جريدة الاسبوع الأدبي جريدة اسبوعية تعنى بشؤون الأدب و الفكر و الفن العدد 788 تاريخ 15/12/2001
Updated: Tuesday, September 30, 2003 03:39 AM
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الحداثة: هزائم وانتصارات ـــ د.علي أسعد وطفة ـ الكويت

تجسد الحداثة Modernité الروح الحضارية للإنسانية المعاصرة، وتتمثل هذه الروح الحضارية في منظومة التحولات التاريخية الفكرية والعلمية والاجتماعية والسياسية، التي شهدتها المجتمعات الإنسانية منذ عصر التنوير حتى اللحظة الحاضرة، وهي التحولات التي استندت إلى مبادئ العقلانية والفردانية والديمقراطية.‏

والحداثة في هذا الاتجاه نمط إنساني من الفعل والتفكير ساعد الإنسانية على الوصول إلى القمر واكتشاف الطاقة النووية، ومكَّنه من التنبؤ بانفجارات الكواكب والنجوم في عمق الفضاء الكوني. كما أن الحداثة كانت الحاضن التاريخي لولادة حقوق الإنسان والديمقراطية والمساواة بين الجنسين والتعليم الإلزامي والضمان الصحي، لقد مهدت للثورة الاتصالية وانفجار المعلومات وحققت ثورة الفاكس والأنترنيت، ومهدت للتطور المعرفي في مجال الجينات واكتشاف الجفرة الوراثية. وباختصار إنها تتويج لانتصارات الإنسان في مختلف الميادين العلمية والفكرية والاجتماعية.(1)

ومع أن الحداثة كانت قد أغرقت الإنسانية بانتصاراتها، قد مُنيت بعدد من الكوارث والصدمات وخيبات الأمل فحملت إلى الإنسانية ما يكفي من مشاهد البؤس والشقاء. لقد هيأت لاكتشاف القنابل النووية والهيدروجينية وتصنيعها، وكانت في أصل الحروب المدمرة التي شهدتها الإنسانية، وتشهد اليوم أشمل عمليات تدمير البيئة، ونشوب النزاعات العرقية، واستغلال البلدان النامية، وانتشار البطالة، وظهور الأنظمة الاستبدادية الشمولية، والانفجار السكاني، وهي التي وضعت الإنسان في دائرة الاغتراب والقهر والتشيؤ، وشكلت المجال الحيوي لانتشار الأوبئة والإيدز والمخدرات والجريمة. وهي باختصار منحت الإنسان، وفي الآن الواحد، القوة التي لا تناظر الضعف الذي يتجاوز حدود الوصف. إنها تقود الإنسان إلى عالم الضياء، والمعرفة ولكنها تنقله من جهة أخرى إلىعالم الظلام والمرض والخوف والفاقة والجوع.‏

أسس الحداثة:‏

بدأت الحداثة حضورها المميز في القرن الثامن عشر، واستمرت في هيمنتها حتى النهاية القرن العشرين، وهي ما تزال تفرض هيمنتها وسطوتها تحت تسميات عدة أهمها العولمة ومابعد الحداثة). وتنطوي الحداثة على عدد من السمات والخصائص وأهمها المعرفة العلمية والعقلانية والفردية والديمقراطية والعلمانية.‏

فطريقة التفكير الحداثية ترتبط بالمعرفة العلمية وتقوم على أساس العقلانية والفردية. وهي تعلي من شأن هذه المعرفة العلمية والعقلانية لتشمل مختلف جوانب الحياة وأنشطتها وتنوعاتها. جعلت الحداثة من التفكير العقلاني والعلمي منهجاً للحياة ومنطلقاً للوجود وغاية للإنسان، واستطاعت في سياق هذا التمجيد المتواصل لمنهج التفكير العقلاني أن ترفع العلم والعقلانية إلى دوائر المقدس ومراتب القداسة. لقد حررت السلوك الإنساني من مظاهر الخرافة والأسطورة وهتكت عرش المقدس التقليدي ومزقت حجبه وأحرقت رموزه وجعلت من العقل عينه صنماً للعبادة، ومن المعرفة العلمية قبلة الحياة الإنسانية.‏

لقد حاربت نمط التفكير التقليدي بكل تجلياته ورفضت مختلف تنوعاته، وهي في ذلك كله قامت على رفض اليقينيات المسبقة وهدمت بنى المعتقدات القديمة التي هندستها تقاليد الشعوب ماقبل الحداثية. وهي بذلك كله كانت تسعى إلى تحرير الإنسان من أثقال التفكير والمعتقدات التي فرضها القدماء وأنماط الحياة القديمة. وهي في معترك نضالها أعادت للفرد اعتباره وأكدت احترام فرديته وتفرده وأوجدت لديه الثقة التي لا تضاهى بقدرته على الحضور والمشاركة والإبداع بوصفه فاعلاً تاريخياً ومنطلقاً لكل إبداع ونشاط إبداعي. واستطاعت عبر ذلك كله أن تضع المجتمعات الإنسانية في دائرة حركة حضارية لا تنقطع ولا تتوقف في سعيها الدائم نحو الابتكار والتجديد والعمل من أجل تحقيق نهضات حضارية متعاقبة ومتواصلة في مختلف تقاطعات دوائر الزمان والمكان.‏

ومفهوم التقدم إبداع حداثي أكدته مختلف لحظات التطور الإنساني. والتقدم وفقاً للصيغة الحداثية هو التوظيف الأفضل والأمثل للتاريخ والإنسان. وهذا يعني أن حركة التاريخ تعاند الاختزال الدائري للزمن الذي يجسد روح التقاليد القديمة. إن حركة التاريخ الحداثي تدور في زمن لا يلتفت إلى الوراء، فهو زمن تراكمي خطي متقدم ومتصاعد لا يعرف حركة الرجوع إلى الخلف إلا من أجل قوة دفع جديدة إلى الأمام. فلا مجال للثبات والدورات المتغيرة التي تبدأ وتفنى وتنطلق من جديد نحو معاودة تقليدية متكررة لوجود يتصف بخصائص الجمود والتصلب والثبات. فالعالم يتغير وهو في دائرة تغيره هذا يأخذ أشكالاً جديدة لا يمكن التنبؤ بها أبداً فالجديد لا يمكنه أن يماثل القديم أو أن يعود إليه أو أن يختزل فيه إنه حركة لا تنقطع نحو الأمام.‏

ويعد مفهوم العقلانية من المفاهيم الحداثية التي لا يمكن أن تنفصل عن جذورها القديمة، وهو في كل الأحوال مفهوم معقد ومركب. ومع الصعوبة التي يبديها هذا المفهوم في وجه التحديد يمكن تعريف العقلانية على خلفية عملياتها ومناهجها: فالعقلانية ترفض أية معرفة لا تخضع للنقد والمراجعة. إنها تسعى إلى البرهان والنقد والمراجعة، كما أنها تعنى بإيصال المعرفة والحقيقة إلى كل إنسان بغض النظر عن عرقه ولونه وانتمائه ودون اعتراض على إمكانياته.‏

إن إنتاج المعرفة العلمية وإعادة إنتاجها واختبار صحتها أمر يعود إلى نخبة من الناس في كل مجتمع وينسحب هذا على المجتمعات الصناعية المتقدمة. ومع ذلك فإنه وفقاً للعقلانية والحداثة يستطيع كل من يرغب أن يصل إلى هذه المعرفة ولا يوجد هناك ما يمنع الناس من الوصول إلى العلم والمعرفة العلمية.‏

وتعرف الحداثة بطموح معرفي وعلمي لا حدود له حيث يذهب المتحمسون لها ودعاتها إلى الاعتقاد بأن الحداثة ستمكن الإنسان يوماً من الوصول إلى المعرفة بالمطلق وهي المعرفة التي يحتاجها الإنسان من أجل السيطرة على المصير والوجود.‏

ويتميز الخطاب الحداثي بطابعه التحليلي، فهو نمط من التفكير يتعارض مع الصيغ الفكرية الكلانية وهي سمات الخطاب التقليدي القديم السابق للحداثة. فالحداثة تجانب هذه الشمولية في التجربة والممارسة. وبالتالي فإن تجاهل البعد الشمولي يؤدي إلى كثير من التحديات والمخاطر الجديدة التي تواجه الحداثة اليوم. فالحداثة طموح بعيد المدى، وهو طموح يتنامى دون توقف، ولذلك فإن الحداثة تقف اليوم عاجزة عن تلبية المشاريع الطموحة التي وضعتها أمام عينيها، لأن طموحها هذا يتجاوز ذاته ويتجاوز في الآن الواحد إمكانيات الحداثة وطاقاتها.‏

يتمثل طموح الحداثة الأول في السيطرة الكاملة على الطبيعة والعالم، وهذا الطموح يبدو كالسراب، فكلما لاح لها في الأفق أنها اقتربت من تحقيق هذا الهدف بدا لها الأمر وكأنه سراب يتبدد متسارعاً بوتائر تفوق سرعة الحداثة عينها. إن السيطرة على الطبيعة هدف يبتعد كلما اشتد الطلب عليه. ولذلك بقيت مهمة السيطرة على الطبيعة هدف لا يمكن أن يقع في دائرة التحقيق والسيطرة.‏

وهنا تمكن الإشارة إلى الكوارث التي واجهتها الحداثة والتي تتمثل في انفجار المركبة الأمريكية الفضائية كولومبيا، وإلى الكارثة النووية في تشيرونبيل والتي أثّرت في أكثر من قارة بإشعاعاتها النووية، كما يشار إلى فايروس السيدا الإيدز) الذي مازال يهدد ملايين البشر ويقضي على الملايين، وكذلك فايروس الأبولا، وهجمة الكوارث الطبيعية، وثقب الأوزون، وتآكل البيئة، والحروب العرقية، والهزات الأرضية.... الخ.‏

ويتجلى أحد أهم التحديات التي تواجهها الحداثة هذه في مستوى العلوم الفيزيائية والفلكية، فكلما استطاعت هذه العلوم أن تحقق انتصاراً في مجال معين بدا لها أن وراء هذه الانتصارات أو تلك أشياء تعصى على التحليل والتنبؤ والتفسير.‏

استطاعت الإنسانية اليوم أن تحقق أعظم انتصاراتها في مجال الطب، ومع هذا فإن هذا النجاح ترافقه وضعيات مأساوية خانقة، فقد صاحبت هذه النجاحات مظاهر الانفجار السكاني الذي يشكل اليوم واحداً من أكثر التحديات الإنسانية المعاصرة، لأن هذا الانفجار يؤدي، فيما يؤدي، إلى التلوث الشامل وإلى تناقص الناتج القومي للدول، وإلى تراجع مستوى التعليم، وهو في كل الأحوال يشكل عامل فقر وفاقة وبؤس ولاسيما بالنسبة إلى البلدان المكتظة بسكانها وأغلبها من البلدان النامية.‏

والأخطر من ذلك كله أن انتصارات العلم والمعرفة العلمية غالباً ما توظّف في أهداف غير إنسانية وأحياناً إجرامية مثل حرب المخدرات وحروب الإبادة الجرثومية، والحروب النووية هيروشيما ونازاكي) وحروب الإبادة الجماعية والعرقية كما حدث في كوسوفو وكما يحدث في فلسطين وأفغانستان وراوندا والجزائر وغيرها. وحروب الإبادة هذه تجري بأداوات الحداثة ومخترعاتها.‏

وهذا يعني فيما يعنيه أن الحداثة تعني في ثنايا انتصاراتها وعطاءاتها وضعيات حضارية مؤرقة للإنسانية وذات طابع مأساوي. وبعبارة أخرى: فإن الحداثة وهي في أجمل لحظات انتصاراتها تشهد أكثر وضعيات الهزيمة بؤساً ومرارة.‏

ففي مجال الطب: يختفي كثير من الأمراض تحت تأثير الاكتشافات العلمية في هذا الميدان، ولكن المرارة الكبرى هي أن الإنسانية ماتكاد تُجهز على فيروس أو مرض حتى يعلن أكثر من فيروس آخر عن حضوره، وأكثر من مرض جديد وأدهى عن وجوده. وهذا يعني أن موجة الأمراض الخطيرة التي تولد وتظهر هي نتاج لشروط حياة جديدة فرضتها تطورات الحداثة واقتضاها نمط التقدم الحداثي الذي تشهده المجتمعات الإنسانية المعاصرة.‏

فالفعل الحداثي يؤدي إلى تعقد أساليب الحياة والوجود. لقد أدى هذا الفعل الحداثي إلى بناء عالم تقني معقد، ومتطور إلى درجة لا يمكن معها اكتشاف العمليات الداخلية المدمرة التي تكمن في عمق هذه الحداثة. ومن هنا يمكن القول إن دورة الحداثة تنظم الطبيعة بشكل مستمر ودائم ولكنها وهي في دورة فعلها هذا تفقد قدرتها على التنبؤ بمخاطر ونتائج هذا التنظيم التي قد تكون قاتلة ومدمرة.‏

ومثال ذلك أن الحداثة قدمت لنا نظاماً اقتصادياً عالمياً، ولكنها لم تستطع أن تقدم نموذجاً حضارياً لإدارته، حيث لا يوجد هناك سيد وحيد الطرف في هذا المستوى الاقتصادي. ففي الاقتصاد وعلى الرغم من التحليل العلمي الدقيق الذي يشهده هذا الميدان، وعلى الرغم من تزايد الخبرات والتجارب والعلوم الاقتصادية فإن الحقيقة الاقتصادية تتجاوز كل التنبؤات، والشيء الوحيد الذي يمكن للاقتصاديين فعله في مجرى الحياة الاقتصادية هو تفسير ما يجري لاحقاً أو تقديم تنبؤات غالباً ما تكون خاطئة، حيث لا يوجد اليوم أي نموذج للتنبؤ الاقتصادي الذي يقدم تصورات متوقعة يمكنها أن تحدث فعلاً. وهذا يعني أن الحداثة تفقد زمام السيطرة والمبادرة في حقل نتائجها وانتصاراتها.‏

وفي ظل هذه الفوضى والإخفاقات المتتابعة في مسيرة الحداثة يتوجب عليها أن تترك وراءها مالا تستطيع فعله أو ما لا يمكن أن تقدم له إجابة، وكل ما يتجاوز حدودها وإمكانياتها. ومن هذه القضايا التي تتركها الحداثة دون أن تخوض فيها التساؤلات الإنسانية القديمة حول الوجود والحياة والموت والعدم، لأنها قضايا لا تقع في حقل اهتمامها ولا تستطيع أن تخوض فيها، وذلك لأنها لا تمتلك الأدوات الضرورية التي تجعلها قادرة على معالجة هذه القضايا وإغناء القول فيها. وهي ونظراً إلى عدم قدرتها على الخوض في مجاهل هذه القضايا أو لأنه لا يوجد لديها ما تقدمه في هذا الميدان تميل إلى إلغاء قضايا المقدس والمتعالي والروح والموت وتتجاهلها.‏

ومع أن الحداثة كانت قد ولدت في أنساق فلسفية وعقلية فقد فقدت في مسار نمائها وتطورها هذه الأبعاد الفلسفية والروحية. لقد تحجرت هذه الحداثة تحت مطارق التطور التقني، وفقدت في داخلها النبض الوجداني والفلسفي الذي كان في نسغ نمائها وولادتها. ولذا بدأ تتعلق القضايا الوجدانية والوجودية والروحية إلى أجلٍ غير مسمى.‏

والسمة الأساسية للحداثة اليوم أنها تستمد شرعية وجودها وحركتها من ذاتها، ولذا فهي ترفض كل ما هو أولي وسابق وترفض فيما ترفض جميع أشكال الخطاب القداسي والرؤى الدينية التي تجد مكانها في دائرة الخطاب الديني الذي فقد كثيراً من متاريس وجوده تحت ضربات الحداثة. وهي عندما تعالج هذه القضايا الميتافيزيائية فإنها تعالجها بترفع واستعلاء وتنظر إليها نظرة لا تخلو من معاني الازدراء والاحتقار بوصفها قضايا مبتذلة ووضيعة ورخيصة. وإذا كانت الحداثة لا تلغي الخطاب التقليدي كليّة فإنها تفرغه من مضمونه وتسقط ما فيه ولكنها تأخذ بعين الاعتبار والأهمية من بين مكونات هذه الخطاب مفهوم العقل، أو ما كان يسميه القدماء اللوغوس وهي بالتالي تنتصر لهذا اللوغوس على "الميثوس" الذي يمثل الخطاب الأسطوري والقداسي.‏

وعلى الرغم من أن الحداثة تنظر إلى نفسها بوصفها مصدراً لذاتها وأن شرعية وجودها كامنة فيها فإن خطابها دائم التغير والتبدل والصيرورة. فالحداثة تتطور دون توقف لا بل إن التغير والصيرورة تشكلان القانون الوحيد الثابت للحداثة.‏

هذا ويعد المجال الاجتماعي من أهم المجالات التي تسجل فيها الحداثة أكثر انتصاراتها تدميراً وفتكاً ولا سيما فيما يتعلق بالجانب الأخلاقي والقيمي. فالحداثة تنظر إلى الإنسان كما تنظر إلى أي شيء آخر: إنها تحرره من جانب ولكنها تضعه في أكثر أقفاص العبودية والقهر من جانب آخر. إنها تحرر الإنسان وتحرمه في الوقت نفسه من إمكانية ممارسة هذه الحرية.‏

رمت الحداثة الأب التقليدي وقتلته، وفجرت كل معايير المقدس وبناه، وهدمت حصون التابو والممنوع، وقلصت السلطة التقليدية إلى حدودها الدنيا قتلت الأب)، ومنحت الإنسان الحرية التي يصبو إليها، ولكنها وفي الوقت نفسه حرمته من المرجعية الأخلاقية التي كان يستند إليها. لقد دمرت سلطة الأب. وهدمت معاييره ولكنها لم تقدم البديل الأخلاقي لوجوده ولأهميته وهنا يكمن الخطر الذي يداهم الحياة الاجتماعية والإنسانية.‏

فالحداثة طاقة هائلة وبنية معقدة بأدواتها ومناهجها وهي تحاول دائماً أن تدرس الإنسان وأن تحلله وتفكك مكونات وجوده، وهي غالباً ما تستغرق في التحليل والتفكيك والتجزئة إلى حد أنها تفقد القدرة على النظر إلى الإنسان في إطار وحدته وتكامله وشموله. لقد استغرقت في التحليل إلى حد جعلها تفقد القدرة على التركيب وعلى بناء النظرة الشمولية إلى الإنسان بوصفه وحدة أخلاقية وإنسانية تتحرك في مجال حيوي يتصف هو أيضاً بالوحدة والتكامل. وهي في ذلك كله فقدت أكثر ما فقدت القدرة على النظر إلى الإنسان في دائرة وحدته الكونية مع الطبيعة والحياة والوجود، لقد فقدت القدرة على إدراك دينامية العلاقة بين الإنسان والمجتمع وجدلية الترابط الوجودي بين الإنسان والكون. وبعبارة أخرى تتجاهل الحداثة والأبعاد الأخلاقية للإنسان، وهي لا تزوده بقواعد السلوك وقوانين الحياة الاجتماعية. إنها تؤسس للفردانية ولكنها لا تمنع هذه الفردانية من السقوط في أوحال الأنانية والتسلط والكبرياء الأجوف والعزلة القاتلة. إنها في دائرة نموها وتطورها تترك الإنسان معلقاً في الهواء، إنها تبحث عن المعرفة من أجل المعرفة، ولكنها لا تبحث عن الإنسان من أجل الإنسان لأنها تجعل من هذا الإنسان عينه موضوعاً لا يتوقف للمعرفة كما هو حال الأشياء الأخرى، وهي وفقاً لذلك تشيّئه وتستلبه وتضعه في المستوى الأخلاقي على رفوف النسيان. وهذا كله يعني أن الحداثة تعيش حالة عطالة أخلاقية جارفة ومخيفة. فالإنسان وفي ظل هذه الحداثة الطاغية يفقد معنى وجوده الإنساني ويفقد في هذا الاتجاه سموه الأخلاقي بوصفه ذاتاً إنسانية خلاقة ومبدعة.‏

ولا تقل همجية الحداثة في المجال السياسي عنها في المجال الاجتماعي، لقد تجلت الحداثة في السياسة بروح الأفكار والقيم الديمقراطية، إذ نادت بحقوق الإنسان ورفعت شعار الديمقراطية، ودعت إلى تكافؤ الفرص السياسية. ومع ذلك كله فإن الحداثة لم تستطع أن توفر الإمكانيات الضرورية لتحقيق هذه المبادئ، إنها تشرع ولكنها لا تبحث عن أدوات التنفيذ ولا تصمم الأدوات المناسبة له، لقد أرست حقوق الإنسان ولكنها لم تعمل على إيجاد قرارات تنفيذية تضع هذه الحقوق في دائرة الحضور والتنفيذ.‏

وباختصار حققت الحداثة انتصارات كبيرة في مجال السيطرة على الطبيعة وفي مجال التقدم العلمي. وأرادت أن تمنح الإنسان حقه في امتلاك ذاته، واكتساب حريته، ولكنها لم تستطع في مجال الواقع أن تجعل من حرية الإنسان حقيقة واقعة، ولم يستطع الإنسان في غمرة الحركة الحداثية أن يحقق هذه الحرية المنشودة لأن الحداثة نفسها لم تحقق الشروط التاريخية والموضوعية لتحقيق إنسانية الإنسان بالصورة التي تجب أن تكون عليها.‏

ما بعد الحداثة:‏

تشهد الحياة الإنسانية المعاصرة تحولات جوهرية ونوعية جديدة في مختلف الميادين والاتجاهات. وقد فرضت هذه التحولات النوعية في هذا المجال ولادة مفهوم "مابعد الحداثة" ـ "Post - modernisme" لتغطية هذه التحولات التاريخية النوعية الجديدة. ويرى بعض المفكرين أن مفهوم مابعد الحداثة) هو استنساخ جديد لمفهوم الحداثة. وذلك لأن أغلب السمات الأساسية للحداثة ما زالت حاضرة في الواقع وفي فكر ما يصطلح على تسميته بمرحلة الحداثة وممارستها. فمرحلة مابعد الحداثة) ما زالت تعتمد على مبدأ تحرير الفكر الإنساني من طغيان المقدس والمتسامي، وتؤكد أولوية العقل ومفاهيم الحرية الفردية، وهي تطور عملية تراكم المعرفة والتقانة، وهذا يعني في النهاية أن مابعد الحداثة ليست سوى الحداثة بأكمل أشكالها وأسمى تجلياتها. فالحداثة ما زالت حاضرة بحضور عناصر وجودها ومرتكزات انطلاقها التي تتمثل في العاقلية والفردانية والديمقراطية.‏

يصف فرانسوا ليوتار مابعد الحداثة بعدد من السمات و الخصائص والأحوال التاريخية التي تميزها من الحداثة. لقد أدى سقوط الشيوعية، برأيه، إلى دحض العقيدة الماركسية، ولاسيما في جانب المادية التاريخية. وأدت أحداث 1968، إلى دحض مقولة الليبرالية الغربية وشككت في الليبرالية الاقتصادية. وهذا يعني أن كثيراً من المقولات الحداثية قد سقطت وأن الحداثة قد شارفت على نهاية مشروعها الحضاري.‏

وعلى الرغم من أهمية الانتقادات التي يوجهها ليوتار وغيره إلى الحداثة فإن هذه المنتَقَدات لم تستطع الصمود أمام الاختبار العقلي الرصين، وذلك لأن سقوط بعض مقولات الحداثة لا يعني أبداً سقوط الحداثة بوصفها طاقة حضارية وجهت حركة الحضارة الإنسانية قرنين من دون توقف. فسقوط المعسكر الاشتراكي لا يعني بالطبع سقوط الماركسية. نعم كانت الستالينية انحرافاً في تاريخ الحداثة، حيث أسهمت في تعزيز الروح القيصرية أكثر من تأكيدها للقيم الماركسية. والنازية تمثل بالتأكيد انكفاء الإنسان إلى الأشكال البدائية الهمجية للوجود الإنساني. وبالتالي فإن أحداث 68 التي تتمثل في ثورة الطلاب وتمردهم تضع الديمقراطية الغربية في صورتها الحقيقية وتكشف عن مدى الضعف في بنيتها ومدى هشاشتها وانحرافها. ومع هذا كله فإن الانتكاسات التي شهدتها المجتمعات الإنسانية في ظل الحداثة لا يعني نهاية تراجيديا للطموح الإنساني نحو مزيد من التقدم والحرية والعدالة الإنسانية. فالمقولة الحداثية بإمكانية التطوير الدائم لشروط الحياة الإنسانية ما زالت تضج بالحياة وتنبض بالقوة. لقد جرى الاعتقاد في المرحلة ماقبل الحداثة أن تحقيق الطموحات الإنسانية وإنجازها على نحو كامل أمر ممكن، فجاءت الحداثة وبددت هذا الوهم، ولكنها مع ذلك لم تستطع أن تبدد مرحلة ماقبل الحداثة نفسها، حيث بقيت هذه المرحلة كجيوب متقدمة أحياناً في صلب الحداثة عينها النازية والفاشية والستالينية والتوتاليتارية). وهذا يعني أن الحداثة مشروع لم ينجز بعد كما يقول الفيلسوف الألماني المعاصر هابرماس. وفي هذا الصدد تقول الفيلسوفة الألمانية هنه أرنت ـ Hannah - Arendet): إن التوتاليتارية والأنظمة الديكتاتورية انتشرت في القرن العشرين لأن الإنسان المعاصر قد توقف عن التفكير. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هل بدأ الإنسان المعاصر في القرن الحادي والعشرين يفكر أم أنه ما زال على صورته في القرن الماضي؟ وما الذي يسمح لنا بالقول بأن إنسان القرن العشرين قد فكر بدرجة أقل من إنسان القرن التاسع عشر.‏

فمآسي الحربين العالميتين الأولى والثانية لا تضاهي من حيث القيمة المأساوية إحراق قرطاجة في القرن السادس الميلادي. لقد أحرق الرومان قرطاجة ورموا أنقاضها بالملح كي لا تبزغ أبداً!.. ومن ينظر إلى المقولات الماركسية يجد فيها اليوم أشياء جديدة وجديرة بالاهتمام.‏

إن لا يقينية الحقيقة أمر يفرض نفسه في مختلف المراحل التاريخية، وهذا ما تؤكده مختلف المناهج الفكرية القديمة والحديثة. ومهما تكن الانتكاسات والتحديات التي واجهتها الديمقراطية فإن الديمقراطية اليوم على علاتها وخيباتها، ما زالت أفضل من أية مرحلة سابقة في التاريخ الإنساني، وهامش الديمقراطية يتزايد ويتسع ويأخذ مكانه تحت الشمس. برغم كل الصعوبات والانتكاسات التي تواجهها الحياة الإنسانية في المستويات الديمقراطية. إن الديمقراطيات القائمة ديمقراطيات ناقصة وغير كاملة ولكنها موجودة وهي في طريقها نحو الأفضل.‏

فالمذابح الإنسانية ليست جديدة في التاريخ الإنساني، ولكننا اليوم نتحدث عنها ونرفضها وندينها. لقد أدينت العمليات التي أودت بمباني اتحاد التجارة العالمية في نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر 2001 من قبل مختلف التيارات الفكرية والدينية والسياسية عند المسلمين والمسيحيين والبوذيين والليبراليين والتوتاليتاريين أما في مرحلة ما قبل الحداثة فإن هذه المذابح ما كانت تدان أو يعترض عليها حتى في مستوى الدين والفلسفة.‏

إن فكرة ما بعد الحداثة تأتي تحت تأثير نظرة قاصرة منهجياً تعزى إلى اقتراب كبير من الحدث. إن فكرة مابعد الحداثة تحمل في طياتها خطراً كبيراً لأن هذه الفكرة تؤكد نهاية الحداثة، ونهاية الحداثة تعني نهاية التاريخ والعودة إلى مجتمعات ماقبل الحداثة، ورفض معطيات الحداثة ومكاسبها مثل الحرية والفردانية والعقلانية والتسامح والمعرفة العلمية.‏

كانت الحداثة مسرحاً لأحداث إنسانية دامية شهدت قيام أكثر الأنظمة تسلطاً وبعداً عن الحداثة في السياسة في تاريخ الإنسانية مثل النازية والفاشية. وشهدت أكثر أحداث الوجود الإنساني دموية وفظاعة، وقد تمثل هذا في الحربين العالميتين وفي المذابح التاريخية العرقية الأعنف التي شهدها راوندا وكوسوفو والبوسنة. ولكن هذا لا يعني أبداً أن هذه الهمجية التي وسمت حياة الإنسانية في القرن العشرين هي فعل حداثي. هذه الهمجية التي سجلت حضورها تمثل امتداداً لميول إنسانية ما قبل حداثية، إنها جيوب تاريخية لمراحل التاريخ الأكثر همجية وسقوطاً وانحطاطاً في التاريخ الإنساني. وليس لأحد اليوم أن يعتقد بأن سلوك التدمير والقتل والعبودية هي سلوكات وممارسات حداثية. إن مثل هذه المظاهر تمثل بالتأكيد سلوكاً بدائياً رهيباً بمعطياته وتجلياته المختلفة. فالحداثة وإن كانت وفية لمبادئها فإن هذا لم يمنع من سقوط الضحايا، ولم يحرر الإنسانية من انتكاساتها وآلامها. وهذا يعني أن الحداثة لم تتخذ الإجراءات الوقائية الكفيلة بأمنها واستقرارها.‏

لقد شكلت الفاشية نكوصاً حضارياً وعودة إلى الخلف، إنها عودة للسلوك البدائي ماقبل الحداثي، عودة إلى العنف ومبدأ القوة والأساطير والعبادة البدائية للزعيم. وعلى خلاف الفاشية أخذت الشيوعية اتجاهاً معاكساً. ويتمثل هذا في محاولتها تحقيق الحداثة عن طريق تحقيق أهدافها في السيطرة على الطبيعة وتحقيق رفاه الإنسان والمجتمع. ومع ذلك كله شكلت الشيوعية واحداً من أكبر الإخفاقات التي منيت بها الحداثة. لقد أخفقت الشيوعية لأنها كانت توتاليتارية التسلط السياسي) والتوتاليتارية هذه حالة لا تتوافق مع معطيات الحداثة وطموحاتها. إذ لم تحقق الشيوعية الحداثة لأن جوهرها يقوم على التسلط والقهر وهي سمات ماقبل حداثية. فستالين كان يجسد صورة رجل من العصور الوسطى ولم يكن يحمل من سمات الإنسان الحداثي أي صيغة أو مظهر.‏

في المجتمعات التقليدية ماقبل الحداثية كانت الحرب أداة سيطرة وازدهار وتحقيق الذات. كانت الحرب المكان الذي تثبت فيه الجدارة والكفاءة وتتحقق فيه الكرامة. ولذلك كان رجال الحرب يحتلون الدرجة العليا في سلم الحياة الاجتماعية. وهكذا كانت الحرب وقيمها التي تتمثل في العنف والعدوانية والإكراه مجالاً يحقق فيه الناس ذواتهم وانتصاراتهم.‏

أما الحال فيختلف اليوم مع الحداثة. فالتسلط والتوتاليتارية أي الاستبداد الشمولي). والإكراه والعنف والحرب قيم مرفوضة بحد ذاتها. فالإنسانية تعيش حالة حروب تنشب هنا وتهب هناك ولكن هذه الحروب مرفوضة وينظر إليها بوصفها أموراً مخجلة ومهينة. وبالتالي فإن جميع الدول تعمل على إخمادها وإيقافها وإطفاء نارها، وغالباً ما ينظر إليها على أنها حالة من حالات المجتمعات البدائية المتوحشة.‏

والبلدان الأكثر حداثة التي تمتلك اليوم أحدث الأسلحة النووية والتقنيات العسكرية العالية غالباً ما توظف هذه الأدوات في منع الحرب قبل وقوعها بالمعنى التقليدي للكلمة. فالجيوش اليوم لا تحارب غالباً بقدر ما تريد منع الحرب. ففي أحداث البوسنة والهرسك وكوسوفو لم ترغب أية دولة أوروبية في استمرار الحرب.‏

إن حروب المدن والعصابات والأحياء المدنية تأتي نتيجة للفقر والبؤس و البطالة والجهل. أما سقوط مبنيي اتحاد التجارة العالمية في نيويورك فيأتي تعبيراً أيضاً عن الإحساس بالظلم والقهر الذي تعيشه بعض شعوب العالم تحت الهيمنة الأمريكية في العالم. وغالباً ماكان يعزو الباحثون والمفكرون هذه النزعة التدميرية الهائلة إلى ما تمارسه الولايات المتحدة من قهر ضد الشعوب، ولاسيما مناصرة إسرائيل ضد الشعب العربي في فلسطين، ومواقفها التي تتميز بالغطرسة والانحياز والفوقية.‏

ومع ذلك كله يمكن القول إن نمط التفكير الحداثي يعتمد على التسامح ويسعى إلى نبذ العنف. لقد أكدت الحداثة منذ البداية منظومة من المفاهيم يأتي في طليعتها مبدأ العقل ضد مبدأ القوة، والديمقراطية ضد الصراع العسكري المدمر، والتحليل العلمي في مواجهة الدوغماتية العقائدية. ومهما يكن الأمر فإن الحداثة ترفض العنف والتسلط والتوتاليتارية وتدين كل ما من شأنه أن يلامس كرامة الإنسان ويعطل طاقاته ويضعف من إمكانيات انطلاق نحو عالم أفضل. فالحداثة كانت وما زالت تؤكد أهمية التحليل والتنظيم والتأمل العقلي والتدبير وهي وعلى هذا الأساس ترفض كل أشكال العنف والتسلط وصورهما. وإذا كان العالم يشهد حالة متزايدة من العنف بوصفه ردُّ فعل على إخفاقات الحداثة فإن هذا العنف ليس في جوهر الحداثة أو في مضامينها وهويتها.‏

إن السؤال الذي يطرح نفسه هنا وهو لماذا ولدت الحداثة في أوروبا في القرن الثامن عشر وليس في بلاد الإغريق في عصر أرسطو وإرخميدس؟ أو لماذا لم تولد في عهد المسلمين في عهد ابن رشد وابن خلدون؟ والإجابة ليست عصية في هذا المستوى. فالحداثة لم تشهد ولادتها في هذه المجتمعات لأنها كانت مجتمعات عبودية. وفي معرض الإجابة عن السؤال السابق يطالعنا ميشال سيرس Michal Serres برأي يتميز بطابع الغرابة إلى حدّ ما. فالحداثة لم تشهد انطلاقتها في بلاد الإغريق بسبب الطابع القدسي الذي أحاط بالحياة والإنسان في هذه المرحلة. فهناك تعدد في الآلهة وهذا يغذي طابع القداسة التي تنسب إلى مختلف مكونات البيئة، والوجود في العصر الإغريقي القديم. فكل شيء في الطبيعة مقدس أو سماوي إلى حد ما. ولذا كان من الصعوبة بمكان معالجة الأشياء ومكونات الطبيعة بشكل آلي أو يدوي لأنها مقدسة، ولأنها مقدسة فإنها تمتنع على المعاينة والمعالجة والاستقصاء. إن تحقيق التطور التكنولوجي كان ممكناً بالنسبة لسيرس في ظل الدين الواحد وفي عهد المسيحية التي استطاعت أن تفصل يبن الدين والدنيا بين الروحي والمادي. وهذه الرؤيا تبدو لنا متناقضة إلى حد ما لأن الإسلام أدان لله الواحد وفصل بين العالم المادي والعالم الروحي فلماذا إذن لم تتحقق الحداثة في ظل المجتمعات الإسلامية؟..‏

وبعيداً عن كل ديماغوجيا يمكن التأكيد بأن الحداثة وليدة عصرها وشروط وجودها التي تمثلت في عدد كبير من المعطيات والشروط والتي في طليعتها ظهور العلم التجريبي والتقنية والتكنولوجيا، وظهور الاكتشافات العلمية الكبرى التي لم تشهدها بلاد الإغريق أو المجتمعات الإسلامية. ومن هذه العوامل أيضاً زيادة عدد السكان أو الانفجار السكاني، وظهور البرجوازية التجارية الغنية، واكتشافات عصر النهضة، وظهور الفردانية غير معروفة في بلاد الإغريق والعرب). هذا من غير أن نحسب الاكتشافات في المفاهيم وفي مجال الرياضيات تحديداً. وباختصار ولدت الحداثة على خلفيات من العوامل التاريخية المتنوعة.‏

جيوب المقاومة:‏

يوجد في جغرافية الحداثة مناطق ما قبل حداثية، وهذا لا ينفي وجود قوى معادية للحداثة، ولا يخفى أننا نعيش في عصر يموج بعقليات وأنماط تفكير وثقافات ومجتمعات مناهضة للحداثة. فالمعتقدات التقليدية لا تعبر عن حالة حداثية لأن معطياتها لا تتوافق مع التفكير الحداثي الذي يرفض جميع أنواع التصورات المسبقة والأفكار الأسطورية والروح الميتافيزيائية التي تنتعش في الفكر الغيبي بصورة عامة. ومن المعروف بالإضافة إلى ذلك وجود مجتمعات إنسانية تعيش اليوم بكامل طاقتها على هامش الحداثة وتناهضها. ومع أن المعتقدات الدينية تعزز حالة معادية للحداثة فالحداثة تترك بدورها للدين مجاله الحيوي وهي لا تتعمد كسر شوكته. لقد استمر الدين بمعتقداته المختلفة بتشكيل سلوك الناس ومعتقداتهم بصورة لا تستطيعها الحداثة عينها.‏

وغني عن البيان أن الحداثة استطاعت وإلى حد كبير تحقيق التوازن والتكامل بينها وبين المجتمعات التقليدية والمعتقدات الدينية والميتافيزيائية السائدة هنا وهناك. لقد عرفت اليابان بهيمنة التقاليد وسيطرتها ومع ذلك استطاعت اليابان أن تتمثل الحداثة وأن تحدث تغيرات جوهرية في خصوصيتها الثقافية والروحية. وكذلك هو حال الهند التي تعرف بثقافة تقليدية يندر مثيلها في تاريخ الإنسانية ومع ذلك استطاعت الهند أن تمتطي موجة الحداثة وأن تحقق انتصارات هائلة في مختلف جوانب الحياة والوجود.‏

فالحداثة ظاهرة إنسانية معقدة في بناها ومظاهرها وهي إيجابية في أكثر معطياتها وعناصر وجودها. وهي سليبة في كثير من مظاهرها. ومع ذلك كله لا يمكن لأحد أن يتجاوز معطيات الحداثة أو أن يتجاهل حضورها لأن العالم لا يستطيع أن يستمر في الوجود من غير الحداثة التي تتمثل في هذه الروح الداخلية التي تحكمها. وبالتالي فإن تجاوز الحداثة في المستوى المادي أمر يضاهي المستحيل إذ لا يمكن لأحد اليوم أن يحلق من غير طيرانها، وأن يتواصل مع الآخرين من غير أدواتها التي تتمثل في سيل لا ينقطع من اختراعات التواصل. ولا يمكن لأحد أن يعالج نفسه من غير علومها الطبية ومختبراتها ومخترعاتها. والبلدان التي حاولت أن تحدث هذه القطيعة انحدرت اليوم إلى الدرك الأسفل من الظلامية والتخلف كما يحدث في أفغانستان وإيران وغيرها من البلدان المناهضة للحداثة.‏

وإنه لمن المستحيل اليوم أن نتخذ موقفاً انتقائياً من الحداثة كأن نهمل جوانبها السلبية ونأخذ جوانبها الإيجابية، لأن الحداثة كلٌّ لا يقبل التجزئة، فهي لا تتأتى في أجزاء ولا يمكن تقطيع أوصالها. ولذلك لا يمكن أن نتحرك مع الحداثة بأنصاف الدوائر. فمن غير حرية التفكير لا توجد هذه الروح العلمية والحضارية، وهذا يعني أن إسقاط ما نراه سلبياً والاحتفاظ بما نراه إيجابياً، في الحداثة مخادعة مرفوضة منهجياً في منطق الحداثة.‏

فالحداثة ضرورة تاريخية، وبالتالي فإن التخلي عن الطب والتغذية والصناعة يعني الموت والعدم والمجاعة، وبلدان العالم الثالث محاطة بالحداثة ولا يمكنها أن تخرج منها، أو أن تتجاوزها. لقد بينت التجربة أن محاولات الخروج من الحداثة كانت بمثابة انتحار حضاري. واتضح عبر تجارب بعض البلدان أن القطيعة مع الحداثة يؤدي إلى حالة تراجيدية من المذلة والخضوع والظلامية كما حدث في أفغانستان النموذج الأعلى لظاهرة الخروج من الحداثة. لقد تبين بوضوح أن التشدد الأفغاني ضد الحداثة لا مستقبل له، لأن زعماء القطيعة مع الحداثة أوصدوا أبواب المستقبل نهائياً أمام شعوبهم ولم يستطيعوا مواجهة المشكلات التي تتحدى مجتمعاتهم أو أن يقدموا أي حلّ لأية مشكلة من مشكلات الحياة التي تواجههم. لقد انتقلوا بشعوبهم إلى حالة ظلامية محزنة حيث بدأ يخيم الجوع والجهل والمرض والعنف والصراعات الدامية. إنه لمن المرارة بمكان أن تقوم السلطات في كابول بتدمير أهم آوابد التاريخ تماثيل لبوذا) التي كانت تدر على البلاد مصدراً حيوياً للدخل الوطني والقومي، برغم النداءات العالمية حتى الإسلامية منها. ومن الأغرب تماماً أن هذه السلطات كانت تهدم تمثال لبوذا بيد وتستجدي الطعام والمؤن والمساعدات الإنسانية من العالم المتقدم وكأن الحصول على العون من أمريكا عدوة الشعوب مشروعاً تاريخياً وفقيهاً. من ينظر إلى أفغانستان سيجد أن كل مشاهد الحياة تعتمد على العون الخارجي والاستجداء إلى حدّ التسول الذي يشمل مؤن المستشفيات ومراكز للعون الصحي، أما الإنتاج الوطني لحكومة أفغانستان المتشددة فهو العنف والدمار وعبودية المرأة والكراهية والتعصب والهمجية البدائية من كل حدب وصوب.‏

وأخيراً يجب القول إنه لا يجوز رفض الحداثة ولا يمكن ذلك أبداً. حتى إن رفض الحداثة بذاتها يجب أن يعتمد بالضرورة على معايير الحداثة ذاتها، على أساس منطق الحداثة ومنهج التفكير الذي صقلته وقدمته للإنسانية جمعاء. ونحن في النهاية حتى في مجال الصراع والمواجهة لا نستطيع أن نقارع الحداثة إلا بأدواتها وليس بأدوات تقليدية سابقة للحداثة.‏

مراجع الدراسة:‏

Jean - Pierre Pourtois et Huguette Desmet, Léducation postmoderne. P.U.F. paris. 1997.‏

Donilo Martuccelli, Sociologie de la modernité , E. Gallimard , Paris . 1999.‏

Jean - Pierre Pourtois et Huguette Desmet, Léducation postmoderne. P.U.F. paris. 1997.‏

A.Giddens. Les conséquences de la modernité. Harmattan, Paris. 1994.‏

Tom Rock More, La modernité et la raison, Habermas et Hegel, In Archives de philosophie 52, 1989 p 177-190.‏

A . Touraine , critique de la modernité. Fayard. Paris. 1993.‏

L' enc yclopédie francaise Universalise, Livre Numéro . 20 Paris. 1995. P318.‏

Jurgen Habermas. "La modernité, Un projet inachevé. Un Projet inachevé. Un prouet inachevé. Critique , N 413 , Octobre. 1981. pp 950- 967.‏

Jean - Francois Lyotard. La condition Postmoerne. Minuit. Paris. 1979.‏

(1) Regardez : Alain B.L. Gerard, Le Cadre d"une nouvelle Ethique . Ethique et modernité. Ethique et modernité. ERE. Paris. 1998.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244