|
||||||
| Updated: Wednesday, September 24, 2003 03:05 AM | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
خطاب العروبة في الشعر العربي ـــ د.خالد محيي الدين البرداعي بعد الخيبات المتتالية والارتكاسات السياسية المتعاقبة وحالات الإحباط الدامية التي أصيب بها الجسم العربي على امتداد العقود المنصرمة. وما أفرزته من نتائج موجعة انعكست على التوجه القومي. وهيأت له من يشك في جدواه ويرتاب في استمرار وجوده. ولا نخفي خيبتنا إذا قلنا إن الفكر القومي العربي تضاءل وانحسر وأمسى ما يظهر منه يبدو على خجل واستحياء، سواء جاء في أوراق الكتاب أو على ألسنة المتحدثين. وغدونا -نحن أصحاب التوجه القومي الذين ارتبط وجودهم بهذا التوجه -لا نعثر على الكتاب الذي يرسخ هذا الحس وهذا التوجه إلا في القليل النادر. وأصبحنا نبحث لآئبين كالجياد الظمأى على ما يشبع نهمنا ويروي غلتنا من أعمال فكرية ذات حس قويم مشبع بالنبل والثقة. من إبداع أدبي أو دراسات فكرية. ترسخ الحس القومي وتجدد رؤية العربي إليه. كما تحرض الطاقات الإبداعية العربية لتستمر في العطاء. وتشاء الظروف أن نعثر على كتاب هائل في حجمه، غني في مادته، جذاب في سلاسة أسلوبه، اسمه: خطاب العروبة في الشعر العربي. وجاء في قرابة ألف صفحة في مجلدين اثنين. أما مبدع هذا العمل الضخم فهو الشاعر والوزير والمستشار الدكتور مانع سعيد العتيبة. وقبل أي حديث عن الكتاب. نرى ضرورة توضيح بديهة حول مانع هي إحساسه القومي وتوجهه العروبي الأصيل الذي عرفه الآخرون في شخصيته. سواء في شعره أو في أحاديثه أو في معالجته الاقتصادية لشؤون النفط، وكل هذا سابق لكتابه الذي نشير إليه. والذي يأتي كما نعلم متمماً لنزوعه العروبي الأصيل. لعل أهم ما في هذا الكتاب الذي جاء في عشرة فصول تحمل واحداً وأربعين بحثاً عدا المقدمة الضخمة والخاتمة الوافية. هو ابتعاده عن الدعائية والإعلامية المباشرة. واستغراقه المطلق في حالة الهمس الفكري والإقناع المنطقي وهذا عبر عن جذابيته. حيث أن قارئه لا يستطيع أن يغادره قبل قراءة صفحاته الألف. مما يرفعه إلى مرتبة الكتب النادرة. والأعمال الفكرية الرائدة التي تصلح لتركيبية العقل المعاصر المزود بشمولية الثقافة الحديثة والمعاصرة. ويرفع صاحبه الدكتور العتيبة إلى مرتبة المثقفين العالميين الذين زخرت عقولهم بشمولية التفكير وهدوء المعالجة وبعدها عن الانحياز المسبق للقضية التي تعالجها. * * * في مقدمة الكتاب الضخم يتحدث الدكتور مانع عن موقعه العروبي في الشعر والنثر والدراسات الاقتصادية. ليرى أن موضوع الهوية وتأكيد الانتماء القومي كان يلح عليه إلحاحاً منذ بدايات وعيه والتعبير عن هذا الوعي بالقوافي. ليرى فيما بعد أن الشعر هو الضمير الخفي الذي يحدد ويرسم ويرسخ الهوية للإنسان العربي. ومن هنا جاءته فكرة الكتاب الذي استعرض تنامي الحس القومي العروبي في الشعر عبر عصور هذا الشعر. وتأنق في تقسيم وتوزيع فصول الكتاب ومباحثه. ليجيء في مخطط يشهد له في إتقانه الأكاديمي الرصين. فالدكتور العتيبة يعول على إحساسه الفني ورهافته الشعرية في عرض هويته القومية من خلال الشعر فيرى أنه كان يكتشف في شعره عبر كل قراءة امتلاء هذا الشعر بجعل العروبة موضوعاً دلالياً أو لا. ثم يتجاوز هذا المفهوم ليجعل من مكوناته الفنية آليات خلق جمالي فكري لبناء الهوية العروبية. وترسيخها ترسيخاً يجعل من الأبنية الشعرية خطاباً صامتاً ينبئ بتجذر الهوية فيه. ويتفانى في تعميقها. وجاء فهمه العميق لتكوين شعريته وقدرتها على تجذير خطوط هويته إلى البحث في الشعر العربي كله عن تكوين الحس العروبي والتوجه القومي والبناء الإنساني في هذا الحس. ليبدأ بعد إعادته قراءة الشعر العربي كله في تأسيس مباحث الكتاب المتميز بنوعه ولغته وفكره وأسلوبه. وما أن نغوص بأول مباحث المؤلف حتى نجد أنفسنا بين يدي دراسة غاية في الدقة والعمق والرصانة. إلى كونها جديدة بلغتها ومصطلحاتها النقدية والقريبة من لغة الدارسين العرب المغاربة. وهذا ليس غريباً على الدكتور العتيبة. وهو الشاعر والمثقف والاقتصادي الكبير الذي توغل في عمق ثقافة أهلنا وأحبتنا المغاربة وفي المغرب كذلك أنهى هذه الدراسة الضخمة، ففي الجزء الأول من الكتاب تحدث عن الماهية الشعرية والتحقق اللغوي. وتعمق في فهم المكون الثقافي وكيف تبنى الإسلام خطب العروبة وأسماها عروبة التقوى. ليدرس فيما بعد نزوعات التخريب التي حاولت النيل من العروبة وتشويهها من الداخل والخارج. منتقلاً إلى الجهة الأخرى من الوجود الديني واللغوي وهي جهة المغرب والأندلس. وكيف انتصرت لعروبة الدين والتقوى. وحلل بوعي خارق التحديات التي واجهتها هذه العروبة في المشرق وفي المغرب الإسلاميين. ولم ينسَ الكاتب أن يضع أصابعه على النزوعات المعادية التي حاولت أن تفصل العروبة عن الدين لتضع العروبة في مواجهة الإسلام خلافاً لإيمانه المطلق بمواكبة الإسلام للعروبة وبتكوين العروبة تكويناً إسلامياً وأنه لا فصل بينهما. أما القسم الثاني من الدراسة الضخمة فقد أفرده العتيبة لعلاقة العروبة كمعطى حضاري وتاريخي ووجودي بمفهوم الشعر. ليخلص إلى بحث في علاقة مساحة عروبة اللغة بين البعد المعياري والبعد الشعري... ليأتي إلى البحث الأبعد والأعمق حول ثراء العروبة الشعرية وهي تجد نفسها عبر التتابع الإبداعي. وتعيد تشكيل آلياتها في مساحة الأنماط. وثراء تلك الأنماط عبر أشكالها وتنوعها في القصيدة والموشح وتجدد أنماط الشعرية في الزجل والموالي والشعر الملحون الذي عرفه المغرب. والشعر الشعبي المعروف بالنبطي في أقطار الخليج والجزيرة العربية. ولم ينس دراسة العلاقة بين القصيدة المكونة باللغة الأم الفصحى وتلك الأشكال المكتوبة بالعامية. ودرس عمق ورسوخ البعد العروبي في الشعر النبطي بالخليج والشعر الحساني بالمغرب. بعد أن تحدث عن تطور التجربة أو التجارب الشعرية في الأنماط الحديثة أهمها شعر التفعيلة. وينهض إلى القسم الثالث والأهم والأقرب إلى همومنا المعاصرة وهو المتخصص بالهموم العروبية. فقد تعرض لهم الدفاع عن الحس القومي العربي. ثم همِّ زحف العجمة والاستعجام على العروبة. ليأتي إلى تحليل حقائق الحروب الصليبية وآثارها في المشرق والمغرب العربيين. وتخلص من هذا الهم إلى همِّ الاحتلال بصورتيه الاستعماري والاستيطاني. ويأتي آخر أبحاث المؤلف رصداً نقدياً وفكرياً لهموم الحضارة والثقافة العروبيين. مع التصور للموقع الحضاري العروبي. ثم مناقشة الهمّ الذي نعيشه الآن والمتمثل في قضية التراث والمعاصرة عبر الذات والاستلاب. ومدى وخطر انعكاسات التيارات الأدبية الأصيل والوافد منها على الإبداع الشعري العربي. * * * * * تمكن الدكتور العتيبة من جذبنا إليه عبر فصول الكتاب. وبالتالي إقناعنا بطروحاته. ذات الجاذبية والتشويق. اللذين يفضيان إلى الإقناع. لنرى أنفسنا أمام كشف نقدي ممتع وربما جديد على ثقافتنا لنشهد بتفرده وخصوصيته. واعتباره إحدى الضرورات الفنية والفكرية التي تشكل إضافة نوعية إلى ثقافتنا النقدية. فهو يرى بعد هذه الرحلة المطولة في تاريخ الشعر العربي والممتدة على مساحة ستة عشر قرناً أن مفهوم العروبة وفاعليته في الشعر العربي لا يمكن له أن يتأتى إلا من خلال البحث عن نسيج العلاقات المتشعبة التي تربط مفاهيم العروبة بالتصورات النقدية الفكرية والتجليات الإبداعية الشعرية العميقة والظاهرة. ربطاً يجعل كل خيوط النسيج تنتهي إلى بؤرة مجمعة ومحفزة، وإلى حقيقة ثابتة يختزلها الحكم النقدي بإشارة دالة وواضحة هي أن لغة الضاد هي وسيلة شعرنا العربي الوحيدة التي تؤدي الدور الأعظم في تفعيل جماليات هذا الشعر وتخليده. مما يوصلنا إلى ترابط البنى والنسيج بين العروبة والشعر. ككيان متماسك لا خلخلة فيه ولا فجوات. إن مثل هذه اللغة النقدية المتفردة تدفعنا لاعتبار هذا المؤلف جديداً مبتكراً على مكتبتنا النقدية رغم سعتها وقد انبنت على أبحاث هذا الكتاب الهائل نتائج تفرح العروبيين وتشد أزرهم وتحفزهم لتأكيد إيمانهم بالهوية العربية أولاً، وتدفعهم إلى المزيد من العطاء ثانياً. لتظل النزعة العربية موقدة تمدنا بالطاقة والدفء بقدر ما نمدها بالإيمان والثقة وبقدر ما نرتبط مصيرياً بها. والكتاب هذا عرفنا كيف اشتركت الهوية العروبية مع مجموعة من المعطيات الثقافية والاجتماعية والحضارية عامة إنساناً وبيئة وتراكماً تراثياً. لينصهر ذلك كله في خصوصية معينة انبنت عليها نتائج جعلت العروبة تفصح عن نفسها على امتداد التاريخ الطويل للأمة. كما أطلعنا هذا الكتاب على حالة رصد لمظاهر الصمود الإبداعي الذي واجهت به العروبة جملة من التحديات والمحبطات والمثبطات الثقافية المتعاقبة والمتعاكسة في مختلف الأحقاب التاريخية. وأثبت الكتاب -مجدداً أو من خلال الاستشهادات الشعرية وتحليلها- أن الشعر كان عبر التاريخ منهلاً للمتعة الفنية واللذة السامية التي أشار إليها أدغار آلن بو في حديثه عن فلسفة الجمال الفني. وإضافة إلى المتعة التي تحسسها العربي عبر تاريخ الشعر. كان الشعر كذلك وسيلة أخلاقية مسؤولة عن تصحيح القيم وعن ترسيخها بعد رسم ملامحها وتحديد نظرة الإنسان العربي إليها وإلى نفسه من خلالها. وقد تكون القيم التي جاء الشعر ليرسخها تثبّت الإيمان والتوحيد. وتجعل من التوحيد صرحاً يقاوم التحديات. وهذا ما عشناه دراسة ووعياً في معارك العرب المتواصلة مع أعدائهم القدامى والمعاصرين. وبفضل هذا الإيمان ظهروا ظافرين منتصرين ليعيدوا بناء ذاتهم من جديد. واستطاع الباحث الشاعر الدكتور العتيبة أن يدخل في عمق الطبيعة الشعرية العربية ليحلل مقوماتها ويضيء دواخلها بالتحليل الهادئ البعيد الغور. ويرى أن ظواهر العدوانية الأجنبية والغيرية المتسلحة بالثقافات التخريبية المعادية، لم تتمكن من خلخلة قوة الخطاب الشعري أو تضعف من قدرته على الصمود. وعندما تتغير الظروف كان الشعر يخرج مجدداً مستوعباً كافة التحديات. ويتعايش تعايشاً مسؤولاً في السلوك والفن أي أخلاقياً وجمالياً. ليظل كياناً صلباً مصوناً من كل ما كان يتهدده. وأثبت الكاتب قدرته الشعرية العربية على الاستمرار من خلال صموده أمام التحديات الحضارية الجديدة. والتي حملت إليه نسيجاً حضارياً مغايراً لبنائه القديم. لكن الشعر العربي استطاع أن يستوعب هذا النسيج الجديد ليبدو هو متطوراً متجدداً بما يملكه من استعداد ذاتي وقدرة هائلة على التطور. ليؤدي دوره الحضاري الذي أداه عبر أحقاب التاريخ. وبعد هذه الجولة النقدية الجادة والجديدة في عمق الشعرية العربية. وترسيخ الهوية العروبية من خلالها. وبعد جولة المؤلف البانورامية مع الشعراء العرب بدءاً من العصر الجاهلي وحتى العصر الحديث عبر تشعباته الثقافية والحضارية. وبعد استعراض لمئات التجارب الشعرية على مر العصور... بعد هذا كله لم ينس أن ينبه ويلفت الأنظار إلى انغماس بعض شعرائنا المعاصرين -بدون أي اسم- في الحداثة المكذوبة التي صممت أو وفدت إلينا لتخريب النموذج العروبي في الشعر الذي احتفظ بذاتيته وفرادنيته وخصوصيته. لأن هذا التخريب سيؤدي إلى قتل العروبة من خلال قتل أهم فاعل إبداعي منحته الحياة فمنحها هو الحياة بتبادل خلاق. لأن الخطاب الشعري هو الذي ظل يختزن وحده أسرار خلود الهوية على رغم تعدد وتنوع التحديات الثقافية والسياسية. وإذا جاز لنا أن نصف هذا الكتاب الهائل بكثير من الإيجاز بعد التحقق من طبيعته. نقول بوضوح لا مزيد عليه: إن هذا الكتاب المتفرد: خطاب العروبة في الشعر العربي. هو أطروحة نقدية عميقة الفكر تجاوزت ما سبقها من أطروحات مماثلة. اهتمت أولاً بتحديد النسقية التاريخية التي خضع لها التاريخ العربي في محاولة منها لتحديد الدلالة القومية. واهتمت ثانياً بتوضيح فكرة القومية الأدبية. ورصدها من خلال النصوص التي اختارتها للمبدعين العرب. قديماً وحديثاً. ومن جهة مقابلة وضعتنا هذه الأطروحة الهائلة في مواجهة واجباتنا الأدبية وكيف نستطيع إثبات ذاتنا القومية في عصر يسعى القيمون عليه إلى تذويب الهويات وتلاشي الخصوصيات الأدبية الإبداعية في خضم الدعوة إلى العولمة عن قصد أو عن غير قصد. * * * وإن ظل جانب في هذه الأطروحة لم نشر إليه. أقصد به وقفة المؤلف الثاقبة أمام بعض المؤلفات الناقدة والواعية حولها وجاءت هذه الوقفات النقدية في مستهل الكتاب على حوالي سبعين صفحة مثقلة ليس بالرأي النقدي وحسب، بل هي مثقلة بالفرادة الفكرية وبالتأمل العقلاني الذي يخدم النزعة العروبية للمؤلف. بدون أن ننسى أن الدكتور العتيبة وقف هذه الوقفات أمام المصادر والمراجع ذات العلاقة بقضية العروبة والهوية القومية. وهي التي اعتمدها أولاً في بسط آرائه وأفكاره قبل أن يدخل في مجال تحليل الشعر والمختارات التي اختارها. ومصادره ومراجعه كثيرة جداً وتغطي مساحة الزمن النقدي العربي كله. وكان له جملة من الملاحظات الهامة والعميقة عليها. ولكم نحن بحاجة إلى مثل هذه المؤلفات النقدية المثقلة بالفكر العروبي. لنستأنف مسيرتنا الإبداعية بثقة واعتداد. وسنحاول مستقبلاً أن نعقد ندوة علمية تتشكل من نخبة من شيوخ الأدب لنقد هذا الكتاب وبسط الآراء حوله. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |