جريدة اسبوعية تعنى بشؤون الأدب و الفكر و الفن - العدد 749 تاريخ 3/3/2001
Updated: Wednesday, September 24, 2003 03:06 AM
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

ليلة مثلجة للكاتب البلغاري أنجل كاراليتشف ـــ ترجمة ميخائيل عيد

لم يكونوا أطفالاً أذكياء، لهذا صنعوا رجلاً غير كامل من الثلج، بدلاً من الأنف غرزوا له قرناً من الفليفلة الحمراء، فراح يلهث مثل كلب الصيد، وضعوا على رأسه قبعة قديمة مبعوجة كي يتهوى دماغه، صنعوا له شاربين طويلين من صوف نسلوه من وسادة عتيقة مبقورة البطن. تهدل شارباه إلى الأسفل، وحين ذهب الأطفال ليبحثوا عن عينين رفع الرجل الثلجي يمناه وراح يفتلهما، صفق الصغار بأياديهم فرحين، دخلوا البيت وبعد قليل جلبوا كرتين صغيرتين من زجاجتي ليموناده مكسورتين ووضعوهما تحت جبينه على رأسه الأبيض ذي الشاربين، على الفور أبصر الرجل الثلجي. نظر حوله وتنهد:‏

-آخ، ما أجمل العالم!‏

جلب له الأطفال كل شيء. ألبسوه عِدلاً ممزقاً، لكنهم نسوا أن يحضروا له قلباً. كانوا أطفالاً لا يعرفون أنه كي تكون إنساناً يجب أن يكون لك قلب.‏

من الدار المجاورة ركض كلب موظف المدرسة. هولا يُحبُ الناس الجدد فاندفع وواجه الرجل الثلجي متحفزاً. نظر الرجل الأبيض، غير مبال، إلى الحيوان المحتدم، ولم يعره اهتماماً، وحين عضت أسنان الكلب طرف العدل انفجر، حرك يديه. انحنى وأخذ الرفش الذي جرف به الأطفال الثلج، وطرد الكلب. تبعثر الصغار خائفين محمري الوجنات، مثل طيور انقض عليها مفترس. ركضوا إلى البيوت الدافئة وشكوا لأمهاتهم. طوى الكلب ذيله، وعوى وانحشر في الصندوق الذي يرمي فيه صاحبه الكناسة، وهناك سكن. عاد الرجل الثلجي إلى مكانه. لبس ساكناً مثل خفير يقف حارساً لكنز ما، غمر الظلام الحوش الأبيض والبيوت المطمورة. ارتعشت أضواء. الأشجار تشبه عرائس الحكايات. هبت ريح باردة. اهتزت الأغصان ونثرت غباراً ثلجياً هشاً.‏

جاءت من العتمة عصفورة إلى الرجل الثلجي، ارتعشت في الثلج. رفعت نحوه عينيها وخاطبته:‏

-أوهن البرد جناحيَّ. انفصلت عن السرب وضيعت الطريق. عصفت فوق السهل المقفر عاصفة ثلجية، وزعقت زعيقاً قبيحاً أغصان الأشجار السود. بمكنسة جليدية من الأغصان المهشمة كنست العاصفة سربنا. تخلفت، ضيعت أولادي. لم أستطع الوصول إلى تلك الأرض، حيث تنبثق الآن براعم ندية، وتصخب الجداول صافية، بين المروج الخضر وتنحني السنابل في الحقول المصفرّة. أعطني دفئاً إذا لم أضع رأسي على قلبك ولم أسمع نبضات دمك الإنساني فسوف أختنق.‏

قال الرجل الثلجي متأثراً:‏

-تعالي، ادخلي في عبي، اقبعي قرب قلبي!‏

بذلت العصفورة الموهنة قواها الأخيرة، ارتفعت إلى الأعلى واندست تحت العدل، مرتجفة أكثر إذ تسللت إلى الصدر الثلجي، في تلك اللحظة اختفت كل عذابات روحها العصافيرية. ارتعش جناحاها المتجمدان ثم سكنا. انفصلت أظافرها الصغيرة عن صدر الرجل الثلجي وسقطت ميتة على قدمي حاميها.‏

نظر إليها الرجل الثلجي وفكر عميقاً وغمغم- أعنتها جيداً!‏

وجاء ثانية كلب موظف المدرسة متحفزاً، عض العصفورة سريعاً واختفى في العتمة.‏

غرق الرجل الثلجي في أفكار غامضة فمشى نحو الباب. خرج. لاقته الريح وخطفت عدله عن كتفيه.‏

-لا أريد أن أمشي عارياً والجميع يرتدون ثياباً دافئة!‏

صاح الرجل الثلجي وطارد الريح. لحق بها وراء الأشجار، في حديقة لا بشر فيها، حيث توجد غزالة من الحديد تحفر الثلج بخطمها باحثة عن العشب الأخضر. علقت الريح الخجلى العدل المسروق على غصن وهربت بعيداً. تنفس الرجل الثلجي وأنزل ثوبه عن الغصن الجاف، وضعه على كتفيه ومشى على غير هدى. سار وسار، غاص في كومة من الثلج وكاد يعلق، حين دق جرس ساعة المدينة اثنتي عشرة دقة كان الرجل الثلجي خارج المدينة. كانت الريح قد كنست بمكنستها العملاقة الغيوم كلها وسطع القمر مثل زهرة عباد الشمس. رآه أول مرة هذا الرجل الأبيض فامتلأت عيناه دهشة، من هو هذا المتسكع السماوي الهادئ؟‏

صاح أحد من ورائه:‏

-ستقع قبعتك، هيه، يا صديقي!‏

ارتجف الرجل الثلجي والتفت. رأى كائناً غريباً على رجل واحدة مبسوط اليدين. وجهه مصنوع من قرعة فارغة، وعيناه مرسومتان، من غير مهارة، بالحبر.‏

سأله الرجل الثلجي:‏

-من أنت؟‏

-أنا الفزاعة في هذا الكرم.‏

-من تخيفين؟‏

-الطيور التي تنقر حبات عنب سيدي - صاحب الكرم الكبير.‏

-ما حاجة سيدك هذا إلى حبات العنب.‏

-ليملأ البرميل نبيذاً.‏

-نبيذ؟ أليس لدى سيدك ماء نقي بارد؟‏

-يفرح قلبه بالنبيذ.‏

تراقصت ابتسامة تحت شاربي رجل الثلج الاصطناعيين.‏

-ماذا، القلب؟ أنت تمازحينني، فهل لسيدك قلب وهو منذ زمان طويل يأكل خبز قريبه ويبدل حياته بحجارة، وسهام، وحراب، وبلطات، ودبابيس حرب، وسم، ورصاصات، وناسفات، وقنابل، ونار، وحبل؟ أرى أنك يا صديقتي، عبدة لسيد قاسٍ. تقفين على رجل واحدة كواحد من مشوهي حرب ما منسية، وتحرسين كرمه فلا تنقر منه عصفورة عاثرة الحظ ميتة. رأسك مصنوع من قرعة فارغة، لهذا لست أهلاً لأن ترفعي راية الحرية، لكن، اطلبي على الأقل، أن يزيدوا معاشك التقاعدي!‏

هزت الفزاعة رأسها حزينة:‏

-أنا لا أتلقى معاشاً تقاعدياً.‏

-لماذا لا تتلقين؟ يذهلني هذا الظلم. يجب أن تتلقي. ماذا تنتظرين؟ اجمعي رفاقك كلهم، أسسوا ((جمعية فزاعات البساتين وسواها)) انتخبوا ممثلاً لكم، خمسة أشخاص يحضرون دائماً وثلاثة أعضاء مندوبين بأجور شهرية. لاحقوا الحكومة. الحكومة ملزمة، يا فتاتي، أجبروها على أن تنفض كيس الطحين! الشعب الفقير سيدفع كل شيء! هاتي الآن معطفك، فأنا أخجل من حمل هذا العدل على ظهري. النصيحة التي أعطيتها لك تساوي معطفاً.‏

-لكن هذا المعطف ليس لي! إنه الميراث الوحيد لسيدي من والده الشيخ.‏

-ستنالين خمسة آلاف معاشاً تقاعدياً. ستشترين معطفاً من الفراء. لا أستطيع أن أراك في هذا المعطف الممزق. اخلعيه!‏

-سأصرخ مستنجدة! أنت لص!‏

صرخت الفزاعة لكنه أسكتها براحة يده.‏

توعدته الفزاعة العارية:‏

-هيه، سأحشرك في السجن!‏

-وداعاً، يا ايفانشو!‏

قالها الرجل الثلجي محركاً أصابعه واستدار نحو المدينة.‏

عند مفترق طرق قرب عمود كهرباء تقف فتاة عمياء، نور المصباح يذهب شعر الفتاة المشعث، لقد أخفت يدها اليسرى تحت شالها العتيق المنسوج، وبيمناها تشد على باقة من الأزهار الصناعية. علقت بأهدابها ندفات ثلج ممتلئات. عيناها لا وجود لهما. مغلقتان منذ زمن بعيد عن نور الحياة. على وجنتيها تلمع دموع متجمدة.‏

أنزل الرجل الثلجي قبعته وانحنى.‏

عرفت الفتاة أن رجلاً يقف أمامها، هي لا تراه لكنها تشعر بوجوده. تحركت شفتاها بخوف:‏

-اشتر زهرة يا سيدي!‏

نظر الرجل الثلجي إليها بإعجاب. كل شيء رائع في هذه المرأة: شعرها الذي جعله الثلج أشقر، الكتفان اللذان يذهبهما النور، الأهداب الطويلة السوداء، الدموع المنحدرة من عينيها الميتتين...‏

قال:‏

-أنت جميلة جداً!‏

ارتعشت الفتاة وابتسمت بمرارة:‏

-مثل جنية هرمة.‏

سألها الرجل بسذاجة:‏

-أين عيناك؟‏

أحنت الفتاة رأسها. ظل أزرق، مثل حزن عميق غطى وجهها. ضغطت يمناها على الأزهار الجافة. تنهدت. في تنهدها شوق مشتعل إلى ذلك العالم السحري الذي يصخب حول الناس، لكنهم لا يرونه، عرف الرجل الثلجي أن الفتاة عمياء.‏

فكر:‏

-الذين صنعوني وضعوا لي كرتين لا قيمة لهما أرى بهما.‏

وكي يعرف ما هو الظلام وضع راحة يده على عينيه. حل الظلام أمامه وانقطعت الحكاية. اقترب من الفتاة المتجمدة مد يده وبدأ يداعب رأسها مترفقاً.‏

همست الفتاة العمياء:‏

-لا أعرف من أنت..‏

-سأقول لكِ. أنا رجل ولدت من الثلوج التي تسقط مثل رحمة على الأرض الموحلة. أنا وليد خفة التفكير، وملزم بأن أخبرك بأنني لست إنساناً.‏

صرخت المرأة العمياء:‏

-ما دمت قد هبطت من السماء - فأنت حقاً إنسان غير عادي - لقد انتظرتك طوال حياتي. وأخيراً أتيت. عرفت أنك ستأتي. ستكون ضيفي الليلة. عندي غرفة صغيرة. هناك، عند النافورة، تتفتح الآن زهرتي الحية. هي منذورة لك. هل ستأتي لتقطفها؟‏

ابتسم الرجل الثلجي:‏

-لماذا لا آتي؟‏

لم تصدق الفتاة أذنيها، استضاء وجهها سعادة.‏

قالت، نافذة الصبر:‏

-فلنمشِ!‏

تأبطت ذراعه وسارا نشيطين في الشارع الخالي، كان الليل مثلجاً، لا نجوم، لكن أنوار المدينة كانت تلمع مثل أحجار كريمة غالية الثمن. الرجل الثلجي يسير غير مبال، لم يشعر بانفعال هذه الروح الأنثوية المتوحدة التي ترتطم مثل الغريق بالصخور وتريد أن تخرج إلى الشاطئ. لم يسمع كيف يدق قلبها مثل جرس عربة عرس. هو لا يعرف أن النجوم ليست أحجاراً كريمة.‏

في غرفة الفتاة كان الإناء الفخاري الصغير متشققاً، والزهرة الحية التي تحمي الروح من البرد منحنية على النافذة.‏

وضعت الفتاة يديها على كتفي الضيف الغريب.‏

-نحن وحيدان هنا، الآن تبدأ الحكاية. هل تعرف ماذا يفعل شابان حين يظلان وحيدين؟‏

وقربت شفتيها من شفتيه:‏

-أنت أول رجل يدخل غرفتي، آه، كم أنت بارد! هل الرجال جميعاً باردون مثلك؟‏

عانقها الرجل الثلجي، غير قاصد، لكنه لم يستطع أن يلتقط الارتعاش الحار في جسدها الأنثوي الفتي. أصابه دفء المرأة ابنة العشرين من عمرها بدوار غامض. دار رأسه. قالت الفتاة وهي تنفلت من حضنه:‏

-المكان هنا بارد جداً! سأشعل المدفأة أولاً. حين تتقد سوف نتعشى. قلبي يذوب انتظاراً. عرفت أنك ستزورني. لكل فتاة الحق في أن تسعد ولو ليلة واحدة في عمرها على الأقل، حتى وإن كانت عمياء. إلى أن تدفأ الغرفة - أرجوك أن تثب إلى الحانة المجاورة وأن تجلب زجاجة من النبيذ. في ليلة زفافي أريد أن أدق كأسي بكأسك. لم يرطب النبيذ شفتي من قبل.‏

خرج الرجل الثلجي مذعناً، عبر الشارع، ووقف أمام زجاج الخمارة المندّى. وراء الزجاج تلوح عشرات الزجاجات المرتبة. مثل طفل ساذج لمس الرجل الثلجي الزجاج، لكنه لم يستطع أن يأخذ أيّ زجاجة. أعاد الكرة مرتين وثلاثاً: ثم أرخى يديه عاجزاً.‏

ظهر رأس صاحب الحانة:‏

-ماذا جئت لتسرق أيها البطّال! انصرف من هنا سريعاً أو سأجلب المكشطة وأجلد ظهرك.‏

نظر الرجل الثلجي دهشاً إلى صاحب الحانة المغيظ ثم ابتعد مطأطئ الرأس. نسي، فجأة، الزجاجات والفتاة والحكاية. هو لا ذاكرة له. نسي الأطفال الأغبياء أن يضعوا له ذاكرة في رأسه.‏

دق جرس ساعة المدينة ثلاث دقات. وقف المتسكع الليلي في ساحة واسعة.. في طرف الساحة إنسان ضئيل منحن يجرف الثلج كالخلد ويكومه أكواماً.‏

سأله الرجل الثلجي:‏

-ماذا تفعل هنا أيها الجد؟‏

-أنا كنّاس المدينة - -الوردية الأخيرة، أمروني أن أنظف الساحة كلها الليلة. انظر كم هي كبيرة!‏

نظر الرجل الثلجي إلى وجه الكناس المنحني ووخزه شيء يشبه الشفقة، ليس لدى الكناس معطف، كماه يتدليان مهترئين، يداه مزرقتان برداً، بلا قفازين، وشارباه متجمدان.‏

قال الرجل الثلجي:‏

-أعطني الرفش يا جداه، سأساعدك. أنا أكثر شباباً، يمكن أن يقال إني مولود حديثاً، سأعمل، أما أنت فاجلس كي ترتاح.‏

أعطاه الكناس الرفش. دار رجل الثلج القوي كالزوبعة، حافراً الثلج عميقاً. حمي فخلع معطفه ورماه. انحنى الكناس والتقطه عن الأرض وتلفع به. انطوى مثل كلب في ملاذ تحت إحدى النوافذ. قرفص، أما رجل الثلج فراح يعمل بالرفش بمهارة وبدأ يصغر. لقد حيره هذا الرجل - جرف الثلج ونظف الساحة كلها.‏

أعطاه الكناس الشيخ المعطف:‏

-البس، أنت متعرق وقد تتجمد.‏

لبس الرجل الثلجي المعطف وقال:‏

-هيا، وداعاً، أيها الشيخ!‏

سأله الكناس:‏

-إلى أين ستذهب. هيا معي لأقدم لك كأساً من الشاي. هناك في مكان قريب مقهى دافئ. كأس الشاي هناك يساوي ليفا واحدة. يقدمون قطعة سكر صغيرة، لكنها تكفي. اجتازا الساحة وانعطفا في شارع ضيق. دخلا المقهى. لا أحد في الداخل.‏

قال الكناس:‏

-فلنجلس قرب المدفأة. أين المدفأة؟ نظري ضعيف قليلاً، لا أرى شيئاً. أوه، الدفء شيء جميل! لا حطب في بيتنا- ننام على البارد، حياتنا قاسية.‏

قاده الرجل الثلجي إلى قرب المدفأة. جلسا في شبه ظلام. طلب الكناس كأسين من الشاي. حمل فتى ناعس الكأسين الحارين ووضعهما أمام الضيفين. رفع الشيخ كأسه بيد راجفة وبدأ يرتشف، خطف الرجل الثلجي الكأس الثانية وكان عطشاً، فشربها دفعة واحدة. أحس، على الفور، أن داخله كله اشتعل، لان رأسه، غامت عيناه، ثم انفصلتا وتدحرجتا على الأرض تحت الطاولة.‏

فكر الرجل الأبيض وقد بدأ يذوب سريعاً، ملفوحاً بالمدفأة وغاصاً بالشاي الحار:‏

-ماذا حل بي؟‏

الشيخ يرتشف ظامئاً ويفكر:‏

-كم من الناس الطيبين لا يزالون على الأرض! لولا هذا الصديق- لتشققت برداً. سأدعوه إلى النوم في بيتي إلى أن يطلع الصباح. يتسكع في الشوارع ليلاً: من يعرف: هل له مأوى - هيا يا صديقي - صاح الكناس - أين ستمضي الليل؟‏

لم يجبه أحد. لقد ذاب الرجل الثلجي وصار بركة من الماء. قبعته ومعطفه بقيا على الكرسي. قرن الفليفلة الأحمر يسبح في البركة.‏

قال الشيخ بهدوء:‏

-لقد ذهب!‏

ثم تثاءب وهوّم نعساً.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244