|
||||||
| Updated: Wednesday, September 24, 2003 03:05 AM | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الحداثة والعولمة ـ أو تقاطع المسارات ـــ ماجد السامرائي حين دعا أحد مفكرينا العرب إلى ((تجديد الحديث في القومية))، جعل دعوته هذه طريقاً إلى دعوة أخرى، صريحة ومعلنة، هي: مواجهة الاستعمار في إطاريه القديم والجديد، وتصفية تركاته الثقيلة في الوطن العربي التي وجدها مفكرنا هذا تنمو لتنفتح عن ((ثقافة)) مناهضة لكل روح قومي أصيل... ثقافة تستمد مكوناتها الأساسية من إقليمية ضيقة عمل هذا الاستعمار على ((تشريع سننها))، وعنصريات متعصبة أثار عقدها التاريخية، وطائفيات متخلفة ترتد بالدين إلى ما ليس منه، ونزوعات تابعة ترحب بعودة الاستعمار كما نقل مفكرنا، في دعوته هذه، الرغبة في ممارسة النقد الجذري، والعمل على تنقية الفكر العربي والثقافة العربية والواقع العربي، بل روح الإنسان وعقله، من مثل هذه الأدران القاتلة، التي تحاصر كل نمو طبيعي في الحياة والثقافة والفكر. ونجد اليوم من مفكرينا من يدعونا إلى ((تجديد الكلام في الحداثة))، داعياً إلى الأخذ بها في ما نرى وبه نفكر ـ وله نخطط.. وهي دعوة تنفتح، في كثير من تجلياتها، على التمسك بروح الثقافة القومية، لبناء واقع جديد يكون له حضوره في الحضارة الإنسانية.. ذلك أن الحداثة في ثقافتنا العربية لم تتقدم بروح ((الإلغاء)) و((إحلال البديل))، وإنما تبنت أسلوب الحوار مع الذات العربية بتكوينها (الفكري ـ التاريخي)، من جانب.. ومع الحاضر في ما يأخذ به (أو يُحِلّه) من أسس التقدم، من جانب آخر.. ورأت أن الحوار هو الطريق الأمثل، الحي والحيوي، للتواصل بين الثقافات والحضارات.. فضلاً عما فيه من إثراء للواقع، وصعود بالتصورات (النابعة أصلاً من هذه الثقافات والحضارات) إلى مستوى الإضافة فالتطور فإحداث التحول.. لقد رأت الحداثة (وقالت) إنّه إذا كان تطور حضارة ما، والثقافة أيضاً، يأتي بمقدار ما نعطيها، نحن أبناءها، من ذواتنا وفعلنا الإنساني والتاريخي الجديد، فإننا، بذلك، نكرسها وجوداً، ونجعل لها فاعليتها وتأثيرها... ويأتي في مقدمة هذا العطاء: الفكر الخلاق للإنسان.. إذ لا أهميّة لنا بالمعنى التاريخي، ولا مستقبل لنا بالبعد الحضاري إذا كفت فاعليتنا، الفكرية والقومية والثقافية والذاتية والإبداعية والروحية، عن الإسهام الفعلي في تحول العالم وتطور بناه الإنسانية. وعلى مثل هذا الأساس وضعت الحداثة صياغاتها المبجلة لقيم الحرية، والديمقراطية، والمجتمع المدني.. ولم تقتصر أطروحاتها على الآداب والفنون (كما يعمد البعض إلى اختزالها ـ جهلاً ـ أو عمداً!!).. وإنما شملت أساليب الحياة ومناحي الفكر والتفكير كافة... ولا غرابة في أن تتعرض الحداثة، في عصرنا هذا بالذات، إلى حرب يشنها عليها طرفان/ فريقان، على ماقد يشخص بينهما من تناقض ظاهر: ـ فإذا كان الطرف الأول في هذه الحرب على الحداثة يمثله الفريق المنكمش على ذاته، المنطوي على نفسه خوفاً من كل حركة يمكن أن تزعزع سكونه، وتداخله الخشية من كل تطور قد يفضح جهله وكل تقدم يكشف تخلفه... ـ فإن الطرف الآخر يمثله فريق ما بعد الحداثة الذي يعتمد في توجهاته على المحو بقصد الإلغاء، وليس بهدف التأسيس... كما يعمد إلى الهدم لكي لا يُبقي أثراً لمؤثر، واقعياً كان أم تراثياً ـ تاريخياً.. فإذا كانت حركة مابعد الحداثة قد مثلت الانقلاب الكلي على الحداثة، فإنها في هذا المسعى/ التوجه منها، إنما جاءت تمهيداً لما بعدها... وكان مابعدها: ((العولمة)). فالعولمة، نظاماً ومشروعاً، هي ((المولود الطبيعي))، لحركة مابعد الحداثة، بحكم سعيها الحثيث إلى خلق عالم مهيّمن عليه من قبل قوة أكبر تُحركه وتتحكم بالمصائر فيه. والعولمة قوة مفكرة، بمعنى من معاني التفكير... وهي في تفكيرنا، الذي ينبسط اليوم بمعانيه الاستلابية الواضحة على مساحة الواقع الإنساني، إنما تسعى إلى إيجاد زمانها.. ولذلك فهي تحاول/ وتعمل على إلغاء الأزمنة الأخرى، ثقافية كانت ذات هوية محددة واضحة أم تاريخية... زمانية ومكانية ـ فالدمج الذي حصل للثورة الإعلامية (والمعلوماتية أيضاً)، بآليات النظام الرأسمالي حقق لهذا النظام وصايته على أنظمة الاتصال ووسائله، وبما ينتظم في سياق تصوره للعالم، ليس بما هو، وإنما بما يريد له أن يكون. ولو تساءلنا أمام سذاجة بعض الأطروحات التي ترى الحرية في نظام العولمة: هل الإنسان، في واقع العولمة ومرآها، حر في ما يرى أو يجد لرؤيته من ((طرق مفتوحة)) على العالم؟.. فلاشك في أن الجواب سيؤكد لنا حقائق أخرى: فالأمر ليس بالبساطة التي يحاول البعض أن يتصور ((العولمة)) فيها، ولا هي، حركة واقعية وعلى أرض الواقع، بالسهولة التي تحاول بعض الكتابات أن تعكسها، فهناك ((نظام تحكم)) بهذه ((التقنية المفتوحة)).. في ما يجب أن ترى، وكيف ينبغي أن تراه ـ أي أن هناك خضوعاً لنظام فوقي تحركه/ وتتحكم بحركته قطبية فوقية هي ما يصطلح عليه اليوم بالقوة الوضعية التي تفرض قيمها وتكرس معاييرها في مسألتي: الإرسال والاستقبال... فانفتاح أفق التلقي ـ الذي يمثل للبعض ـ ((وجه الحرية)) في العولمة ـ هو في الوقت الذي يؤكدا نظرا، للتعدد والتنوع. أفق محدد واقعاً بصيغ يحركها ((قطب فوقي)) متحكم، يملي المواقف والحالات، ويهتم باستثمار النتائج. فكل أفق هو أفق استراتيجي، يحدده المرسل، ويستثمر نتائجه فيعمل أكبر وواقع أوسع وأشمل. وإذا كان الهدف الاقتصادي للعولمة، في وجهها الرأسمالي هذا، هو: تحويل العالم إلى سوق كونية، فإن التطابق النفسي والذاتي ((وبالمحصلة: الثقافي)) مع هذا السوق إنما تحققه ((الثقافة العولمية)) ـ التي تعمل العولمة ((نظاماً)) على أن تجعل منها العولمة مفعولاً من مفعولاتها. فهي بهذه الثقافة، إنما تهيئ العقل الإنساني لقبول نظامها، خصوصاً وأن الغزو الاستعماري (والأمريكي منه تحديداً) ما يزال مستمراً ـ بحسب ما يراه ((شومسكي)) ـ فما يتم اليم هو ((إلغاء التحرر))، و((تعطيل الديمقراطية)) في المجتمعات الأخرى التي نجدها تحمل استعدادها الذاتي لمثل هذا. أما الذي تغير ـ كما يرى شومسكي ـ فهو ((شكل الاستعمار)) ـ إن لم نقل: صيغته، فالاستعمار الجديد يجعل اليوم وسائله وسائل اقتصادية، وإعلامية، وتكنولوجية، يحقق بها/ ومن خلالها هيمنته على الاقتصاد والثقافة معها، ويحكم السياسة ـ ((أو يتحكم بمساراتها)) ـ من خلالهما، كما يريد ويرغب، فالعولمة، في بعدها هذا، هي الغزو الشامل للإنسان عقلاً، وللواقع حركة ومعطيات، وللسياسة توجهات ـ وهو ما تعتمده الولايات المتحدة الأمريكية اليوم، بحيث نجد من يستبدل مصطلح ((عولمة العالم)) بمصطلح آخر يجده أكثر دلالة على ما يتم، وهو: ((أمركة العالم)).. صحيح أن الأفكار، والأفكار التقدمية بشكل خاص، قالت بأنّ الإنسان مدعوّ لتغيير العالم، ولكن هذا التغيير، كما رآه واحد من شعراء العصر، مرتبط بتعاون الإنسان مع الأرض والماء. فإذا كان ((الخلود)) إبداعاً إنسانياً، فإن هذا الإبداع إنما يتحقق ويبقى بقوة ما يحمل من أثر إنساني. وهو الأثر الذي تسعى ((العولمة)) إلى محوه. ومن هنا لابدّ من تجديد الحديث في القومية.... وفي الحداثة أيضاً... في مواجهة رياح العولمة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |