|
||||||
| Updated: Wednesday, September 24, 2003 03:05 AM | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
بؤس الشعر، وبؤس النقد ـــ محمد اسماعيل دندي في الأعوام الأخيرة، أخذت ترتفع أصواتُ المحتجّين على تدنّي المستوى الشعري في الوطن العربي، من خلال الركام الهائل من القصائد، الذي تقذفه المطابع، على شكل مجموعات شعرية مستقلة، أو صفحات ثقافية في الجرائد اليومية والأسبوعية، أو واحاتٍ شعرية في المجلات الشهرية، والمحتجّون ـ في أكثر الأحيان ـ على حقٍّ، فهناك جيلٌ جديد، يستسهل الشعر ويندفع لكتابته، ليحقّق به مزايا ومكاسب لا يسهُلُ تحقيقها بغيره: ينال شهرةً يوفّرها له تكرار النشر وظهور الاسم على صفحات المجلات والجرائد، ويحصل على دخْلٍ مادي مقبول بجهود فكرية محدودة؛ مادامت الصحف الحكومية تدفع مكافآت لكل ما يُنشر فيها، والنشرُ ـ في كثير من الحالات ـ لا يكلّفُ صاحبه غير معرفةٍ وعلاقات شخصية مع بعض محرري الصفحات الثقافية والأدبية أو المشرفين عليها، ثم نثر كلمات وعبارات أفقية تارة، وعمودية تارة أخرى، تفصل بينها فراغات بيضاء أو نقاط أو علامات تعجب واستفهام واسم قصيدة أو نص فوقها، فإن تجرّأ قارئٌ واحتجّ قليلاً: ليس هذا الكلام المتناثر شعراً ولا فناً، لأنه مجرد مفردات وجمل لا تحتوي عناصر ولا مقومات ولا معاني شعرية، علتْ قهقهات من هنا وهناك، لتردّ عليه ساخرة منه وهازئة به: وهل من الضروري أن يحتوي الشعر عناصر ومقومات ومعاني؟ وإن تجاسر قارئٍ آخر وقال: إن في هذا الكلام المسمّى قصيدة أخطاءً إملائية أو نحوية أو لغوية، والويل له إن أضاف كلمة (عروضية)، فكم صفعةٍ ستحلّ على رأسه وكم تهمةٍ ستلبسه، سيقال عنه إنه تقليدي، وجامد، ومحدود، وسطحي، وإنه لم يفهم الحداثة ولا ما قبلها ولا ما بعدها، وخيرٌ له أن يسكت إلى الأبد.. وفي مثل هذه الأوضاع الشعرية البائسة، يتطلع الناس إلى النقد، ويتلمّسون عنده الحل والخلاص، ويأملون منه أن ينهض بدوره الإيجابي الفاعل، ليصحح المسارات الخاطئة، ويرسم الصوى والمعالم أمام هذا الجيل الذي يستعجل المجد والخلود، فهل يتحقق الرجاء؟!، وبمعنى آخر، هل لدينا نقاد يحملون المشاعل ويؤدون الأمانة؟!.. باستثناء قلة قليلة غائبة أو مغيّبة من النقاد الجديرين بألقابهم، الذين تشبه أعمالهم وميض البرق في ليلة شتائية معتمة، تسيطر على الساحة النقدية طائفتان من النقاد: أولاهما فئة من الأكاديميين الذين حصلوا على شهاداتهم العليا من دول أجنبية، فاطّلعوا على المذاهب النقدية الحديثة في الغرب، وعرفوا المناهج المعاصرة؛ فدرسوا اللسانيات والبنيوية والتفكيكية ونظرية التلقي والاستقبال، وعرفوا دي سوسير، وجاكوبسون، وكلود ليفي شتراوس، ورولان بارت، وجوليا كريستيفا، وباختين، وشارل بالي، وجاك دريدا... و.... و... وقائمة طويلة من هذه الأسماء والعناوين التي أشاعوها في قاعات المحاضرة وأذاعوها على أسماع طلابهم، ودوّنوها في (كرارسيهم) ومقرراتهم، ولكن وبقليل من التروّي، نجد أن التدريس شيء والنقد شيء آخر، وهؤلاء السادة المدرسون يعتقدون أنهم جميعاً نقاد، (ونحن لا نعترض على أن يكون بعضهم نقاداً)، فإذا تناول أحدهم مجموعة شعرية تناولاً نقدياً فتح أمامه هوّتين واسعتين الأولى بينه وبين القارئ العادي لأن ما يعرضه من أفكار وتنظيرات مقتبسة عن المؤلفات الأجنبية هو مزيجٌ من الطلاسم والألغاز والعبارات المعقدة والمصطلحات الغائمة، في نظر ذلك القارئ على أقل تقدير، والهوّة الثانية بينه وبين المجموعة الشعرية ذاتها، لأن ما يكتبه عنها لا ينبثق من داخلها ولا يتولد من عناصرها ومحتوياتها، وعندما يتأمل القارئ ما كتبه الناقد، يخالجه شك كبير في أن يكون هذا النقد عن هذه المجموعة، فهو ـ ربما ـ ينطبق على أحد الشعراء الأجانب أو على مدرسة كاملة منهم، ولكنّه لا ينطبق على المجموعة التي تناولها ناقدنا الكريم، وعلى سبيل المثال، أذكر أني قرأتُ مرة في مجلة مرموقة، دراسةً لأحد الأكاديميين، عن مجموعة شعرية لشاعر من الدرجة العاشرة، أراد فيها إقناع القارئ بأن الشاعر من المدرسة الرومانسية، فإذا به يستعرض كل ما استظهره من خصائص الرومانسية الإنكليزية التي توزعت على كل الرومانسيين الإنكليز، ثم يجهد نفسه لتأويل القصائد والأبيات وتوجيهها وقسرها لتكون رومانسية كما يرغب الدارس، في حين أن الشاعر يعد نفسه من شعراء مابعد الحداثة. هذا عن الطائفة الأولى من النقاد، أما الطائفة الثانية منهم فهي فئة من الشعراء والصحفيين تُهدى إليهم مجموعات زملائهم وأصدقائهم من الشعراء، فيبادرون للكتابة عنها لأحد سببين: إمّا الارتزاق والحصول على المكافآت المادية، وإمّا من باب رد الجميل، وفي الحالتين، يقرؤون من المجموعة أجزاء من هنا ومقاطع من هناك، قراءة سريعة، ثم يسجلون انطباعاتهم غير المعللة، وأمزجتهم الذاتية الفجة، وتداعياتهم العابرة، ويدفعون بما سجلوه إلى الصحيفة فإذا المحصلة مديح ومجاملة أو طعن ومماحكة.. المشهد الشعري والمشهد النقدي بائسان وقاتمان، لكنهما لا يدعوان إلى اليأس والتشاؤم بقَدْرِ ما يدعوان إلى تحمل المسؤولية والعمل الجاد وإعادة النظر في واقعنا الأدبي المتردي، والطموح إلى تخطيه بالثقافة العميقة التي تقوم على الهضم والتمثّل، لا على الاستظهار والاستعراض، نحن أحوج ما نكون إلى تواضع العلماء ورصانتهم، لا إلى تظاهر المدّعين ومباهاتهم. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |