|
||||||
| Updated: Wednesday, September 24, 2003 03:07 AM | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
مرافئ غريب تحت المطر ـــ عبد القادر الحصني هو ذا أنت. متسكّع غريب في مدينة غريبة، تجوس أزقّة حيّ قديم شرقي شارع التلل) بحلب، تنسرب من ساحة فرحات) تحت ساباط طويل، ترافق خطوك جدرانٌ حجريّة عالية لكنائس متقاربة، تستحمّ نواقيسها بماء المطر الممزوج بفضّة قمرٍ سريانيةٍ عاشقة. لستَ كنتَ) لتنقد العقل، ولا خير الدين الأسدي لتقول في أغاني القبّة): "العقل دلو من غربال" لا يمدّ عالمنا الإشراقيّ ببلالة، وحسبه هواناً أن جرعة من خمر الأرض تطوّح به. عوالم العقل كلّها لا تلقي شعاعاً واحداً على هيكل الحقيقة العظمى. دع ذا، وسَلْ قبله: هل عرف العقل نفسه؟" على أية حال لم تكن مشكلة صاحب أغاني القبّة) مع العقل على هذا النحو، وجلال الدين الرومي كان أدقّ في تقرير المشكلة حين قال: "العقل في الحبّ كالحمار في الوحل".. مشكلة صاحب أغاني القبّة) كان جزء منها مع الأرمنيّة شيرين) ومع إياز) أيضاً.. كنْ صريحاً معه.. صحيح أنّك متسكّع، ولكنّ المتسكعين ليسوا من طراز واحد. خذ، مثلاً، إسماعيل عامود صاحب التسكّع والمطر)، فهو يمشّط أذيالاً طويلةً لأفراس ذوات حوافر من فضّة، وأجراس، ويرسم نساءً بتنورات مبرقشة بأزهار كبيرة، ويرى القمر قطعة كبيرة من الحلوى، ويكتب شعراً موزوناً مقفّى أحياناً، ويعترف أنه مجنون قليلاً.. إنه ليس، في أي حال، كصديقه سليمان عواد.. سليمان عواد كان متسكّعاً أجمل، لا لأنه، رحمه الله، كان يدعوني إلى كأس شاي بثلاثة فرنكات مع لفافة تبغ ريف) في مقهى الشراكس قرب المشيرية)، بل لأنه يقول: "على رصيف الميناء كنت وحيداً لم أكن مسافراً، ولم أكن مودِّعاً ولكن، حين صفرت السفن، لماذا بكيت؟"1 بينما هرمان هسّه في تجوال) يرسم لنا لوحات تشي بسكونية وجمود.. لوحات في متحف كتاب، كأن الذي كتب الكريات الزجاجية) في ما بعد واحد آخر.. هسّه في تجوال) كان كأنه في نقاهة.. نقاهة ذات طعم غامق وظلال ثقيلة، لا كنقاهه أندريه جيد في قوت الأرض). هو ذا أنت، متسكّع غريب في مدينة غريبة.. وكان مفاجئاً، حقّاً، أن تفضي بك قدماك إلى باب الفرج).. كنت في وهم أن تخرج إلى باب توما) منذ زقاقين على الأقلّ.. الآن تتذكّر أيام كنت تقوم بجولات على المحافظات لزيارة الجامعات فيها بسبب طبيعة عملك.. كنت حين تستيقظ في الليل تحاول أن تتذكّر: في أيّ فندق أنت وفي أية مدينة؟ لم تكن تتذكّر.. وكان النعاس يكافئك بمتعة النوم في فندق لا تعرفه، في مدينة لا تعرفها.. والاستيقاظ صباحاً كان يشبه الولادة.. تأخّر الوقت على غريب في مدينة غريبة.. وفي مقهى الموعد قد تجد من أصدقائكَ من يؤنس وحشتك.. قلتَ: أمرُّ أمام الواجهة الزجاجية الكبيرة للمقهى، فإذا لمحتَ من تعرفه، دخلت.. بين عدد قليل ممن تبقّى من رواد المقهى لمحتَ وجهاً تعرفه.. تبجّس من أعماقك نهر دافئ.. دخلت، وقلّبت نظرك في الوجوه.. لم تجد الوجه الذي رأيت.. خرجت منكسراً.. ومن الشارع ألقيت نظرةً أخرى على الداخل، كان الوجه ذاته.. الوجه الذي رأيت وعرفت.. وجهاً لرجل غريب في مدينة غريبة. (1) النصّ من الذاكرة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |