|
||||||
| Updated: Wednesday, September 24, 2003 03:05 AM | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
امتلاك ـــ أسامة آغي وانبسطت كفاه على جذع المدينة، أغلق عينيها وتهاطل نسيجاً من قتامة لا تدرك وفي حضنه ارتعشت غيوم سوداء أسقطت زغبها مداً من بلل ممتع، في وقت كنا نتنفس بتوجسٍ، أقدامنا تمتص بقايا الزمن الفاصل بيننا وبين الجدار الأخير، فخلفه تنتظرنا تركة ثمينة. همست جمانة: -هل ستمر العملية بسلام؟ -أتوقع ذلك. -ونصبح ثريين؟ -ربما! وتمتمت لنفسها: -ماذا تعني هذه ال ربما؟ ألن يكون بمقدورنا التخلص من عجزنا الدائم، لا فأنا أظن أن الليلة بدقائقها المتبقية ستنقلنا إلى عوالم أخرى. ونسمت هبة فرح في بدنها! سأنتصر على انكساري القديم سأدوسه بقدميّ أمرّغ جبهته بالتراب... والانكسار شاب اسمه سعيد يخرج من حوض العتمة يندس في مدخل الدار ثم يبدأ بالسؤال، هل نام الجميع يا جمانة: -بلى. -وهل كرزك البردان متلهف لحرارتي. -.... -أوه، دائماً خجولة يا قطتي... وتجد جمانة جسدها موزعاً بين أصابعه وشفتيه، لهاث جمري يحرق مراكب الحلم النائم في يم قلبها، اللهاث دعوة للانصهار في نار نائية، لكن قمراً من بنفسج تطوّحه زلزلة مجهولة يقودها من معصمها ويرميها في فم رماد بارد. وتعلن جمانة لقلبها: سننفي الرماد، نقتلع أظافره معاً، فالذي يفصلنا عن كوخ السعادة مجرد خطوات. وتهمس لمازن: -ألست بردان؟ فالمطر أغرق ثيابي. -لعله برد الخوف ما تشعرين. -لا فليس للخوف مكان ما دمنا مع بعضنا. -إذاً لنتابع طريقنا بهدوء. نعم بهدوء، أعادها على مسمع دمه، يجب أن ينتهي كل شيء بدون أي أثر فالعجالة تترك أثراً دليلاً وهذا ما لا يجب أن يقع ولكن أتراني أجد التركة الرائعة؟ ليتها موجودة في الصندوق. وفرك مازن يديه ومضى يحدث نفسه: هذه التركة ستجعلك رجلاً ذا وزن يا مازن فلن تحتاج إلى مساعدة ذويك بعد اليوم. ونهض وجه أبيه في ساحة رؤيته، هز الوجه طيفاً معلقاً في الذاكرة. -اسمع يا مازن، الجار قبل الدار، ولن أتسامح مع عبث كهذا. -لكننا نحب بعضنا وسنتزوج ذات يوم. وتقاذفته الصفعات، تأرجحت الدنيا في رأسه. سأتخلص الليلة من عبوديته، وتصبح جمانة زوجاً لي، واختلس النظرات إلى صفحة وجهها الحنطي، سوف نتمتع بكل ثانية تمر، وسوف تحبل جمانة وتنجب أطفالاً من طبع الضوء بل وسأنحني كل عام لذكرى جدتي التي تركت وراءها ثروة معقولة، فهي لابد أن تسامحني على ما سأفعله بعد قليل، فأنا أحق بتركتها من أولادها المتخمين -كان وجه الجدة الأبيض يعوم في ماء مقلتيه باسماً راضياً، إنها تتكلم والابتسام يعرّش على محيّاها: -أنت ولد طماع وملعون يا مازن. -طماع يا جدتي لأنني طلبت عشر ليرات. -عشر ليرات!... وماذا ستفعل بها. -سأشتري كتاباً جديداً. -ولكن المبلغ كبير..! -إذاً لن آخذ شيئاً البتة، بل ولن أزورك بعد الآن، وأتظاهر بالحرد. -مازن تعال يا صغير.. خذ. وتناولني القطعتين الورقيتين وأدسهما في جيبي بسرعة. -انتبه. لن أمنحك مثلها قبل مرور شهر... ولكن جدتي الآن في القبر، ربما حزينة من يدري، ماذا يحدث لها، ستزورها الملائكة بدون شك، يتقدم نحوها اثنان منهم، يطرحان عليها الأسئلة التالية. -هيا أخبرينا ما الذي فعلته بدنياك. -لم أفعل شيئاً لا يرضي الله، لقد أديت فروضي كلها، صليت وصمت ودفعت زكاة عن أموالي وصنت حرمة زوجي. ويقاطعها أحد الملاكين: -وماذا فعلت من أجل حفيدك مازن. -كنت أحبه وأعطيه مصروفه. -وهل كان المصروف كافياً. ستحك جدتي رأسها، تحاول أن تنكر المقدار. الذي كانت تقدمه لي، وحين تعجز عن الإجابة تبدأ بالبكاء والتوسل: ألا يكفي أنني كنت امرأة طاهرة وكريمة؟ ويبتسم مازن للأفكار التي تدور في رأسه تطوف عيناه على ملامح الجدة، فيتذكّر محيّاها الأبيض الهاديّ، عينيها السابحتين دوماً في حقل شموس، ثم يهمس لأعماقه: كانت جدة عظيمة لقد فعلت خيراً بموتها، حيث تركت ثروتها الطيبة، إنها لا تدري أن ما تركته سيوصلني إلى حقول جمانة الدافئة. واختلس مازن النظر إلى جمانة التي تحاذيه بصمت، والتي تعوم في مناخ أفكارها المتداخلة حيث تهمس لذاتها: -افرحي يا جمانة، فالقادم من الأيام جميل، لن يبرد جسدك بعد اليوم أبداً وتتخيل غمامة دافئة تلتهم كيانها المتوثب لالتقاط شمس بعيدة: -سأسعد هذا المازن الطيب، إنه يعشقني، وترى إليه خارجاً من بين أعشاب الظلمة مليئاً بفرحتين تنزان شفاهاً من فجر لجيني الجبين: -أعبدك يا جمانة وا.. -هذا كل شيء لديك! -لا ولكنها الكلمات تتملص من لساني. وتزرع حديقتيها المتفرستين في المدى النابض نوراً والمتفتح تواً في كل خلايا وجهه: -يا للولد الطيب كل ما فيه يرتعش حباً.. وكأن يداً ترفعها إلى الأعلى، تقذفها في حضن ريح، فتسيل الحروف إلى الدم لهيباً عذباً، يقول اللهيب لجمانة. ترتجف ضلوع الجبال، تمتشق السواقي دموعها ترشها على شعر مركب يمخر كهوف نجم تأسره ليالي مدلجات. تقول جمانة للهيب: -لست أصل. يقول اللهيب، ثانية: -ترابك لا تدفئه إلا البراكين. وتصيخ جمانة السمع، حركة مافي صحن الدار وتهمس بخوف مازن، أسرع، لعله أبي... ويفاجئها أبوها، تطأطئ هامتها: -ماذا تفعلين هنا في مثل هذا الوقت المتأخر. -لا.. لا شيء، كنت أتفقد صنبور البرميل، ظننت أنني لم. -هيا اذهبي للنوم والصباح رباح... ويردد مصطفى، تكذب عليّ، تقول صنبور البرميل، تخالني أبلها، لا يا مصطفى يجب أن تعاين الأمر جيداً، فأولادك ما عادوا أطفالاً، فجمانة صبية لها نهدا امرأة ناضجة. أيعقل أن تكون عائشة؟ استغفر الله يا رجل، فابنتك لا تملك من العمر إلاّ ثمانية عشر عاماً، أعوذ بالله من هذه الليلة ومن هذا الوسواس. ويقتربان من السور، يتفحصان الشارع بدقة، كان الظلام فماً شهق كلّ مرئي بينما المطر يمرغ وجهه وأصابعه على جدران المنازل وأسطحها. ويهمس مازن: -جمانة لقد وصلنا، اقتربي، ما بك ترتجفين؟ -إنه البرد والبلل فثيابي اكتنزت ماء كثيراً. -سنشعر بالدفء داخل البيت، هيا اقتربي، سأرفعك أولاً. وجثا على الأرض، وامتطت جمانة كتفيه، دفء وفير سكب قناديله على الجلد وأرعش غابات نائمة منذ دهر عتيق. -يا رب كم هي دافئة. وصرخ عليه صوت نابت في الرأس: ارفعها بسرعة، انهض بها، فالوقت الآن ليس للتلذذ. وقفزا بحذر إلى فناء الدار، كان الليل يمضغ بأسنانه الفحمية الأشياء كلها، وفي أعماق الجسدين طارت وطاويط فزعة. دخلا الحجرة المقصودة، أضاء مازن شمعة كان حملها في جيبه، اندلق الضوء الفاتر على الحيطان وعلى موجودات المكان. كثرت الوطاويط ومضت ترف أجنحتها بجنون، من الرفيف هلت مواكب فرسان ملثمي الوجوه بأيديهم رماح مشرعة، إنهم يقتربون، بينما مازن يتفحص الغرفة جيداً، إنه يشاهد صورة جده: -جمانة، تطلّعي، إنها صورة جدي ألا يبدو جليلاً. -إنه يشبهك، بل أنت تشبهه، لكما نفس العينين والأنف والجبين. -أعتقد أنه كان رجلاً عظيماً، فجدتي كانت لا تتحدث إلا عنه. -أكانت تعشقه؟ -لا أعلم، ربما كانت تحترمه وتخاف منه، ولكن هيا بنا إلى الصندوق، يجب أن نفتحه بسرعة. وبعد معالجة قليلة كان الصندوق ينفتح أمامها عن حوائج متنوعة وكثيرة، وبدأت أيديهما تلقي المتاع أرضاً، فتتناثر الأثواب والأمشاط وأشياء أخرى. -مازن انظر إنها كتب عتيقة أوراقها مصفرة. -إنها لجدي وجدتي كانا يقرأان فيها. وبان الصندوق الصغير أخيراً، ابتعد الفرسان ذو الرماح المشرعة، وأحس مازن أن الدنيا تكتسي بهجة، فرفع باصرته إلى جمانة، كان خداها يعجان بالأحمر المغموس بالفرح الضاحك وتعانقا، ولأول مرة تكتشف شفتا مازن السماء اللذيذة لشفتي جمانة وتفيض نار في أنحائه. ودون أن يعرفا كيف أو لماذا حدث الأمر، افترشا الأرض وجمانة ظنت أنها تتمدد على عشب غض وفير، إنها عارية وتستحم بالصهيل المتأجج لخيول مازن الجامحة. -منذ اللحظة ستصيرين امرأتي. واندغما في موج متلاحق آت من لججٍ كانت قبل حين غافية، الموج يصفع الوجنات والجسدين الممتدين مع بعض، ينمل النهدين ويوزع الصور، الصور تجتاح مخيلة جمانة، يجيء ليل عاري النجوم، ينسل وجهاً لرجلٍ يدعى سعيد، يداه ترفعان الفستان عالياً تمزقان راية صغيرة ملونة. -لا يا سعيد أرجوك... لا... -لحظات.. فقط لحظات.. وتحس جمانة بتمزق قمر جدولها الرقراق، القمر يبكي دماً، بينما ثيران هائجة ترفس أسفل بطنها. -مازن -أنا.. دعني... وتعصرها الزلزلات العاتية والقادمة من جحور عميقة، يتصدع وجه في أفق الرأس، ومازن يطارد غزالته، ينادي عليها، إنها تخرج من رحم الضباب إليه تشعل بوطء قوائمها ترابه البارد أبداً، فترغو لحظة المطاردة على قامتها زبداً شهياً، وتؤوب طيور تفتح نوافذ فضاء رغيد إلى أعشاشها هادئة وادعة، ويرتفع مازن عن جمانة بعد أن يضفر جسدها بالقبل، ينظر من جديد إلى صورة الجد المعلقة على الجدار، ويردد بخوف. الصورة تهتز.. تتحرك.. وجدي.. ليس معقولاً أن يخرج من إطارها... جمانة تطلعي إليه: إنه يرجع حياً، ينزلق من إطاره وفتح باب الغرفة بوجههما، وولجت الجدة بوجه صارم قاسٍ: -تسرقانني -ولكنك ميتة، قال مازن، وهذا الصندوق حق لنا... -ميته!. وقهقهت الجدة. كانت القهقهة سكيناً تقطع لحم أمنهما وهجم مازن على الجدة وكان يصرخ... -أنت ميتة وستبقين ميتة. وقبل أن تطلق صرخة واحدة، كانت يداه تخنقانها، بينما اربد وجهه واحمر. وخرجا من الدار مسرعين راكضين، وافترقا... ولما دخل مازن دار أهله، كانت الأسرة لا تزال تحف بجسد الجدة المحتضرة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |