جريدة اسبوعية تعنى بشؤون الأدب و الفكر و الفن - العدد 749 تاريخ 3/3/2001
Updated: Wednesday, September 24, 2003 03:05 AM
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

قيود الروح ـــ د.عفاف البطاينة

التقت عيناها بعينيه أول مرة وسط حشد من الناس يتبارون بمعرفتهم وألقابهم وأبحاثهم. كان يجلس إلى جوار أربعة من المتحدثين وراء طاولة طويلة، ولكنه شذ عن الجمع، كادوا يختفون وراء الطاولة فلا تري منهم إلا قمم رؤوسهم. كلهم يحملون الألقاب الرنانة، ويخنقون أنفاسهم في صدورهم بربطات العنق المشدودة، يحتضنون الميكروفون كما لو إنه شجرة الخلود، ويستعبدون المقاعد كأنها عرش سليمان ينتظر من يرثه. أما هو فقد جلس على طرف الطاولة حتى انكشف أمام الجمهور بقميصه البسيط وأوراقه البيضاء وأخذ ينتظر. كنت قد مللت الخطابات المكررة، والجمل السقيمة، فانزلقت قليلاً فوق مقعدي أنتظر فرج النهاية.‏

جاء صوت تقليدي وقدمه بكلمات نسمعها كثيراً ويرددها رؤساء الجلسات كثيراً، لم أتحرك ونظرت إليه، جالساً غير آبه بما يقال، وجهه أسمر غائب في فضاء بعيد. أصلحت قوامي قليلاً حين بدأ بالحديث، صوته هادئ، كلماته غير مسروقة، يحدثنا عن رحلته وموهبته بتواضع ومحبة، يداه تتحركان راقصة على أنغام الحروف.‏

اعتدلت فوق المقعد وأصغيت إذ غادرني الملل. كلما تكلم ازداد وقع الحروف في قلبي، نسيت الناس من حولي وأخذت أتقصد رؤية عينيه وهو يتحدث، ولكني لم أر عينيه، رأيت غيوم حزن نصبت فوق وجهه، وسمعت قيثارة شجية تملأ المكان بحزنها، وصار الحزن أجمل أغنية سمعتها في مهرجان الفوضى ذلك. صرت كتلة أحاسيس تتصل معه، تسمعه، تجيبه، تحسه، إلى أن استفقت على صخب الأيدي المصفقة. نظرت حولي مندهشة، فأدركت أن ما قاله قد بلغ النهاية بالنسبة لهم، ولكنني ما سمعت إلا مطلع قصيدة مازلت أنتظر بقيتها!!‏

وختمت الجلسة وتحرك البشر، وبقيت مكاني كأنني مازلت أعيش حلماً، وجاءني صوت أحد المشاركين فاضطررت للقفز إلى ساحة الواقع، وانخرطت مع الآخرين في أحاديث لم تنسيني عذوبة القيثارة الحزينة، أخذت أبحث عنه لكن العينين الحزينتين غابتا عن المكان، فحاولت نسيان ذلك الفصل والاستمتاع بما يدور حولي.‏

جلست ليلاً بعد أن انصرف الجميع من حولي أستعيد الحروف، الكلمات، النظرات، ووجدتني أعود إلى طفولة تناسيتها، وشباب دفنته، وقناعة ضلت طريقها في عالم العقل والمستعقلين. عدت أبحث عن نفسي في فلك هي فيه غريبة، ووجدت روحي تنزف، تبكي، تقاوم الجسور الحسية التي قيدتها داخل حدود الجسد. نظرت إلى وجهي في المرآة فرأيت أمة ساجدة أمام سوط سيدها، وأحسست بصوت يتحشرج في صدري طالباً حرية البوح، منحته حريته، ورحت أسمعه، ألمسه، أنظر له، أتذوقه، أشمه، إلى أن صار الصوت أنا وتلبسني، وبعيداً عن جسدي الذي كرهته حينها حملني، حرستني الطمأنينة لكنها لم تطل، ووجدتني أركض نحو الهاتف لأجيب عليه. كنت كمن استيقظت لتوها من كابوس مروع، لا أميز بين الحلم والحقيقة، أنفاسي تتراكض. وحين التقطت سماعة الهاتف جاءني صوت يعتذر، وضعت السماعة مكانها وخائفة ذهبت للنوم.‏

تكررت أحداث اليوم السابق من خطابات وكلمات ولكن العينين الحزينتين لم تظهرا، وبينما نحن مجتمعون أمام الفندق استعداداً للذهاب إلى وجبة العشاء، سمعت الصوت الحزين، التفت نحوه ورأيت تلك العينين. دعاني أحد الزملاء للانضمام إلى مجموعتهم، فلم أجد متسعاً من الوقت لأقترب منهما، وأملت نفسي بأن ألتقيهما حول مائدة العشاء. وخاب ظني إذ اجتمعت النساء المدعوات حول طاولة واحدة منعزلة، واجتمع الرجال حول بقية الطاولات. لم أظفر برؤية وجهه أو حتى بسماع صوته ومر المساء الكئيب.‏

حين انطلق الجمع خارج الصالة، جاءني صوت ممازح ضاحك، وقدم لي مجموعة من كتبه، وقبل أن أمد يدي لتناولها دعوته إلى فنجان قهوة، فالقصيدة التي أسمعني إياها لم تكتمل بعد، وببراءة الأطفال مد يده أمامي معلناً قبول الدعوة وسرنا بعيداً عن البقية دون استئذان. وصلنا إلى الفندق حيث كنت أقضي أيام زيارتي، وجلسنا في صالة الاستقبال متقابلين، كان للصمت نصيب أعظم من نصيب الكلام، وفي كل حركة من عينيه كنت أجمع بقية خيوط القصيدة غير المكتملة. كأنني أعرفه منذ زمن بعيد، وكأننا التقينا في عالم غير هذا العالم وزمن غير هذا الزمن، وشعرت بابتسامته المصطنعة تختفي، ووجهه الحزين يتكشف أمامي. لعل ابتسامتي المعهودة ووجهي الضاحك اختفيا أيضاً. وبدأ البشر بالتجمع، وصار الصمت عذاباً يشقق وجهينا، والكلام حبل مشنقة يلتف حول عنقينا، وشعرت بأعين الحاضرين تراقبني. أنني المرأة الوحيدة بينهم الآن يحظى باهتمامي المخبأ واحد فقط لا يشبههم في ملابسهم ولا ألقابهم. حين اجتمعوا من حولنا شعرت بأنهم ليسوا رجالاً وإنما ذكور، أعرفهم جيداً، تطرب أعينهم حين ترى جسداً أنثوياً، وتخرج من مآقيها حين تقع على جرأة أنثوية يحبونها لكنهم يخافونها، وحين وجدوني أجلس وقد جلس ذكر عن يميني وآخر عن شمالي عرفت أنهم يتساءلون عن طهارتي، وصارت الأعين المتعطشة لشيء يطيح بي تراقبني، تتصيد حركات أصابعي ونظرات عيني. اقترب مني، وهامساً سألني:‏

-ما رأيك بالخروج للنزهة؟‏

لم أجبه، نهضت معه وغادرنا المكان الكئيب. أخذنا نتحدث حديث الأرض للسماء صامتين، وصلت بنا السيارة إلى مقهى فوق قمة جبل، جلسنا، وكان المكان شبه فارغ، فأراحنا من العيون المراقبة. وبادرني بالسؤال:‏

-هل التقينا من قبل، أشعر بأنني أعرفك منذ سنوات؟‏

-لعلنا التقينا في عالم الأرواح قبل أن نصير بشر!!‏

سكتنا إذا التقت العين بالعين، وتبادل الحزن بيته، غاب الكلام عن لسانينا وباتت الحروف جثثا ميتة، وللحظات اكتفينا بحديث الندى لأوراق الشجر، ثم سألته:‏

-منذ رأيتك وأنا أتساءل عن سر الحزن في عينيك!!‏

-قبل يومين كنت تتحدثين فوق تلك المنصة، الابتسامة لا تفارق وجهك ولكن الحزن يسكنك، وسألت نفسي من يا ترى تكون هذه المرأة؟!‏

-أنا غريبة في عالم غريب، سجينة في وطني، ليس لي تاريخ أذكره وليس لي فرح أعرفه، أصارع هذا العالم المجنون وأحلم بيوم أجد فيه شيئاً يخصني يسمعني وعيناه تلتهمان وجهي، يتذوق ماء نبعي كأنه يعرفه، حدق بي، قال لي:‏

-قلت لك إننا التقينا من قبل، فالغريب يعرف الغريب حين يلقاه، والجريح يدرك ألم الجريح دون أن يسأله!‏

ورحنا نتحدث عن ألمنا، كان الحزن يومها قهوتنا نحتسيها من فنجان واحد بفم واحد وطعم واحد، وبدت لي القصيدة مقطوعات متناثرة، مبعثرة، بحاجة لشاعر يلملمها.‏

كان الليل يزداد قسوة، والهواء تكبر برودته، وضممت نفسي حين اقشعر بدني، كاد يخلع عنه معطفه، لكن العيون اختارت منعطفاً آخر، قربنا المقاعد من بعضها ومدت اليد لليد فنامتا في حضن الليل الساكن، كانت اليد تلمس غرف القلب المغلقة، وتفتش فيه عن زواياه المظلمة فتنيرها، وشرش الشوق في أرض الروح والجسد، فأفلتا من قيودها، رميت برأسي فوق كتفه، وتلقتني يداه، تطلبني. كان البرد شديداً. نهضنا والروح في داخلنا تطلب ندها، واتجهنا إلى جوف غيمة في مسير ندي خفيف العيون.‏

خلعت الروح قشورها، وانكشف حجاب السماء، واستمعنا لدعوة حنون شفافة، هجرت الجسد وارتفعت إلى مكان ليس له حدود ولا أوصاف ولا أسماء ولا خرائط. نحلق بأجنحة إلهية فوق البشر، ونحتسي خمرة العودة إلى حيث التقينا أول مرة، نعيماً متجدداً، غبطة تلفنا، خفة كادت تبدننا، وصارت الروح واحدة، وبات الصفاء فيضاناً يغمر كل شيء، روحه مشرقة بالفرح، وابتسامته دم يسري في الكون، أرى نفسي لأول مرة حقيقة. وبيننا أكملنا قصيدة الحياة.‏

ما كان لرحلة الروح أن تكتمل، وبدأ التعب يصيب أبداننا البشرية فطلبت العودة، وقرصنا البرد إذ ابتعدت اليد عن اليد، وفارقت الروح روحها حين افترقنا عند باب الفندق حيث العيون ما زالت تنتظر والأفواه ما زالت تمضغ الكلام، وانصرف كل في طريق.‏

في الصباح التالي كنت أستعد للعودة من حيث أتيت، أعدت ملابسي إلى حقيبتي، وجمعت أشيائي، وتوجهت إلى صالة الاستقبال لأسلم المفاتيح، وجدته جالساً وقد عاوده الحزن، وبعد أن انتهيت خرجنا في طريقنا إلى المطار، وجاءت اللحظة التي تمنيت أن يتوقف الزمان قبل وصولها، لحظة الوداع، الحزن يناديني ويناديه، والألم يتسرب إلى وجهينا، ضمننا بقايانا وتبادلنا آخر كلمات الروح، وافترقنا.‏

تسعة أشهر مرت، تحدثنا فيها كثيراً عبر سماعة الهاتف، أسمع صوته غريباً شريداً، تصلني كلماته جوفاء عقيمة، أنتظر لقاء الحزن في عينيه، وظننته يزورني اليوم، يوم ميلادي، ليحملني بعيداً إلى حيث اللا حدود واللا مسافات، انتظرت أن يكلمني دون أن تكون الآذان هذه المرة رقيباً علينا، أن يتصل دون أن ينكرني، وغابت ساعات النهار ولم يأتني، وتوسط القمر السماء وما زال بعيداً. بحثت عن نفسي لحظتها فأنكرتني، وبحثت عن روحي فنفرت مني، سألت عن تاريخي فلم أجده، وأخذ العقل يتحكم بي، يوجهني، يأمرني، بحثت عن أضواء ساطعة تبدد ظلمة نفسي وأنرت بها غرفتي، وأخرجت شموعي وتوجتها أعلاماً فوق كعكة عيد ميلادي، وأدرت أسطوانة الموسيقى ورقصت مع الحاضرين، وأطفأت الشموع، وفتحت الهدايا، وانتصبت الورود في زوايا الغرفة، واحتفل الجميع بعيد ميلادي، وقررت بحكمة العقل أن أعيش مع البشر.‏

عاد الحزن يخيم فوق أجفاني، وبحثت عن عيني فلم أر منهما إلا قناعاً كاذباً، الروح بداخلي مقيدة. أقمت على حالي أربعة أيام رحت بعدها أبحث عن سكينتي، عن سعادتي المفقودة، أدرت رقمه وجاءني صوته ضعيفاً، وجاءت معه الطمأنينة والسكينة، صمتنا قليلاً وتحدثنا قليلاً، التقت الروح بالروح للحظة، ثم ودعته وغفرت لنفسي. حين ابتعد صوته كرهت الجسد الذي يحبسني كالسور يقف بيننا!!‏

أستعيد رحلة الروح.. خبز القصيدة.. وأنتظر انكسار قيود مرة أخرى!!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244