|
||||||
| Updated: Wednesday, September 24, 2003 03:06 AM | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
النهضة والاستبداد دراسة اجتماعية تاريخية د. عبد الله حنّا ـــ اسكندر نعمة لئن كان موضوع الاستبداد ومقارعته، يشكّل الأمر الأكثر أهمية عبر العصور والأحقاب التاريخية، ولئن كان الباحثون منذ نشوء المجتمعات البشرية حتى اليوم، قد اتخذوا من هذه الإشكالية الفكريّة والاجتماعية مدارَ أبحاثهم الأكثر عمقاً وسعةً، فإن الباحث الدكتور عبد الله حنا في كتابه "النهضة والاستبداد" الصادر في دمشق يتخذ من الفترة الزمنية المسمّاة بعصر النهضة العربية وعاءً تاريخياً يناقش فيه هذه الظاهرة الهامة التي رافقت التاريخ خطوة خطوة... "النهضة والاستبداد" بحثٌ مكثّف معمّق يدرس ظاهرة الاستبداد والقمع والجمود والتخلف في الفترة الممتدة منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين.. تلك الفترة الخصبة الغنيّة بالأحداث في البلدان العربية، والتي عُرفت باسم فترة عصر النهضة.. يطرح الكاتبُ لنا دراسته موزعة إلى مقدمة وسبعة عشر فصلاً على مدى مائة وثلاثين صفحة، الأمر الذي يدل على مدى التركيز والتكثيف اللذين أحاطا بالدراسة حتى غدت جزءاً من عملية التوثيق الدقيق التي اعتمدها الباحث في دراسته هذه.. وينهي الكاتب بحثه بثبتٍ بالمراجع والمصادر، مع بعض الهوامش التي اقتضتها طبيعة العمل... *** في المقدمة يوضح الباحث د. عبد الله حنا، أنه قصر دراسته التاريخية والاجتماعية.. على فترة عصر النهضة التي بدأت تحبو نحو الظهور منذ العقد الأول من القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، وقد برز في هذه الفترة تياران رئيسان هما: التيار الديني المستنير والذي يطلق عليه المؤلف اسم: التيار السلفي النهضوي.. والتيار الليبرالي العلماني.. وعلى الرغم من اختلاف الجذور الاجتماعية والفكرية للتيارين، فقد اتفقا على محاربة الاستبداد بمختلف أشكاله وتوجهاته: "اتصفت سلفية عصر النهضة بالتسامح وسعة الصدر والانفتاح على تيارات الحضارة العالمية، واحترام الرأي الآخر، وخاصة رأي التيار العلماني والدخول معه في حوار ومجال فكري، اختلفت درجة حرارته من فترة إلى أخرى". تُعد صفحات الكتاب الممتدّة من الفصل الأول وحتى نهاية الفصل الثامن أغنى مراحل الكتاب من حيث عمق الموضوعات المطروحة والتي أبرزت مقولات عصر النهضة في مواجهة سياط الاستبداد والظلم والتخلف.. لقد كانت أوروبا سبّاقة إلى شق طريق النهضة الثقافية والعلمية والأدبية والفنية، وقد بلغت ذروة النهضة في القرن السادس عشر الميلادي. إن أواصر هذه النهضة قد ارتبطت بانتصار البورجوازية على النظام الإقطاعي القائم على الجمود والتخلّف. بينما ظل العالم العربي أو الشرقي مرتدياً عباءَة الجمود والسكون الاجتماعي والفكري قروناً طويلة حتى بزغت شمسُ القرن التاسع عشر.. ولعل مردَّ ذلك يعود إلى عوامل رئيسة منها: *-التأثيرات الخارجية بشكليها السلبي والإيجابي. *-التأثيرات الاقتصادية التي واكبت مراحل التفجّر النهضوي، ولعبت دوراً حاسماً في دفع أو تحجيم العاملين السابقين. وهكذا.. يمكننا أن نقدّم عصر النهضة من خلال مفهومين واضحين: *-يُراد بالنهضة هبّة الناطقين بالضاد في سورية ولبنان ومصر والعراق وبقية الأقطار العربية ويقظتهم لتحصيل المعارف والعلوم وإحياء التراث وتثقيف العقول وإنارة الأفكار، وقد عبّرت عن هذا المفهوم مجلّة المجمع العلمي العربي الصادرة في دمشق عام 1924. *-النهضة تعني مجمل علاقات التحرر والانطلاق من الجمود والانغلاق، واحتلال العقلانية المقام الأول في التفكير بعيداً عن الظلامية السائدة في عصور مضت. على أن التخلّف السائد في أرجاء الوطن العربي وبلاد الشرق عامة لهو ظاهرة كبيرة لها أسبابها الكثيرة والتي يمكن إرجاعها إلى سببين أساسيّين: *-السبب الخارجي.. المتعلّق بالغزوات الخارجية على مراكز الحضارات العربية والإسلامية مثل غزوات المغول، وتدمير هولاكو لبغداد، وغزوات الفرنجة، ثم التسلّط العثماني.. وقد التف حول هذا الرأي تيارات دينيّة وقوميّة وفكرية شتّى. *-العوامل الداخلية المتمثلّة بالظلم والاستبداد والجمود العقلي والفكري، والبعد عن العلمانية، وانقطاع الصّلات مع المجتمعات الأوروبية.. ويمثّل هذا الرأي باحثون كبار من أنصار الاتجاه الديني المستنير من أمثال الشيخ محمد رشيد رضا وشكيب أرسلان ومحمد كرد علي ومصطفى الغلاييني الذي كتب: "من أسباب تخلّف الشرق، جمودُ كثيرٍ من العلماء ووقوفهم سداً منيعاً أمام الأمة المندفعة نحو التقدم، وكذلك الرؤساء وظلم الحكام واضطهادهم من يريد النهوض بالأمة".. ومهما يكن من أمر، فإن الأسباب الداخلية المتمثلة بالاضطهاد ونهب الثروات والمصادرة وزهق الأرواح واغتصاب الحريات والكرامات، تشكّل العامل الرئيس في تأخّر بعث النهضة وكبح جماح التحوّل نحو مجتمع حضاري متقدّم.. وقد عبّر عن هذه الحالة كثير من الكتّاب والباحثين مثل ابن إياس والمقريزي وابن تغري بردى والجبرتي وابن جمعة والبديري.. وقد وصف الشيخ محمد بهجت البيطار ذلك الواقع بقوله: "كان عصر جمود على القديم، وتلقّي الأقوال بالتسليم، من دون تمحيص للسقيم من الصحيح"... ويؤكد القساطلي، أنه في مثل هذا الجو: "تقلُّ بضاعة المعارف لرواج بضاعة السيوف والعصيّ". إن ظاهرة الاستبداد التي تشكل لحمة وسدى الأسباب الداخلية اللاّجمة لعملية التطور.. تتخذ مظهرين اثنين: -الاستبداد السياسي، الذي يقوم على نظامٍ يستقلُّ فيه فردٌ أو قلّة من الأفراد بالسلطة، دون الخضوع لسيادة القانون. *-استبداد التقاليد.. الذي هو نزعة ترمي إلى الحفاظ على مخلّفات وعادات وتقاليد الماضي والاعتداد بما خلّفه الأقدمون، دون تمحيص أو دراية حيث يجري الاعتراض على كثير من دعوات الإصلاح ومنهجيّة التطور الحضاري المعاصر. وهكذا فإن كبار مفكري مرحلة عصر النهضة، طالتهم يد العسف والاستبداد بشقّيه.. فقد تعرض الكواكبي وخير الدين التونسي وأحمد الضيّاف وأديب اسحق وغيرهم كثيرون، لأبشع أنواع القمع والاضطهاد.. لذلك لم يستطع عصر النهضة أن يبلغ ذروته ومداه ليصل إلى ما وصلت إليه أوروبا قبل حوالي ثلاثة قرون من تاريخ البشرية... لقد أطلق المفكر محمد روحي الخالدي قوله: "الاستبداد منبع الشرور وسبب التأخر والانحطاط. فالإسلام أول شريعة اعترضت على الاستبداد وقاومته، وقد ورث الحكام المسلمون الاستبداد عن أكاسرة الفرس وقياصرة الروم ونماردة بابل وفراعنة مصر وعن جنكيز خان وتيمور لنك.. فالاستبداد إذن ظاهرة أسيوية وليست إسلامية".. إن ذلك يقودنا للسؤال التالي: هل الاستبداد كظاهرة اجتماعية سبب أم نتيجة؟؟.. لا شك أن الاستبداد ظاهرة موجودة في كل مكان يوجد فيه استغلال واستثمار... ومما لا شك فيه أن ممارسة الاستبداد بشكل متصاعد تزرع بذور حركات مناوئة وأفكاراً نهضويةٍ إصلاحية معارضة.. وهكذا فقد تجلى الصراع في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين بين تيارين برزا بشكل جليّ: *-تيار الجمود الذي تبنته السلطة، ممثلاً برأس الهرم.. ويقوم على إرساء دور العلاقات الإقطاعية وبثّ الغفلة والجهل في النفوس واستغلال الدين وبعض الطرق الصوفيّة. *-التيار النهضوي المتمثّل بتيار التجديد الإسلامي الذي يستند إلى تعاليم الأفغاني وتلميذه محمد عبده، الداعيين إلى الجامعة الإسلامية والتجديد المدني والديني لاستنهاض همم الشعوب الرازحة تحت نير السلطة العثمانية والظلم والجهل وضيق الأفق.. إن استمرارية هذا الصراع، وتمكّن السلطة وأنصار التيار الأول من استغلال العامة وكسبهم، جعل المشروع النهضوي عاجزاً عن تحقيق ثمراته، بل آيلاً إلى الفشل. وهذا بدوره يعود من حيث المبدأ إلى عاملين رئيسين: *-سيطرة العلاقات الاقتصادية الاجتماعية المرتبطة بطبيعة النظام الشرقي الإقطاعي، والتي عرقلت الانتقال من العمل اليدوي إلى الثورة الصناعية. *-الاستبداد بشكليه السلطوي والتقاليدي، الناجم عن مركزية الدولة لترسيخ دعائم الاستغلال والاضطهاد. إذ سرعان ما يتحول الاستبداد من نتيجة إلى سبب أساسي لتكريس التخلف والجمود الفكري وقهر العامة في المدينة والريف، الأمر الذي دفع كثيراً من أقطاب الحركة النهضوية إلى الهروب من بلاد الشام إلى مصر تقية وتجنّباً للبطش والإرهاب. وقد عبّر عن ذلك صلاح الدين القاسمي بقوله: "اضطر كثير من العلماء بسبب ممارسة الضغط الفكري والإرهاب عليهم إلى اتخاذ التقيّة شعاراً في أغلب الأحايين.. ولكم كتم العلماء ما يجول في خاطرهم من الحقائق العلمية، وشرَّد آخرون إلى بلاد نائية". هذه المواقف النهضوية، وما رافقها من مظاهر الاستبداد.. اقتضت ظهور عدد من الأعلام النهضوية الشامية التي قارعت سيف الاستبداد بقلمها ومواقفها.. فمن "حلقة المجتهدين".. إلى الشيخ طاهر الجزائري الذي حمل همَّ التوفيق بين العلم والدين.. وكذلك الشيخ عبد الحميد الزهراوي في مواقفه الجريئة ضد الاستبداد والجهل والخرافة، ورسائله في الفقه والأصول والتصوّف، الأمر الذي أدّى به أخيراً إلى حبل المشنقة.. أما عبد الرحمن الكواكبي، فقد كان ذا ثقافة دينية وعصرية، وقد ألّف كتابيه "طبائع الاستبداد" و "أم القرى". وقد أحدث كتابه الأول ضجّة فكرية وعلمية، وأثّر في نفوس العامة والعلماء معاً.. وكذلك الشيخ رفيق العظم الذي وضعته أفكاره في مواجهة السلطة مما اضطره إلى الهروب إلى مصر حيث أقام صلاتٍ فكريةً واجتماعية مع الشيخ محمد عبده وقاسم أمين وحسن عاصم. وأسّس مع محمد رشيد رضا جمعية "الشورى العثمانية" وألف كتاب "أشهر مشاهير الإسلام" و "الجامعة الإسلامية وأوروبا".. ومن مشاهير أولئك الأعلام الشيخ محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار: "لا خوف على الحق إلا من الاستبداد، فالحق لا يوجد إلا حيث توجد الحريّة، وتظهر مواهب الناس في الأقوال والأعمال".. أما مصطفى الغلاييني صاحب كتاب "الإسلام روح المدينة" ومجلة "النبراس" فقد لوحق واعتقل وصودر كتابه وأحرق.. وأخيراً -على سبيل الانتقاء لا الحصر- المفكر والمؤرخ محمد كرد علي، صاحب جريدة المقتبس، والذي هرب من دمشق إلى القاهرة ملاحقاً أكثر من مرّة.. وقد تبنّت المقتبس نشر روح الحرية وشرحَ مفاهيم الدستور، وحاربت الألقاب التعظيمية، وكان هدفها الدائم يتمثل في أن الحريةَ لا تتحقق بزوال مُضطهدِها، بل لا بدَّ لها من كفاح مرير لنشر مفهومها وروحها بين جماهير العامة... خلاصة الأمر، أن المفاهيم النهضوية، حمل عبأها وعبّر عنها تياران هامان هما: -التيار العلماني الليبرالي.. الذي كان من أكثر الفئات الاجتماعية معارضة للاستبداد والجهل والتخلف، وكان على صلة وثيقة بمفاهيم الحضارة الصناعية والفكرية الأوروبية، يمثل هذا التيار أدباء ومفكرون كبار من أمثال فرنسيس مرّاش، الذي مزج في كتاباته بين الشعر والفلسفة والأدب وذلك في كتابيه: "غابة الحق" و "مشهد من الأحوال". إلا أن أبرز مفكري وكتّاب هذا الاتجاه، الدكتور شبلي شميّل، وهو شخصية علمية سياسية اجتماعية، نزحت من الشام إلى مصر.. وقد كتب شميّل رسالة مفتوحة للسلطان عبد الحميد بعنوان "شكوى وأمل" وألف كتابين هامين جداً هما: "شرح بخنر على كتاب داروين" وكتاب "فلسفة النشوء والارتقاء"... ومن أقطاب هذا الاتجاه، الكاتب المعروف فرح أنطون، الذي هاجر من لبنان إلى الاسكندرية، وأصدر فيها مجلة "الجامعة"، وأصدر روايته المشهورة "الدين والعلم والمال" وكتاب "ابن رشد وفلسفته". *-التيار الديني المستنير "السلفي النهضوي".. وأهم أقطابه الشيخ محمد رشيد رضا صاحب مجلة "المنار"، والشيخ جمال القاسمي، والشيخ عبد الرزاق البيطار وقد كان رجال هذا التيار حرباً على الاستبداد من جهة وعلى أقطاب الجمود والتحجّر "القوى الخشويّة الجامدة". وأهم ما في الأمر أنَّ علاقاتٍ فكريةً وأدبيةً حميمة قامت بين التيارين المشار إليهما "الديني- العلماني" إذ أنه على الرغم من اختلاف الجذور، فإن تحالفاً جاداً، برز بينهما حيث تبنَّى كل تيار الدفاعَ عن مواقف الآخر ورجاله... ذلك أن ما يجمعهما هو مقارعة الاستبداد، والعمل على بزوغ شمس الحضارة والتقدم والحرية والعلم. ختاماً لا بد من الإشارة إلى أن كتابَ "النهضة والاستبداد" يُعد بحثاً مكثفاً لأشكال الاستبداد وأشكال معارضته في مرحلة عصر النهضة العربية الممتدة من منتصف القرن التاسع عشر حتى ما قبل منتصف القرن العشرين.. فالاستبداد يتمثل في إطارين اثنين هما: الاستبداد السلطوي واستبداد التقاليد.. أما أشكال معارضته فقد كانت متعددة الأطر والاتجاهات، وإن كان التياران الرئيسان فيها هما: التيار الديني النهضوي والتيار العلماني الليبرالي.. اللذين عملا بتأثير دوافع عديدة، فجّرت مواقف المعارضة.. هذه الدوافع يمكن أعادتها إلى ثلاثة: *-التأثيرات التراثيّة ذات الجوانب التحريضيّة المضيئة. *-التأثيرات الخارجية المتمثّلة بتأثيرات الفكر الأوروبي البورجوازي بإطاريه: الإيجابي الداعي إلى التحرر والانطلاق والانعتاق.. والسلبي المتمثل بالفكر الاستعماري الغازي المحتل... *-التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية التي لعبت دوراً فعّالاً في اتجاهين متناقضين.. إمّا السير بالمشروع النهضوي نحو أهدافه الإيجابية المنشودة أو تحجيمه ومحاصرته بأمواج الجهل والتخلّف والجمود.. هذا هو كتاب "النهضة والاستبداد" من تأليف الباحث الدكتور عبد الله حنا، قدّمناه من خلال هذه الدراسة المختصرة عرضاً وتعليقاً وتوضيحاً وإبرازاً لأهم جوانبه الفكرية والتأريخية والاجتماعية... ومهما يكن من أمر، فإن الكتاب يبقى عملاً أدبياً وبحثاً اجتماعياً تاريخياً قيّماً جداً، يجدر بكل دارس وراغب في المعرفة أن يطّلع عليه قراءة متأنيّة، ودراسة مستفيضة... |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |