلك شاعرهم الحكيم "زهير بن أبي سلمى:

 

سئمت تكاليف الحياة ومن يعش

ثمانين حولاً "لا أباك لك" يسأم

 

 

رأيت المنايا خبط عشواء من تُصب

تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم

 

ونحن نحاول صد الكلمات المتتابعة العشوائية التي توجهها إلينا قبضات أعباء الحياة المعيشية القاسية، فتعلو أصوات تبرمنا من شظف العيش الذي تحدثه في حياتنا رتابة الأشياء المتكررة من حولنا، فنتأفف من فوضى الأمور العبثية، ونغضب لإحساسنا بالانهيارات المتتالية في قيمنا الروحية ومُثلنا الاجتماعية داخل نفوسنا، حتى باتت أصداء أصواتنا المسحوقة تتحشرج في حلوقنا منكفئة للتبدد في غياهب أعماقنا الخاوية؟!..

تلك هي المقولة التي تتلمسها في ثنايا النص المسرحي، بعد أن تعهدها لعناصره البشرية وتقنياته الفنية مؤلف ومخرج النص لخلق نوع من الإيصال، والتواصل بين المنصة والجمهور المتلقي.

فالقصة تقوم على زوجين من لحم ودم، الزوج فنان تشكيلي معاصر، مزاجي النزعة، متقلب الأهواء، حائر في تنقله بين زوجته "ست البيت" التي لم تنجب أطفالاً يملؤون عليها فراغاً تحس به يكاد يزهق روحها، وتطالبه باستمرار بإحياء أيام شهر العسل، وبين لوحته التي تلح عليه في إنجازها ليكمل بهدوء مشواره الفني.

وعندما تخرج اللوحة الموديل من إطارها وتشارك الزوجين حياتهما تبدأ المفارقات الحياتية في التعبير عن ذاتها في مشاهد كوميدية ساخرة تخلط أوراق الحقيقة بالوهم.

ولاشك أن المتزوجين كانوا متفهمين لتفاصيل الحياة النفسية التي كان يعانيها كلا الزوجين في سياق العرض المسرحي على المنصة، فكانت تشيع الهمهمات وتتغامز العيون وترتسم الابتسامات الوقورة ثم تغادر القهقهات الشفاه لتحلق في أجواء الصالة.

وإن اتكاء مسيرة العرض المسرحي على بعض المقاطع من أغنية أم كلثوم الشهيرة:

أنا وأنت..

ظلمنا الحب بايدينا..

وجينا عليه.. وجرحناه..

لحد ما داب حوالينا..

أضاء جواب مهمة في بعض مشاهد المسرحية، حين بدأت ذاكرة الحضور بالربط بين الكلمة المغناة والحالة النفسية التي يعاني منها كلا الزوجين.

اعتمد النص في حواره على الجمل القصيرة المبتورة الكلمات التي كان يتبادلها الزوجان في المشاهد المتتابعة.. معبّرة عن الفراق الروحي والجسدي.. والخواء العاطفي.. والحياة الهامشية التي يعيشها كل منهما بعيداً عن الآخر.. رغم تواجدهما تحت سقف بيت واحد..

وإن كان النص يعاني من خروجه عن بعض مواصفات النص المسرحي من البداية والوسط والنهاية، فإنه كان يجسد بالصيغة المكتوب بها حالة نفسية حياتية معاصرة، ليست بعيدة عن روح العصر.

كان المخرج الممثل "غسان مسعود" في دور الزوج الفنان مُتفهماً لأبعاد الحالة النفسية الانشطارية التي يعانيها الأزواج المعاصرون في حياتنا المعاصرة، وهو بحسّه الحرفي الفني أدرك الثغرات التي كان يعاني منها النص، فكان يرمم بدأب صامت تلك الثغرات بحضوره المسرحي المتوهج وطريقة أدائه الجسدي المتفردة وسيطرته التامة على مخارج حروفه وتلوينها كما يناسبها من الحالات النفسية في مشاهد المسرحية.

وقد بذلت الممثلة الشابة "سلافة معمار" جهدها لتكون الصنو لأستاذها الذي تؤدي أمامه دور الزوجة العصبية الغيور المتعطشة لعودة ساعات الزمن إلى الوراء، وكان يشوب انفعالاتها النفسية بعض الشوائب في تأديتها لمشاهد الغضب والتمرد، وكم كانت هادئة وجميلة وانسيابية وهي تؤدي دور الزوجة المحبة بابتسامتها العذبة ووجهها الصبوح.

وأدت الممثلة الفرنسية "سيسيل بويكس" دور الموديل التي يرسمها الفنان دوراً صعباً عندما وقفت لفترة زمنية طويلة صامتة داخل الإطار حتى كدنا نعتقد فعلاً أنها لوحة فنية وليست امرأة من لحم ودم، وكان تجاوبها جميلاً مع "سلافة" في مشهد المواجهة بين المرأتين على ضوء الشموع التي كان يحملها الزوج.

كان التوفيق حليف المؤلف المخرج، لدى اختياره لأستاذه "غسان مسعود" الذي تخرّج على يديه في المعهد العالي للفنون المسرحية، لأداء دور الزوج الفنان التشكيلي المزاجي العبثي غير الملتزم، لأن أهل مكة أدرى بشعابها، والثغرات الفنية الكتابية في النص أدرى بها مؤلف النص من غيره، وقبول الأستاذ العمل ضمن توجيهات تلميذه بروح رياضية فنية تُحسب له، ساعد على حمل النص المسرحي فوق خشبة المسرح وتوجيهه إلى بر الأمان، وإلا لكان السقوط المريع ومن الجولة الأولى من نصيب النص.

وذلك لا يمنعنا من الإشادة بالتمهيد الذهني والنفسي الذي قام به المخرج لدى جمهور الصالة، لخلق جو من التواصل بين المتلقين وما سيجري فوق المنصة من الأحداث المسرحية، عندما بدأ بإذاعة مقطع من أغنية أم كلثوم "أنا وأنت ظلمنا الحب بإيدينا" قبل بداية العرض المسرحي، حتى إذا أضيئت المنصة ووقف الزوجان متباعدين في مقدمة المنصة، أدركنا الهوة الروحية والنفسية التي تفصل بينهما، ودخلنا في صميم المشكلة الاجتماعية التي بات يعاني منها معظم المتزوجين في عصرنا، من جراء تزايد النق والنقار وما يتبع ذلك من الشجار والبعاد والفرقة والبكاء والحنين، ضمن مشاهد المسرحية المتتابعة في عرض مسرحي تفتقر نهايته إلى البداية والوسط كما ألف الناس في العروض المسرحية الكلاسيكية.

ولقد ساعدت مساهمة الفنان "سيف الدين السبيعي" في اختياراته الموفقة للموسيقى المرافقة لبعض مشاهد المسرحية ولبعض المقاطع من أغنية أم كلثوم في إضاءة ما كان يعتمل في داخل الزوجين من الانفعالات الحياتية. بينما أتقن الفنان "نصر سفر" صنعته الفنية في تصميم وتوزيع إضاءته الملونة الفنية الموحية الموزعة بإحساس مرهف على مشاهد العرض، وخاصة لدى استغلاله لدور الإضاءة الجانبية التي وجهها لمكان جلوس الزوجين ووجهيهما فساعدت على تبيان الانفعالات النفسية على تعابير الوجهين. وكان لاختيار اللون الأسود لملابس الزوجة يدل على تشاؤمها من الحياة، وكذاك لون ملابس الموديل السوداء الذي ينسجم مع حياتها الفنية، وملابس الزوج الفنان البيضاء التي تدل على تفاؤل مهنته، ساعد هذا الاختيار اللوني الذي صممه للملابس الفنان "عبد الإله فرهود" على تقريب الجو النفسي للزوجين والموديل من الجمهور. ولم يكن الديكور المسرحي لردهة البيت لينفصل في خطوطه الرمزية عن الأجواء الرمادية التي بدأت تسود حياتيهما وقد صممه الفنان "موسى الهزيم"، واندغمت مفردات قطع الاكسسوار مع الجو العام للمسرحية بآلة التسجيل القديمة التي تبث أغنية أم كلثوم، وبالانحناءات الملتوية في تصميم الكراسي التي بدت منسجمة مع ما يجري داخل النفوس من التعرجات والتموجات الانفعالية.

ولا أعتقد أن رقصة الزوج المنفردة الغريبة الطابع ومن تصميم الفنانة "نورا مراد" أضافت شيئاً هاماً إلى مجريات العرض المسرحي، وحبذا لو أن أداء الرقصة كان على النمط الشرقي أو الدبكة مثلاً وبطابع كوميدي لكان ذلك أكثر التصاقاً بروح النص ونفسية الزوج الشرقية والمشاهدين بآن معاً، ولكانت أشاعت قليلاً من الفكاهة البصرية لدى جمهور الصالة. وكذلك لم تضف الرقصات التي أدتها الموديل بشقيها الغربي والشرقي، شيئاً ذا بال إلى مسيرة العرض المسرحي، بل كانت الرقصة الشرقية تفتقر إلى الروح الشرقية وكانت شديدة الشبه بالآلية الكوميدية التي نشاهدها في عروض مسرح العرائس، ولا شك أن تلك الرقصات المقحمة على العرض المسرحي تدخل في نطاق المتعة البصرية التزيينية. وجاء تصميم الملصق الإعلاني والدليل للفنان "سعد الله مقصود" مغلّفاً بالرمزية الغامضة المشجعة للجمهور لحضور العرض المسرحي.

 

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244