|
||||||
| Updated: Wednesday, September 24, 2003 03:07 AM | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
إنّما الإنسان موقف!...ـــ محمد غازي التدمري ـ 1 ـ يتمّيز العصر القادم من أوراق الإلفيةَ الثالثة بجملة إرهاصات حياتيّة، يتربّع على قمّتها هاجس العولمة وما يمكن أن تفرزه من مسوّغات جديدة، لا تحمل للإنسان غير أشباح القلق وهلامات الهمّ وما يتفرّع عنه من إنكسارات متعددة الجوانب، مبهمة الأسباب، ضبابية النتائج من الممكن أن تشوّه جوهر الإنسان وتحوّله إلى عبدٍ لشهواته ونزواته، فيتحول إلى بهلوان سرك لا يُتقن غير القفز على أكثر من حبل في مساحة هوائية، مما يُقزّم حضوره، ويؤزّم حالته النفسيّة، فلا تدري إن كانت منسجمة مع تصرفاته الأرجوزية، أم ضدّها، يعمل لبناء مصالحه الفردية أم ليهدّم مصالح الآخرين، يبني جوّانيّته المريضة، أم يُخرّب طموح من يُقاسمهم الحلم والأمل، فهو في دوامة الشك والترقب المشوب بالخوف القادم من منجزات العولمة وإفرازاتها على مختلف الأصعدة الحياتية والإنسانية. ـ 2 ـ في مثل هذه الأجواء المُتخمة بالأحداث التي تحاصر إنسانها، فإنّ الخروج من دوّامتها والانتصار عليها لا يتطلب من الإنسان العاقل أكثر من موقف مبدئي، ثابت، واضحٍ وصريح، مرتبط بالحياة وقيمها الأخلاقية التي لا تمنح الخير والسعادة الحقيقية إلاّ من خلال تواصلها الإنساني المندغم مع الآخر، تحت أفياء الجماعة، وضمن حدود المبدأ الواضح الذي لا يتغيّر تبعاً لأغراض المصلحة الشخصية، ولا ينقلب رأساً على عقب وفقاً لأهواء النفس وتقلّبات نزواتها التي تدفع الإنسان المهزوز من الداخل لأن يمتطي كل مطيّة أخلاقية أو غير أخلاقية من أجل أن يغدر بصديق حتى يأخذ مكانه، دون وجه حق أو صواب.. مثل هذا الموقف لا يدلُّ إلاّ على هشاشة الضمير، وضعف النفس، وانحلال الذات الانتهازية التي غالباً ما تكون على استعداد لأن تشرب ماء البحر الأجاج، وتركع، وتنبطح من أجل تحقيق مصلحة فردية قد لا تعمّر طويلاً.. ـ 3 ـ والموقف الأخلاقي إن تحوّل إلى هدف سامٍ ونبيل يسعى الإنسان الواثق من نفسه وقدراته إليه ما يحمله من أعماقه من نوازع الخير وحبّ الغير، من الممكن أن يفتح له دروب الحياة المستعصية، ويساعده على استردادٍ توازنه مع الواقع، واستعادة قيمه الإنسانية الأصيلة، من خلال مناقشة حساباته المعلنة وغير المعلنة، مما يؤهله لأن يمارس دوره الإيجابي القائم على المصلحة العامة قبل الخاصة في الحياة التي ما فرضت وجوده بين رحى طواحين صراعاتها التي لا تتوقف عند محطات المهرجين، أو المهرولين في الاتجاه المعاكس، ولا تُعير انتباهاً ما لمن لا يجيد غير اللعب على حبال المصالح الفردية إلاّ ليؤدي دوراً إنسانياً نبيلاً، يربطه بالحياة والواقع برباط الألفة والغيرية، والاندغام مع الآخر بكل حب وإخلاص.. ـ 4 ـ مثل هذا الموقف الإنساني لا يسقط من الأعلى، ولا يأتيه من حيث لا يدري أو يحتسب، ولا يُصنع من فراغ روحي، أو خواء نفسي، وإنما يتّخذه من ضبط مواقفه؛ ولجم نزواته، وهيكلة تطلعاته التي من المفروض ألاّ تُبنى على جثث الآخرين، وإنما تنهض على معمارٍ أخلاقي إنساني بعيدٍ عن الهوى، وحب تجاوز الآخرين ومحاربتهم بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة من أجل احتلال أمكنتهم، وبهذه المواقف الملتزمة بالجماعة وضبط النفس تجاه أهوائها، من الممكن أن يصل بقاربه الحياتي وبمن يتحمل مسؤولية رعايتهم وتسيير شؤونهم بكل بساطة إلى شواطئ الراحة والطمأنينة. ـ 5 ـ إنّ الواقع المُتخم بالأحداث غير المتوقعة، بأمسّ الحاجة إلى أن يسترجع الإنسان ذاته، من أجل صياغة هدفٍ نبيلٍ، لا تنهض به المادة، ولا تدفعه أهواء الذات الفردية، ولا تصنعه صراعات ثانوية من أجل الوصول إلى مركز هامشي. واسترجاع الذات يبدأ من تحطيم جدران اللحظات المشحونة بالغرور، والمشبعة بالنرجسية، والانعتاق إلى عالم حرٍّ وتتلألأ على ضفافه معايير الفرح الإنساني القادر على أن يفتح أبواب الحياة المطلة على الأمل والحرية والسعادة. هذه الحماسة إن فقدها إنسان المواقف المتحوّلة، لا يدري في أي مفترق تضعه الحياة، إن تقاعس عن مجابهتها بالموقف الثابت الذي يشكل جزءاً من تنميط حياته، معتمداً لتحقيق ذلك أسلوباً أخلاقياً قائماً على الحب والغيرية والحميمية، قادراً على ترميم ما انشرخ في جوانب شخصيته، معيداً إليها نبض الحياة المشبع بلذة الوجود، ومتعة التجدد، ونشوة التعامل مع الآخر، وبذلك تتشكل صورة الإنسان المسترد لملامح وجهه الإنساني، كما استعاد شخصيته الواضحة الفاعلة والمتفاعلة مع مستجدات الحياة بمختلف صورها وأبعادها ومفرزاتها. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |