|
||||||
| Updated: Wednesday, September 24, 2003 03:07 AM | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
عمامة الفراتي ـــ محمد رشيد رويلي
محمد بن عطا الله الفراتي.. هذا الأزهري والشاعر الثائر الذي شارك في
الثورة العربية 1916 وبثورة سعد زغلول بمصر 1919 كان يرى في الشعر بأنه نسغ الحياة
واستجابة الضمير.. محرك العواطف وملهب الأحاسيس، وكان له موقف معارض من زملائه
العلماء الذين ظهرت لديهم الموهبة الشعرية فتخلوا عنها متخذين من قول الإمام
الشافعي وازعاً لإهمالها:
ووقف بكل التحدي الكامن فيه مع العلماء الشعراء الذين استجابوا إلى
نداء أبي تمام:
فكانت مواقفهم نضالية في شتى نواحي الحياة.. لن أسرد تلك المواقف النبيلة والجريئة في هذه العجالة وربما أكتب عنها
في مرات قادمة وسأقتصر على موقف واحد منها: الفراتي رجل فقير لكن نفسه غنية وأبية لاقى من العوز والحرمان والتشرد
الكثير، وهو القائل:
تمر عليه الأيام والليالي ولا غذاء لجسمه النحيل سوى خبز الشعير وليته
يلقاه حتى إذا نهش المرض جسده احتار الطبيب في أمره فيسأل عن غذائه؟ ماذا يأكل؟:
هذا هو الشاعر الذي خلّده التاريخ.. هذا هو الشاعر الذي تذكره الأجيال
ولا تنسى مواقفه.. سافر مرة بحافلة قديمة على طريق تدمر دير الزور وكان الطريق ترابياً
والجو تموزياً لاهباً والحافلة تئن لأسباب غير مجهولة، وبلغ العطش بالركاب منتهاه
وبخاصة لدى الأطفال الذين أخذوا يستغيثون وما تجرأ أحد على النزول من الحافلة في
تلك الظهيرة التي يشوي الوجوه لفحها سوى الفراتي الأزهري بجبته وعمامته. طلب الفراتي من السائق دلواً وحبلاً عندما وصل إلى أقرب بئر. ألقى
السائق الدلو في أحضان الفراتي واعتذر عن وجود حبل في حافلته، فهز الفراتي رأسه
وأخذ الدلو، ووصل إلى البئر، فألقى حصية في جوفه، وتنهد الصعداء عندما وصل إلى
مسمعه صوت الماء، فخلع عمامته وشقها نصفين ليزداد طولها وجذلها بإتقان، وربط بها
الدلو وأخذ يغرف من البئر ويروي ظمأ العطاش دون أن ينزلوا من السيارة حتى إذا
ارتوى الجميع أراد أن يغرف دلواً ليشرب ويتوضأ لكن الحبل انقطع عند منتصف المسافة،
فألقى بما تبقى في يده، وسار باتجاه الحافلة. مازحه السائق وقتذاك قائلاً: -أين عمامتك يا سيدنا الشيخ؟ فأجاب بكل فخر واعتزاز: -أدت العمامة دورها يا ولدي ولم أعد بحاجة إليها. | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||