جريدة اسبوعية تعنى بشؤون الأدب و الفكر و الفن - العدد 749 تاريخ 3/3/2001
Updated: Wednesday, September 24, 2003 03:06 AM
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

صوت المغني، صوت الإنسان ـــ علي شبيب- العراق

(إلى من أعادوا اكتشاف الحجارة المقاتلة، وبها يجابهون رصاص القتلة)‏

في سُلَّمِ الأنغامِ أغنيةٌ، إذا هبطَ المساءْ؛‏

غنَّيتُها للمُتعبينَ وللحزانى، واعتصرتُ الروحَ فاغتسلوا بأمطارِ الغناءْ‏

أنا صوتُ مَنْ لا صوتَ في الدُنيا لَهُمْ، وأنا الضياءْ‏

سأهبُّ في الظلماءِ، أفضحُها، وأقترحُ النهارَ على السماءْ‏

طُوبى لِمَنْ أكلوا ثِماري‏

طوبى لمن شَرِبوا عصيرَ الحُبِّ مِنْ شَفتيَّ واحترقوا بناري‏

طوبى لهمْ، أنا بذرةُ الصمتِ الخبيئةِ في دمِ المُتحصَّنينَ بصمتهمْ‏

وأنا النداءْ‏

ينمو، فتقطفهُ، الحناجرُ، مثلما العنقودِ، مِنْ عِنَبِ الكلامْ‏

أنا سيّدُ الكلماتِ، كوكبُها تكوَّرَ في دمي‏

وأضَأتُهُ قمراً ليَسطعَ في الضَبابْ‏

مِليونُ عامٍ مرَّ قبلَ ولادتي..‏

كانتْ سماءُ الله قاحلةً، تمزقُها الرياحُ،‏

وأرضهُ في الغَمْرِ مُظلِمةً يَبابْ‏

حتى وُلِدْتُ، فسالتِ الأنهارُ من كفيَّ وارتفعَ الغَمامْ.‏

اللهُ بالأسرارِ عمَّدني وحمَّلني الخَيارْ‏

قال: ابتدأ! أومأتُ للوديانِ فاختضَّ الثرى، شجراً تكلِّلُهُ الثِمارْ‏

وتناسلتْ في الريحِ أسرابُ اليمامْ‏

فَجلستُ كالقمرِ المتوَّجِ في بلاطِ الليلِ،‏

تحْرِسُني النجومُ ويحتمي بِدَمي السحابْ‏

***‏

الأرضُ لم تكُنِ الأميرةَ، لم تَكُنْ لولايَ إلا عاقرٌ؛‏

والعرشُ يهرمُ في أقاليمِ الظلامْ‏

الأرضُ جاريتي، أنا حصَّنتُها، فاستبدلتْ طقساً بطقسٍ آخرٍ، أبهى‏

وأطلقتِ الغزالةَ في الهِضابْ‏

لاحقتُها؛ عينايَ في بريَّةٍ أُخرى، وقلبي في يَديْ،‏

انتَبَهَتْ إلى ظلي الجميلِ، فراودتهُ، وقادني ظلي إلى جبلِ الغيابْ‏

***‏

الأرضُ مملكتي، لتَزدَحِمَ المخالبُ حولها‏

فأنا الذي للفَجر يبتكرُ الشُّعاعْ‏

وأنا الذي سَيُشيِّدُ الآفاقَ من حَجَرٍ، على مرأىً مِنَ الذئبِ المُخاتلِ والضِّباعْ‏

وأنا وحوائي سنقتسمُ المشقّةَ باقتسامِ الحُبِّ؛‏

إنَّ مدينةً تدنو وتبعدُ من يَديَّ، مدينتي‏

سأعيرُها حجَراً، وأصطادُ الغزالةَ بالرسومْ‏

وعلى جدار الليلِ أذبحُها وأخترعُ الصلاةْ‏

مُتوضِّئاً بدَمِ الذبيحةِ، خِنجري الصَّوَّانُ والعظمُ الرميمْ‏

الموتُ صارَ البدءَ، وانفتحتْ لِقُرباني الحياةْ‏

***‏

في رَبْوتي نهرُ الفُراتِ يزورني‏

أَحصيتُ أيامي بأمواجِ الفُراتْ‏

وَكما الحَصى في قاعهِ؛‏

وجلستُ أنتظرُ السفائِنَ والرياحَ المُقبلهْ‏

لا شيءَ يشبهُني، أنا كلُ الذينَ ترجَّلوا من صهوةِ الأرضِ اندحاراً،‏

والذينَ سيعتلونَ الأرضَ، حتى آخرِ الزمنِ الذي لا حَدَّ لهُ‏

وأنا جوابُ اللُّغزِ، تِنِّينُ الخُرافةِ لم تُطِقْ شَفتاهُ سِرِّي؛‏

والذينَ توهَّموا هُزِموا على أسوارِ طيبةَ،‏

وانتصرتُ؛‏

أنا جميعُ الأسئِلَهْ‏

وسُلالةُ الأسماءِ في شَفةِ السماءْ‏

كلُ الملائكةِ انحنوا لمهابتي، وأنا أمرّ بِهمْ على فرسِ الضياءْ‏

***‏

يوماً من الأبدِ البعيدِ، أتيتُ أبحثُ في أقاليم الحضورِ عن الأبدْ‏

كنتُ الملاكَ مُصفَّداً، فخلعتُ أجنحتي لأصطحبَ الجَسدْ‏

حتى إذا اكتملَ الرحيلُ وجدتُ آمالي تشيخُ ولم أجِدْ؛‏

بَلداً يحلُّ المُعضِلَهْ‏

فقدَتْ صلاتيَ سحرَها‏

وخَلتْ حياتيَ فانطفأتُ كشُعلةٍ، والوهجُ فارقَ جمرَها‏

واستحكمتْ حولي أفاعي السلسلهْ‏

لا غيرَها‍ هيَ كلُ ما يبقى لديَّ من الخَيارِ، ولا خيارَ معَ الحياةِ،‏

سوى الحياةْ‏

سأعيدُ ترتيبَ الرغائبِ في دمي‏

وأردُّ أحلامي إلى ضَفَةٍ، لأُبحرَ من هُناكْ‏

ما عدتُ حُرّاً مُذْ رغِبتُ، ولم أكُنْ حجراً؛‏

رأيتُ على سفوحِ الغيمِ زهرة حكمتي الأولى،‏

فدجَّنتُ الأيائلَ والشجرْ‏

لا غالبٌ لولاي، تشهدُ لي يدايَ،‏

وأنتَ يا وطني، ويا مولايَ تسمعُني يداكْ‏

وأنا فتاكَ، أنا الذي شيّدتُ مَعْرِفةً وكلَّمتُ الحجرْ‏

وأنا الذي حرَّرتُ أسماكَ البحيرةِ من قُيودِ الماءِ، حينَ عَشِقتُها،‏

وحرثتُ أمواجَ البُحيرةِ بالشباكْ.‏

لا شيءَ يُشبهني؛ أنا الإنسانُ، تتبعُني الغصونُ إذا مَشيتُ،‏

ويستجيبُ لصوتِ أحلامي المطرْ.‏

النورُ والظلماءُ في قلبي فبعضُ سُلالتي ريحٌ يُخرِّبُ ما بنيتُ،‏

وبعضُهم تنمو إذا صعدَ الصليبَ عليهِ أجنحةُ الملاكْ‏

شهرَ الظلامُ عليَّ سيفَ خطيئتي‏

فانسلَّ في الظلماتِ ثُعبانُ الغُزاةْ‏

وَسَطا عليَّ بغَفلةٍ من طيبتي.‏

لا سُمَّ يقتلُني، صحوتُ‏

وإنْ أكُنْ أعطيتُ مَنْ لا يستحقُّ، فما نَضَبْتُ؛‏

ففي يَديْ قدَريْ! وهذي حكمتي، دوَّنتُها بِدَمِ الغُزاةِ، على التُّرابْ‏

***‏

سأعيدُ ترتيبَ الحياةْ‏

عَبَّارتي في اليَمِّ كالحيتانِ خافقةَ الشراعْ‏

الوَعْلُ والدُّوريُّ أشياعي وأتباعي، وفيها ينعمونَ برفقتي‏

ويزاحمونَ على موائدها الحمامةَ والغُرابْ‏

رُبّاننا كُنْ، قالَ قائلُهمْ، فكنتُ‏

وجمعتُهمْ حولي وقلتُ:‏

كونوا أدِلاَّئي،‏

فكانوا مثلما أهوى، وقد فَهِموا العِباره!‏

وتوثَّبوا قبلي إلى مُدُنٍ أرى أبراجَها خلفَ السَّرابْ‏

تنمو كما في الغابِ ينبثقُ النباتْ‏

غرقى وملاَّحونَ في أعماقِها يتموَّجونَ بلا قلوعْ‏

ووراءَ بابٍ، لا رجاءَ لداخلٍ منهُ، إذا يوماً تطلَّعَ للرجوعْ‏

يتهشَّمونَ ويُلفَظونَ لساحلٍ يكتظُّ بالغرقى وبالموتى العُراةْ‏

ضيَّعتُ فيها حِكمتي، حين احتميتُ بحكمةِ الملكِ المعبَّأِ بالضبابْ‏

هُوَ ما رأى! عبثاً وقبضَ الريحِ،‏

أمَّا ما رأيتُ: فكلَّ شيءٍ أهملتهُ الأعينُ العمياءُ،‏

تحتَ الشمسِ، لكني نَسِيتْ‏

لَمَّا شُغِلتُ بما جفونُ الرغبةِ الهوجاءِ، لم تلْمَسْهُ، عمَّا قد رَأيتْ‏

ورَضِيتُ من كنزِ الحقيقةِ بالترابْ‏

***‏

اللَّوزُ يدعوني إليهِ، وبيننا سورٌ مِنَ الخَشخاشِ، محروسٌ‏

وأجسادٌ مجفَّفةٌ على حبلِ الغسيلْ‏

سأُضاعِفُ الأحلامَ في روحي لأختصرَ الرحيلَ إلى الرحيلْ‏

وسأستقيلُ مِنَ الجنونِ لأرتدي ثوبَ الجنونِ المستحيلْ‏

أعماقُ روحي في الدُجى يحتلُّها العصرُ المدجَّجُ بالـ(حضاره)‏

هي حِجتي! لا منقذٌ غيري يهبُّ لنجدتي، وسوى الحِجاره‏

وبها سأحلُمُ مرةً أُخْرى،‏

ليبتَدئَ التحوُّلُ عن ثباتِ المُلْكِ في الأوثانِ‏

والكلماتِ في الكُهَّانِ؛‏

لا صيفٌ يهبُّ، ولا ربيعٌ يستَتِبُّ،‏

إلى النهايةِ، أيَّهذا الربُّ،‏

لا فوقي ولكنْ فوقَ أعدائي لِتنهدِمَ الفصولْ.‏

***‏

من أينَ تبتدئُ الحياةْ؟‏

لا دورَ للموتى الذينَ استرسلوا في نشوةِ الموتِ القديمْ‏

أنا كلُ منْ غابوا، ومنْ يأتونَ، حتى آخرِ الزمنِ، المغيَّبِ في السديمْ‏

مِنْ أينَ تبتدئُ الحياةْ؟‏

قَدحٌ مِنَ الليمونِ في المقهى شَربتُ، لأستعيدَ الذاكرهْ!‏

فوجدتُها محشوَّةً بروائحِ اللوزِ المُجفَّفِ، والمدائنَ شاغرَهْ‏

مِنْ أينَ تبتدئُ الحياةْ؟‏

أُنثايَ من حَجر تكوَّرَ في يديَّ، وحِكمتي أنْ أستعيدَ النارَ من أُنثى الحجارةِ،‏

أنْ أواصلَ حكمتي تحتَ الرمادْ‏

وأعيدَ ترتيبَ البلادْ‏

والآنَ تبتدئُ الحياةُ، فلا حياةَ بِلا بلادْ‏

وأعيدُ ترتيبَ الأجنَّةِ للحياةِ، وللجهادِ أهيّءُ الحجرَ المقاتلَ في البلادْ‏

وسأحذفُ الطُلقاءَ والفُرقاءَ والمتسلقينَ على دمي العربيِّ،‏

من تقويمِ أحلامي وأكتشفُ الحَجرْ‏

لأقوّضَ الموتَ، الذي اخترعوا لهُ الموتى، على مَنْ شيّدوهُ‏

وأصطفي من بين أطفالي البُناة‏

لا شيءَ يقهرُني، أنا كلُّ الذينَ توارثوا كنزَ الحياةْ‏

أنا كلُّ مَنْ قُتِلُوا، ومَنْ رحَلوا، ومَنْ حَمَلوا على أكتافهِم حجرَ القَدرْ‏

***‏

البحرُ نافذتي الكبيرة والحديقةُ جارتي‏

صفٌّ مِنَ الغِزلانِ يرعى شُرفتي العُليا، وتحرسُني النجومْ‏

أنا مَنْ يُشيّدُ فوقَ هذي الأرضِ جنَّتَهُ، ويُوقِدُ في مدائنها الجحيمْ‏

في حوزتي الدُّنيا، وتشهدُ لي يدايَ،‏

وما عَدايَ كما الرذاذُ تطايروا من فكرتي‏

لا شيءَ يغلبُني، أنا المستوحدُ الباقي، ويندحرُ الظلامْ‏

حتى الظلامُ، وأنْ تمدَّدَ أو تلبَّدَ فوقَ مِئْذَنتي وفوقي،‏

أو توحَّدَ بالرياحْ‏

لي جمرةٌ، وستكتوي حتى الرياحُ بجمرتي‏

ستدورُ حولي أو تشاكسُني إذا اقتربَ الصباحْ‏

والمُجهَدونَ استيقظوا بعدَ البنفسجِ‏

أو أعاروا الديكَ نافذةً ليصحوَ قبلَ أن يصحوا النيامْ‏

لا ريحَ تطفئُ جمرتي حتى الحِمامْ‏

فأنا وموتي قادِمانِ، أنا القيامةُ؛ بانتظارِ قيامتي،‏

الفقراءُ يبنونَ الحياةْ‏

ويباركونَ كما أباركُها الحياةْ.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244