جريدة الاسبوع الادبي العدد 798 تاريخ 9/3/2002
Updated: Tuesday, September 30, 2003 04:27 AM
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

بمناسبة فوز الدكتور حسام الخطيب بجائزة الملك فيصل سندباد المعرفة والتحدي الأكبر ـــ د.عبد النبي اصطيف

ربما كان التحدي الأكبر يواجه المثقف الباحث، أو الباحث المثقف، في المجتمع العربي المتطلع نحو الانتماء بحق إلى العالم المعاصر، هو التوفيق بين مشاركته في العمل العام الذي يسعى من خلال إلى تحقيق ذاته بوصفه عضواً في مجتمع يتفاعل معه ويمارس فيه وظيفته (أو وظائفه) التي أسندت إليه، ويُسهم على نحو ما في تغيير واقعه وبلوغ بعض تطلعاته إلى مستقبل أفضل لهذا المجتمع، وبين قدرته على الإسهام الخاص الذي يحقق من خلاله طموحاته بوصفه باحثاً يعمل ضمن تقليد بحثي في حقل معرفي معين اختاره ويودّ أن يخلف وخلال عمره المحدود نسبياً إرثاً يُذكَر له، ويُذكِّر به، ويُنسب إليه، ويحمل اسمه في مجتمع يخضع لتحولات كبرى على جميع المستويات. وكثيراً ما خَسِر العلم والمعرفة في المجتمع العربي الحديث باحثين مؤهلين تأهيلاً عالياً، وواعدين جداً، وقادرين على إضافة ما، أو إسهام ما، أو فتح ما، في حقل تخصصهم، وكثيراً ما ضحى هذا المجتمع بهؤلاء الباحثين من أجل تجنيدهم للعمل العام السياسي أو الاجتماعي أو التربوي أو الإداري، بعدما أنفق الوقت والجهد والمال في سبيل إعدادهم لما خلقوا من أجله من البحث والدراسة والتحصيل والإرتقاء في معارج العلم والمعرفة، وكان حاله في هذا حال غارس النخل الذي يُؤخَذ وقد رأى نموّ نخله وجماله بظله ومظهره وتناسقه، فيقتله ويضعه صوى أو زينة في الشوارع العامة، أي يوظفه لغير ما أعِدَّ له أصلاً، ولربما رأى فيما بعد في الثمر الجنيّ الذي يحمله عبئاً ينبغي التخلص منه. إذ إنه ربما يُسبَّب مشكلات يومية يمكن أن يستغني عنها، كالعناية به أو جمعه أو توزيعه، أو غير ذلك مما لا يتلاءم مع الوظيفة التي اختلقها له. ولذا يتداول الناس مطلباً يردّدونه في مختلف المجالس في مجتمعات دول الجنوب هو "وضع الرجل المناسب في المكان المناسب "يرون فيه سبيلاً للإصلاح واللحاق بركب الدول المتقدمة التي يُعزى إليها التمسك بهذا المبدأ نهجاً في تنظيم شؤونها وتعبئة مواردها والنهوض بمختلف جوانب حياتها.‏

والناظر في سيرة حسام الخطيب العلمية والمهنية، بوصفه باحثاً مثقفاً أو مثقفاً باحثاً، جمع بين البحث والدراسة والنقد والتأليف من جانب وبين العمل العام مدرساً ومحرراً وأستاذاً جامعياً وإدارياً علمياً وبرلمانياً نشطاً على المستوى القطري والعربي والدولي من جانب آخر، لا يسعه إلا أن يغبطه، غبطة ما بعدها غبطة، على تمكنه من التوفيق وبدرجة ملحوظة بين النجاح في العمل العام وأداء الوظيفة الاجتماعية أو الوظائف الاجتماعية -المنوطة به على وجه مرضٍ من جهة، وبين النجاح في العمل الخاص العمل البحثي الذي يسعى من خلاله إلى دفع المعرفة الخاصة به خطواتٍ نحو الأمام من جهة أخرى. بل وأكثر من هذا فإن إسهامه في ميادين البحوث التي عمل فيها وخلال العقود الأربعة، والذي يُعَدُّ بحق صوى بارزة لا يمكن تجاهلها من جانب أي متخصص في هذه الميادين، مرتبطاً وعلى نحو عضوي بعمله العام الذي تبادل معه "التحفيز" (motivation) بصورة جعل كل منهما مديناً للآخر بطريقة أو بأخرى. وثمة، فوق كل ما تقدم، خيط خفي يتخلل كل إسهاماته البحثية هو تساميه المستمر في مسعاه نحو الأفضل في كل فرصة تتيسّر له هذا التسامي الذي يتجلى في مراجعته لعمله وتطويره وإغنائه حتى يستقيم له في صورة أفضل من سابقتها، وكأن شعاره الذي يحكم عمله البحثي "لا ترضَ بالحسن، فتش عن الأحسن". ولا شك أن تكوينه الثقافي الذي جمع فيه بين الثقافتين العربية والغربية، ينهل منهما ويعلّ على نحو مستمر، قد ساعد على توسيع آفاق نظرته إلى الأمور التي يتفحصها، وعلى وضعها باستمرار في إطار أوسع يكفل رؤيتها على نحو أكثر موضوعية مثلما يضمن الارتقاء بمعايير تقويمه لها نتيجة الأخذ بمبدأ "حسن النسبة" (sense of Proportion) الذي غالباً ما نفتقده في الثقافة العربية الحديثة، ولا سيما في تلك الميادين والوجوه المتصلة بالريادة واستشراف الآفاق الجديدة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244