|
||||||
| Updated: Wednesday, September 24, 2003 03:06 AM | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
موت كلب ـــ خطيب بدلة يعتقد الكثيرون من الأصدقاء الذين يتفضلون علي بقراءة ما أكتب أن شخصية (أبو النور) التي أتحدث عنها إنما هي شخصية مفترضة على طريقة بديع الزمان الهمذاني الذي كان ينسب أحاديثه إلى (عيسى بن هشام) و(أبي الفتح الاسكندري). ولكنني أؤكد أن شخصية (أبو النور) حقيقية، والرجل من ظرفاء مدينة إدلب، واسمه الكامل هو محمد نور بن عبد الحي قطّيع، وهو محدث بارع، ومبتكر حكايات أطرف ما فيها هو أنها من بطولته، وقد اكتشفتُ عبر صداقتي الطويلة معه، السر الحقيقي الذي يجعل حكاياته ناجحة، ومؤثرة، وهو أنه لا يصوغها ويرويها بقصد التسلية فقط -مع أن التسلية ليست بالأمر الثانوي- بل إنه يمرر من خلالها أفكاره وآراءه في الحياة، وهي -حقيقة- أفكار وآراء تستحق الاهتمام والتقدير. ولعل أجمل حكايات أبو النور، وأبعثها على الدهشة، هي التي جرت له أثناء سفره في البحر في أواخر الستينيات، حيث كان يعمل بحاراً على سفينة تمتلكها شركة أجنبية، ومنها القصة التالية، وبحسب روايته إذ قال: -توقفت الباخرة التي كنت أعمل عليها، أثناء إحدى الرحلات، في ميناء أثينا اليوناني لمدة ثلاثة أيام، صرفنا نحن البحارة خلالها كل مدخراتنا، فلم يبق معنا سوى النقود التي يحتجزها المحاسب لديه من باب الاحتياط. وبعدها أعلنوا عن التحرك، دون أن يحددوا الوجهة.. فكان هذا الأمر مريباً بالنسبة إلي على الرغم من إيماني بصحة المثل القائل (ضع رأسك بين الرؤوس وقل يا قطاع الرؤوس!).. ومن ثم فقد سارعت إلى تأدية واجباتي مع العمال الآخرين في تنضيد البضاعة المحملة والأعمال الأخرى المتعارف عليها، وحينما فرغنا منها غسلت ثيابي المتسخة بطريقة ابتكرتها بنفسي، وتتلخص في ربطها بحبل وإلقائها في الماء فتراها تجري وراء السفينة والماء يتخللها بقوة، فما هي إلا ربع ساعة حتى تصبح في منتهى النظافة. قلت: أولم تعرفوا وجهة السفينة؟ قال: بلى، عرفناها. إسرائيل! حينما ذكر كلمته الأخيرة انتابني شيء من الامتعاض، فسارع أبو النور يقول: -إنك تستمع إلى هذه الحكاية بعد أكثر من ثلاثين عاماً على تاريخ حدوثها، ومع ذلك اكفهر وجهك وأصبح كالكمبيالة المستحقة، ولكن ماذا نقول نحن العمال العرب الأجراء الذين لم يكن في مقدورنا حتى الاحتجاج على ذلك؟ قلت: فماذا تصرفتم حيال ذلك الموقف؟ قال: لن أحدثك عن مواقف الآخرين، فقد كانت متباينة، عدا عن أنني لا أحب المزاودة على أحد، وأما أنا فقد أمضيت فترة التوقف كلها في الباخرة بسبب مرض ألم بي فجأة. قلت: قل إنك تمارضت لكي يسمحوا لك بالبقاء في الباخرة. قال: لا بشرفي، لقد مرضت فعلاً، من شدة (القرف)! قلت: وبعد؟ قال: في آخر الرحلة حصل الأمر الذي نعرفه نحن البحارة جيداً ونتوقعه. أخذوا جوازات سفرنا إلى إدارة الهجرة والجوازات الإسرائيلية ووضعوا عليها الخاتم والتأشيرة. قلت: في رأيي أن هذا الأمر لا يسيء إليك، طالما أنك استُكْرِهْتَ عليه. قال: أعرف ذلك، ولكن الأمر لم ينته على خير في تلك الرحلة المنحوسة. قلت: خيراً، ماذا جرى؟ قال: حينما وصلنا إلى بيروت تشاجرت مع صاحب فيلا في منطقة الأوزاعي البحرية، وسجنت على إثرها سبعة أيام. قلت: لماذا تشاجرت معه؟ قال: لقد مات كلبه. قلت: إذا مات كلبه، ما دخلك أنت؟! قال: ادعى أنني كنت السبب في موته، مع أنني، الله وكيلك، لم أقصد. قلت: فكيف مات الكلب؟ قال: كنت أريد التخلص من جواز سفري الذي لوثته التأشيرة الإسرائيلية، فرميته للكب، أكله، فمات على الفور!! |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |