جريدة اسبوعية تعنى بشؤون الأدب و الفكر و الفن - العدد 749 تاريخ 3/3/2001
Updated: Wednesday, September 24, 2003 03:05 AM
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الثقافة... الحرية... الإبداع..ـــ د. عيسى الشماس

تؤكّد معظم التعريفات التي تناولت مفهوم الثقافة، أنها ترتبط بشكل رئيسي بالنتاجات الإبداعية والفكرية للإنسان.. وهذا يعني أن الثقافة ظاهرة ملازمة للإنسان، لأنه يمتلك اللغة، واللغة وعاء الفكر، والفكر ينتجُ عن مجمل العمليات العقلية التي يتمتّع بها الإنسان، دون غيره من الكائنات الحيّة، فهو الحيوان (الناطق ـ العاقل)، ولذلك فإن العناصر الثقافية وجدت مع الإنسان مذ أحسّ بوجوده الاجتماعي، وأخذ مفهومها يتطوّر ويتّسع، وتتحدّد معالمها مع تطوّر الإنسان، إلى أن وصلت إلى ماهي عليه الآن، وبعد مراحل تاريخية من التطوّر والتقدّم الإنساني..‏

1 ـ ماهية الثقافة وطبيعتها:‏

لقد تعدّدت تعريفات الثقافة ومفهوماتها، مابين الجوانب المعنوية/ الفكرية، والجوانب المادية/ الموضوعية، أو كلاهما معاً باعتبارها تمثّل المحتوى الفكري والفنّي للحضارة، حتى لتكون هي والحضارة سواء بسواء.. ومع تعدّد هذه المفهومات، فقد ظهرت عشرات التعريفات للثقافة مابين (1871-1963)، حيث كان أقدم التعريفات وأكثرها شيوعاً ـ كما هو معروف ـ تعريف/ إدوارد تايلور، 1871)، والذي يرى: "أن الثقافةهي كلّ مركّب يشتمل على المعرفة والمعتقدات والفنون والآداب، والأخلاق والقانون والعرف، وغير ذلك من الإمكانيات أو العادات التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضواً في مجتمع" أمّا التعريف الأكثر بساطة ووضوحاً، فكان تعريف عالم الاجتماع الحديث/ روبرت بيرويستد، 1963"، الذي يقول: "إن الثقافة هي ذلك الكلّ المركّب الذي يتألف من كل ما تفكر فيه أو تقوم بعمله أو تمتلكه كأعضاء في مجتمع"...‏

وربّما يكون أحدث مفهوم للثقافة، هو ما جاء في التعريف الذي اتفق عليه في إعلان/ مكسيكو (6 آب 1982)، والذي ينصّ على أن: "الثقافة بمعناها الواسع يمكن أن ينظر إليها على أنها جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعاً بعينه، أو فئة اجتماعية بعينها... وهي تشمل: الفنون والآداب وطرائق الحياة... كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات..."، ومن هذا التعريف، يفسّر الإعلان تأثيرات الثقافة، ويرى فيما يرى: أنه عن طريق الثقافة نهتدي إلى القيم ونمارس الاختيار، وهي وسيلة الإنسان للتعبير عن نفسه، والتعرّف إلى ذاته كمشروع غيرمكتمل، وإعادة النظر في إنجازاته.. وهذا طبعاً يعبّر عن إطار الحرية، الفردي والاجتماعي والإنساني... ويضيف التفسير: إن الثقافة وسيلة للبحث دون توانٍ عن مدلولات جديدة وإبداعات وأعمال يتفوّق فيها الإنسان على نفسه... وفي هذا المعنى أيضاً تظهر المناخات الثقافية التي تحفز على التجديد والإبداع...‏

ولذلك نرى، أنه في ضوء الاتجاهات الحديثة للثقافة، أخذت العلاقة بين الثقافة والإبداع تحتلّ مكاناً متقدّماً بين اهتمامات القادة والساسة والمفكرين.. وهذا ما برز واضحاً في مؤتمر /استكهولم 1998)، الذي أكّد قوّة الثقافة وتأثيراتها في الإبداع، (باعتباره عنصراً لم يعد ينظر إليه على أنه مقصور على الإنتاج الفني والأدبي والفكري الخالص، وإنما بدأ المفهوم يمتدّ ليشمل مجالات جديدة ذات صبغة عملية، أو حتى (نفعية) مثل الإخراج التلفزيوني والفيديو والتفنّن... وفي تجديد وسائل التسلية والترفيه التي تعتمد على الإبهار، بل الإبداع والابتكار في مجال الموضة....)، وإن ما يقدّمه المبدعون إلى المجتمع من إنتاج فني وأدبي وفكري، هو حصيلة المعاناة والتجربة وخلاصة الثقافة والخبرة.. وهذا الإنتاج يعيش في ضمير الحاضر حنيناً ينمو ويثري بتراكمه رصيد الخبرة البشرية والحضارة، ويعرض استقراء للحاضر ومشروعاً للمستقبل...‏

ويبقى هذا العطاء الإبداعي في حالة تفاعل حيوي، يطرح نفسه وأسئلته ومقولاته وقيمه، ويغري الناس بالانجذاب إليه، ويسعى ليستثير الانتباه والاهتمام فالحوار...(47:7).‏

2 ـ الثقافة والحرية:‏

إذا كانت أهمية الثقافة تبدو في توفير الأجواء الاجتماعية السليمة التي تتيح للفرد، التعبير عن أفكاره ومواقفه وإبداعاته، من خلال حريّة اختياره وتعامله مع منظومة من المعتقدات والمواقف السائدة في مجتمعه، فإن الثقافة، ـ دون شك ـ أصبحت تحتلّ المركز البارز في مفردات عالمنا المعاصر.. فالعالم أجمع يناقش اليوم في الثقافة، والكل يريد احتواءها والدفاع عنها، حتى باتت الثقافة مركز تصادم الأفكار الذي هو في الوقت ذاته (التصادم المستقبلي)، وما سيكون عليه الحال فيما بعدها بالنسبة (لأهداف المعرفة ورسالة الفكر)، ووجهة التطوّر مع خلفية دائمة هي مصير الإنسان ومصير الجنس البشري"(3: 12)..‏

ومن هنا، يبرز الصراع الثقافي كبديل للصراع العسكري، وربما أيضاً السياسي، بحيث يكون هذا الصراع الثقافي مصدرقوّة وحافزاً على التجديد والابتكار والإبداع، من أجل الصمود والاستمرارية... ذلك لأن امتلاك ثقافة الحضارة والسيطرة عليها، يؤديان إلى الابتكار والخلق، أي تحوّل الثقافة إلى إنتاج حيّ متجدّد... وهكذا يعاد إنتاج الفكر الجماعي المركّب الذي ينتج التناقض والصراع والجدل، لصالح التداول الإبداعي، وليس لصالح التباعد.. وربّما يكون في ذلك مدعاة لفهم أن الصراع الثقافي جزء لا يتجزأ من الابتكار والتجديد، طالما أنه قادر على التحاور العلمي الجاد، وإطلاق الإبداع وإعادة إنتاج المعرفة الواقعية...(6: 98) أي أن الثقافة خلقت مجال الحرية للإنسان، ولكن ضمن حدودها، التي تستطيع بواسطتها التجدّد مع الحفاظ على كينونتها...‏

وهكذا يكون بروز الإنسان في مجال الحرية أعظم إنجاز له، وتكون الثقافة عندئذٍ للإنسان أخصب حقل لإنماء حريته التي بقيت حدودها هي ذاتها، كحدود حرية الظبي أو الطائر، أي حدود إمكانياته.. وهذه الإمكانات تحقّقها ثقافة المجتمع وهي تنمو وتتطوّر بحركة ديالكتيكية، تجعل من كل إنجاز جديد اتساعاً لمجال العمل الذهني الإنساني...(4: 142)، ومن هذا المنطلق، وبالنظر لقوّة الثقافة في تأثيراتها الفردية والاجتماعية، حاضراً ومستقبلاً، ودور المثقف الواعي في تفعيل هذه التأثيرات، في الاتجاه الإيجابي، فقد يوصف المثّقف أحياناً بالسياسي، والسياسي الثوري... وإذا انتفت السياسة والثورة، فقد انتفى المثّقف... وهذا صحيح لا لبس فيه، ذلك لأن الثورة في حقيقتها بحث عن الهوية، بحث عن الحرية، وتحمل في أبعادها التغيير الجذري، أي خلق واقع جديد أفضل من الواقع المعاش والذي لم يعد مقبولاً اجتماعياً وثقافياً وسياسياً.... ولذلك، نلاحظ أن ارتباط المثّقف بالسياسة، بحسب رأي/ سارتر وغرامشي/ أو خارجها، بالرفض السلبي، هو محور الاهتمام المشترك بين الغالبية التي استخدمت مفردات "الدور، الموقف، المسؤولية، الوظيفة..."، حتى أرادت أن تنصف المثّقف...(6: 78).. ويبدو أن هذا من الأمور، الطبيعة والحتمية، حين يكون المبدع بحكم انتمائه للثقافة وصدروه عنها وامتلاكه الوعي والتزامه الأخلاقي؛ حين يكون مسؤولاً عن موقف في الحياة، وما يجري فيها ومطالباً بموقف... فضلاً عن كونه مسكوناً بالحرية ومدفوعاً إلى التعبير عن إرادته وتجسيد قدراته بنشاطات روحية، ونفسية، مصدرها الأعماق، ولكنّها تتجه إلى الخارج وتبحث عن ذاتها فيه، تلك الذات التي تكاد تكون هويتها وماهيتها: التغيير، فعلاً وغاية...(7: 49)..‏

3 ـ الحرية والإبداع:‏

الثقافة هي وليدة المجتمع الذي تنتمي إليه، وهي في الوقت ذاته تحدّد أساليب الحياة المتميّزة لأبناء هذا المجتمع، وتمدّهم بالأدوات والمعزّزات لاستمرارية الحياة فيه بتفاعل خلاّق، يتماشى مع متطلبات التطوّر المطرّد، وهنا نجد أن المفكّر المبدع أو الأديب أو الفنان، لا يقلّ أحد منهم قيمة عن رجل السياسة المخلص النزيه، ومخترع الآلة لصالح البشرية، وعالم الاجتماع الذي يتخذ مذهباً صالحاً لدراسة أحوال قومه، فكلّ منهم سيّد في ميدانه... وبما أنّ التحرّر الحقيقي يكون شاملاً أو لا يكون، فينبغي التفكير في الثقافة تفكيراً أعمق، وأن الشعوب المتحرّرة تقاس بمدى إبداعاتها وابتكاراتها في جميع مجالات الحياة، وبمدى إقبال الشعوب على ذلك الإنتاج الفكري الرفيع... (7: 195).‏

فالثقافة في جوهرها ـ إذن، هي تجسيد الوعي بالتناقضات الناشئة في غياب الحرية؛ وفي مجالات كالتعليم والتشريع قد يتجاوز الأمر مرحلة تجسيد الوعي إلى التأصيل والصقل للمعنى الحقيقي للحرية الإنسانية... أمّا الإبداع الثقافي فلا يتجاوز مرحلة الوعي بهذا المعنى، لكنه الوعي الذي لا تتبدّى فيه تشكيلات الصورة والأفكار مغتربة أبداً عن تشكيل الحاجة المتولّدة إلى الحرية، ولم ينفصل الإبداع في يوم من الأيام عن الإيديولوجيا أو الوعي... لقد ظلّ الإبداع مخلصاً لأيديولوجيا الإبداع نفسها وجعل منها أساساً معرفياً تابعاً لها...(6: 288).. أو ليست الإيديولوجيا مجموعة الأفكار والمبادئ والعقائد التي تترجم مضمونات ثقافة ما، سواء كانت هذه الثقافة متخلّفة أو متقدّمة؟ وبالتالي: أليس الإبداع عامة، والإبداع الفكري خاصة، شرطاً أساسياً ولازماً لتجديد هذه الثقافة وتطويرها....؟‍!...‏

وإذا كانت الثقافة بطبيعتها تحمل دعوة متجدّدة للمعرفة، والمعرفة تقيم أسس الوعي، وبالوعي يتجّدد أفق الحرية، فإن الثقافة ـ استناداً إلى ذلك ـ هي فعل التثوير بالتنوير، المتعلّق بالحرية والمبنيّ عليها.. وهكذا تغدو الحرية شرطاً من شروط الفعل الثقافي وفاعلية الثقافة وبما أن الثقافة بهذا المعنى ـ تكتنز قدرة خلاّقة قد تمكنُّها من تحويل الطاقة إلى إنجازات وأفعال يتجلّى فيها الإبداع والقصدية، فإنّها - أي الثقافة ـ تكشف عن أنها تنطوي علىإمكانية المجاوزة الحتميات.. (7: 56). وهذا مايجب أن يتصف به المثّقف الواعي، المثّقف الثوري الذي يرفض كل ما يخالف قوانين التطوّر، ويرفض السكون والعودة إلى الوراء، وإنما يأتِ بما هو جديد لم يأتِ به غيره من قبل، فيتحقّق الإبداع المطلوب...‏

فالثقافة، وإن كانت تعمل على تشكيل الفرد على نحو ما، فهذا لا يعني إلغاء فرديته، إذ بوساطة الثقافة تنمو إمكاناته وتتحرّر قواه، ويكتسب القدرات المتعدّدة التي تمكّنه من ممارسة حريته في الاختيار الصحيح والتمييز الواعي، وهما شرطان أساسيان لعملية الإبداع... فالحرية والإبداع أمران متلازمان، لأن الإبداع لا يتمّ إلاّ على أرضية ثقافية واعية بعيداً عن مناخ من الحرية، هادئ وآمن، حيث يستطيع الفرد مع هذه الحرية أن يوظّف قدراته ويستثمر طاقاته في التجديد والتطوير والإبداع، فالإنسان يكتسب حريته وقدرته على التفكير من خلال نشاطه وجهده في الثقافة التي يعيش فيها...(5: 9).. فالمرء زيادة على النمط الوراثي الذي تلقاه، فهو محفوف ببيئة مشتبكة يمكن تحليلها إلى ثلاث بيئات فرعية على الأقل، كلّ منها ذات أثر؛ البيئة الطبيعية من مناخ وطبيعة خارجية، والبيئة الاجتماعية من أسر؛ ومدارس وأندية ونظام حكم، والبيئة الحضارية/ الثقافية من تراث وعلوم وفنون..... ومن الواضح أن هذه البيئة الحضارية، أهم البيئات الثلاث لأن الإبداع إنّما يتحقّق في أحضانها. (7: 16)..‏

وهكذا، واستناداً إلى ما تقدّم ـ نجد أن ثمّة علاقة جدلية، أو معادلة ثلاثية الأبعاد، بين الثقافة والحرية والإبداع... فالثقافة تهيئ العوامل الأساسية للتفكير والسلوك، والحرية، تؤمن مجالات التفكير السليم والسلوك الإيجابي، من حيث التكيّف والتفاعل... والإبداع، يحصل نتيجة حتمية لتوافر البعدين (العاملين) السابقين، فيتيح إمكانية تجديد الثقافة، وتأصيلها ومدّها بأسباب النمو والتطوّر.. ويبقى للمثّقف الواعي أن يدرك طبيعة هذه العلاقة، والدور الهام في ترجمتها على أرض الواقع فكراً وممارسة‏

المراجع:‏

1 ـ أبو زيد، أحمد، الثقافة ومشكلات الإبداع، مجلة الهلال، نوفمبر 1998.‏

2 ـ إعلان مكسيكو الصادر عن مؤتمر اليونسكو للثقافة (6 تموز ـ 6 آب، 1982).‏

3 ـ دللو، لويس، الثقافة الفردية والثقافة الجماهيرية، ترجمة: خير الدين عبد الصمد ـ وزارة الثقافة 1993.‏

4 ـ حوراني، يوسف، الثقافة وبناء الإنسان ـ مجلة الفكر العربي (ت1 ـ ك1، 1992).‏

5 ـ الفقي، حسن، الثقافة والتربية، دار المعارف بمصر، ط2/ 1977.‏

6 ـ مركز دراسات الوحدة العربية، الثقافة والمثقف في الوطن العربي، بيروت، ك1/ 1992.‏

7 ـ المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، الثقافة والإبداع، تونس 1992.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244