جريدة اسبوعية تعنى بشؤون الأدب و الفكر و الفن - العدد 749 تاريخ 3/3/2001
Updated: Wednesday, September 24, 2003 03:06 AM
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

في دكان الحلاق ـــ معتصم دالاتي

عندما حان الوقت المحدد لقص شعر رئيس الولايات المتحدة الأميركية السابق بيل كلينتون، كان هذا خارج واشنطن في زيارة لإحدى الولايات، أو لدولة أخرى. ولأن متطلبات الرأس الرئاسي لا تحتمل التأجيل أو التأخير فقد لبى الحلاق الرئاسي الخاص الأوامر وامتطى الطائرة باتجاه إقامة الرئيس كلينتون ليزين الرأس التي تدير البلاد.‏

هذا ما أوردته منذ مدة بعض وكالات الأنباء، وذكرت كلفة تلك الحلاقة، والتي قُدِّرت برقم كبير من الدولارات.‏

لا أجد تفسيراً لتذكري هذه الرأس البالغة الأهمية بعد انتهاء ولايتها الرئاسية، حيث من المرجح أن وقت الرئيس سوف يتسع مستقبلاً لمقابلة حلاقه الخاص في مدينته خارج بروتوكولات الدبلوماسية التي يضيق بها الحلاقون. فالحلاق أيها السادة، وكما عُرف عنه هو رجل يحب أن يطلق لنفسه العنان. وقص الشعر يوازي لديه قص الحكايات والسوالف.‏

ولعل طبيعة المهنة فرضت طبيعة سلوك الحلاق. فالرجل أو الزبون (المتبروظ) على كرسي عالي مقيداً إلى فوطة الحلاقة، لا يستطيع استعمال أيٍّ من يديه أو رجليه ولا تحريك رأسه إلا بأمر أو إذنٍ من الحلاق. ومقابل هذه الزنقة التي يقبع بها المحلوق له، أقصد الزبون، فلربما كانت الثرثرة والقصص المثيرة من قِبل الحلاق هي التي تخفف من وطأة تلك الجلسة المرهقة للجالس على كرسي الحلاقة.‏

وفيما مضى قبل أن يعم السندويش والمعلبات والثوم المقشر والكوسا والباذنجان المحفور لأجل المحشي والبقدونس المفروم، وغيرها من الخضار الجاهزة المرافقة لعصر السرعة والاستهلاك، كان الزمن يسير بطيئاً، وكل ما هو بطيء لا حساب ولا قيمة له. فالحلاق كان يمضي ساعات على رأس زبون واحد، تتخلل تلك الحلاقة مشاوير يقضيها الحلاق ما بين دكانه وبيته الذي غالباً ما يكون مجاوراً للدكان، أو أن يذهب إلى مسجد الحارة لأداء الصلاة أو لقضاء حاجة فيزيولوجية، والزبون على كرسي الحلاقة في حالة انتظار. وقد يترك الحلاق رأس زبونه ليقوم بتمثيل القصة التي يحكيها. فالدكان تلك لم تكن تحوي الزبون وحده، بل رهطاً من أهل الحي منهم من ينتظر دوره للحلاقة، والأكثرية لتزجية الوقت الذي لا قيمة له. والكل يشارك في قص السِيَر والحكايات والسوالف التي كان قاسمها المشترك المنفخة والعنتريات.‏

في إحدى تلك الدكاكين، وهذه السالفة تعود إلى بدايات القرن المنصرم، وفي حي باب تدمر الشعبي حيث كان المرحوم أو المغدور علي الزبل يجلس إلى كرسي الحلاقة صامتاً. وكان أبوه أي أبو علي الزبل يمضي وقته الفائض عند الحلاق مستعرضاً قبضاويته على مسامع الحضور، مستذكراً تاريخه الحافل بالبطولات، فذكر الرجال الخمسة الذين أرداهم قتلى بالمعركة التي حصلت بين حارته وحارة الصفصافة. والرجال السبعة الذين خلَّص عليهم واحداً واحداً في معركة حيّه مع حي باب الدريب، معترفاً بجرحٍ بسيط أصابه من شبرية غادرة لم يتأثر بها، ثم عرَّج على وصف المعركة مع أهالي حي باب السباع حيث أوقع بها تسعة رجال إصابتهم بليغة مع ثلاثة قتلى. ولم يهمل أبو علي الزبل بعضاً من المعارك التي قابل فيها بخنجره عسكر الفرنساوي المسلح بالبواريد، مع ذكر تفاصيل وعدد العساكر الفرنسيين الذين جندلهم بمفرده ما بين قتيل وجريح.‏

وهنا ضاق الابن علي الزبل الذي كان يجلس إلى كرسي الحلاقة ولم يَعُدْ يحتمل مراجل أبيه، وهو يعرف أباه كما يعرف البير وغطاه، فترجَّل عن كرسي الحلاقة واتجه إلى أبيه مباشرة قائلاً: (أبي.. قوم روح على البيت.) ثم أشار بيده إلى المقبرة المقابلة لدكان الحلاق، وتابع كلامه مع أبيه: (ليش ما بتقول، كل هالأموات اللي في المقبرة أنت اللي قتلتهم؟).‏

تتمة الموضوع أن علي الزبل الابن قُتِل مغدوراً بطعنة سكين من أحد أعدائه الذي طعنه غدراً ولاذ بالفرار، وقد تحامل علي الزبل على نفسه والدم ينزف منه، فلحق بالفاعل ليرد له بشبريته بعض الطعنات.. ثم يهوي أرضاً مفارقاً الحياة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244