جريدة اسبوعية تعنى بشؤون الأدب و الفكر و الفن - العدد 749 تاريخ 3/3/2001
Updated: Wednesday, September 24, 2003 03:05 AM
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

هل نحن كذلك؟! ـــ حسن حميد

لو قيض لعين رائية أن تبين لنا بالدلالة ما يحدث في المشهد الثقافي عربياً في هذه الآونة (وأعني بالآونة هنا برهة زمنية تقارب العقدين)، فإن ما سينتج لا أحسبه يبتعد كثيراً عما يلي:‏

أولاً: ثمة مناوشات نقدية تطال رجال النهضة في بدايات القرن العشرين المنصرم تعيد الحديث والكلام لوكاً، تقدم اسماً وتؤخر اسماً، تمتدح فلاناً، وتنعى فلاناً، وتقف بنا عند نقطة أساسية فحواها أن أفكاراً مثل: التقدم، والتطور، والوحدة، والعلمانية... الخ. ما زالت تراوح عند حدود تعريفاتها ليس إلا، وأن ما قدم عربياً في هذا الاتجاه لا يتناسب إطلاقاً والتطورات التي حدثت في المجتمع البشري عامة، لكن هذه المناوشات لا تشكل تشخيصاً شاملاً أو تقييماً لرجال النهضة وما قدموه.‏

ثانياً: انحسار دور النقد (على جميع أنواعه) وبهوت فعاليته ودوره في جميع مناحي الحياة الثقافية (والثقافية تعني هنا وجوه الحياة المرتبطة بالمبادئ والأفكار والنظريات كافة). وخفوت صوت النقد وتطامنه وسكوته حيناً، أو تواريه وانزياحاته نحو ميادين حياتية حيناً آخر سببه مشكلات عديدة ليس أقلها انفلات الوازع الأخلاقي الحريص على الإخلاص والسمو، والارتباط الحميم بالقيم النبيلة.‏

ثالثاً: ـ اشتعال الحروب الصغيرة في جميع أطراف الأجناس الأدبية، لا بل في مراكزها وبؤرها أيضاً. فالشعر، وهو رأس الفنون عربياً وإنسانياً، في حالة تقزيم مستمرة من قبل النقاد، والأدباء، والكتّاب، وأصحاب دور النشر، والقراء، .. والشعراء أنفسهم.. وفي داخل الحرب التي تجري ضد الشعر نلمح حروباً صغيرة أخرى حدودها تحزباتٌ (متطرفة بعض الشيء) واصطفافاتٌ تتمثل في جماعة قصيدة العمود، وجماعة قصيدة التفعيلة، وجماعة قصيدة النثر، والدفاعات والاستحكامات التي تُعدها وتبنيها كل جماعة على حدة.‏

وكذلك يفصح واقع الرواية العربية عن تناحرات بين جماعة الرواية الخاصة بالمتع والبساطة (روايات عبد القدوس على سبيل المثال لا الحصر)، والروايات التي تتناول الطبقات الاجتماعية تتبعاً لتطورها ودورها من جهة، أو لأفولها وانطفائها من جهة أخرى، ومن ثم الانتقادات العديدة التي توجّه للروايات التاريخية والتي في طالع التنكر للواقع وهمومه ومشكلاته وأحلام أهله ونزوعاتهم.‏

وفي مجال القصة القصيرة حروب خفية بين كتّاب القصة من جهة وكتاب القصة القصيرة جداً من جهة أخرى، وإن كان عود أصحاب القصة القصيرة جداً لم يتصلب بعد، وإن كانت نصوصهم ليست مقنعة في حدود ما هو مدرك ومعروف ومتاح بين أيدي القراء.‏

أما واقع المسرحية فهو كما يقول بعض نقادها بأنه لا توجد أزمة في مجال الكتابة المسرحية لأن الكتابة المسرحية غير موجودة أصلاً، وإن كانت لها بعض الظهورات فهي ظهورات حيية في أيامنا الراهنة، والسبب يعود إلى عدم وجود مسارح تشدُّ الناس إليها بما تُخرجه أو تقدمه لهم (وظروف المسارح والقائمين عليها صعبة وعديدة، وهي مُكبَّلة حقاً)...‏

رابعاً: وجود لوثة (غير إنسانية) تلفُّ المشهد الثقافي هدفها الأول: بخس الناس أشياءهم كأن ترى وتحس بأن لا هم للمشتغلين في الثقافة والأدب والفكر (بعدما انقسموا إلى فرق وتيارات، وانتظموا في اصطفافات وجماعات) إلا أن يتفّّه الأول الثاني، وأن ينعى الثاني الأول، وأن يوجد الطرفان معاً حالاً من الخراب والتدمير الثقافيين في جميع المرئيات الثقافية سواء أكانت إبداعاً أو فكراً، فالجميع لايغفلون عن حمل (ممحاة، ولو من الحجم الصغير) هدفها الامحاء، والإلغاء، والطيّ.. وبعدئذٍ..(أي بعد أن يسقط الطرفُ الأول الطرفَ الثاني أو العكس، أو بعد أن يحدث سقوط الجميع..) ما الذي يتبقى؟!..‏

للأسف، لا يتبقى سوى كلِّ ماهو وافد، وراطن، وأجنبي.. فيقوم الجميع بالترويج، والتصفيق، والتطبيل، والتزمير للأجنبي المترجَم، يتسابقون أفراداً، وجماعات، ودوراً للنشر، وصحافةً للاحتفاء بالمترجم وكأنه هابط للتو من (البانثيون) في جبل الأولمب، مغطس بماء الخلود، ومملوء بأنفاس القداسة، قدماه الريح، وأجنحته الغابات، وروحه.. الأثير!..‏

يا إلهي!..‏

بعد هذا، إلى أين نمضي؟!‏

ونحن ندمر مشاريع بعضنا بعضاً! ونقزّم الطويل لكي يصير على طولنا أو مقاسنا، ونشوّه الجميل تخديماً لنزعاتنا الشريرة. ومثل هذا يحدث بيننا، أما ماهو أفظع وأشد شراً فهو يحدث حين ينفرد أحدنا بكاتب أجنبي (مستشرق، أو صاحب دار نشر، أو مترجم)، حيث لا يبدو في الصورة أمام ناظري هذا الوافد سوانا، نحن.. ولا أحد غيرنا، بل لا نسمح أن يبدو أحدٌ في الصورة غيرنا، وإن سمحنا بظهور صور أخرى فهي صور لنا أيضاً بهيئات أخرى، ووجوه أخرى أيضاً.‏

لهذا فالمشهد الثقافي العربي يعاني من نقص في المحبة، والتربية على احترام جهد الآخر، وضرورة حضوره.. وكأننا لا نعي بأن الدنيا جهات وعوالم وخلق، والأنهار ضفاف، وألوان، ومساحات، وغزارة، والبيوت شبابيك، وأبواب، وسقوف، وحواكير.. أيضاً..‏

أجل، لابدّ من المحبة كدواء من جملة أدواء للخلاص من حالات مرضية صدَّرها الآخرون إلينا، أو أننا استنبتناها بفعل الأنانية المريضة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244