|
||||||
| Updated: Tuesday, September 30, 2003 04:27 AM | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
المتفجّرون عشقاً ـــ معتصم عيسى تبدو الذاكرة أكثر تحفّزاً واتّقاداً كلّما تداعت صور الماضي البعيد، تستعيد الذاكرة جزءاً من حيّويتها وهي تستعرض مساحات ضمّت ملاعب الطفولة والأهازيج الشعبية التي غفت على أكتاف هضابٍ لم تعد تطيق غربة الساكنين وسطوة الوافدين.. ويحدّثك اليوم طفلٌ شقِّ براعم براءته حديثاً كي يختم شجونه بتساؤل يعذّب الكبار: لماذا يحدث كلّ هذا؟ تتساقط أثواب العقلاء أمام سؤالٍ بقيت إجاباته معلّقة على مشجب الحيرة وهي تراقب صعود المتفجّرين وتساقط الغرباء. نعيد للذاكرة بعض حضورها وندفعها نحو تلك الهضاب التي بقيت أهازيج الأجداد مسترخيةً فوقها، وهي تئنّ من فرط اشتياقها.. تنتصب بعض وجوه الغرباء الذين أعملوا أظافرهم في أعناق الطفولة، وكأنها تأبى إلا أن تحاور صمتنا بكثيرٍ من القبح والإثارة. يأتي الردّ بريئاً وفاعلاً بحجم أكفّ الأطفال الذين تشبّثوا بالحجر كمركب نجاةٍ أخير.. ينطلق الحجر وهو يشقّ حجاب الصمت المقيت.. تدور الأكفّ باحثةً عن ذخيرةٍ إضافية تكون بديلاً عن الأسلحة المهملة في زوايا الشحوب الرسمي الأبدي. ترد بعض الإجابات المهتزّة على ضفاف السؤال البكري "لماذا يحدث كل هذا..".. أولى تلك الإجابات تنطق بلغةٍ تخلو من طلاسم السياسة وألاعيب الممكن والمتاح، تقول تلك الإجابة: لكلّ -غالٍ ضريبته الكبرى، والحرية تسمو فوق كلّ غالي. أمّا دفاتر المثقفين وأوراق الشعراء فتقول شيئاً أكثر التصاقاً بالحلم، إنها تتحدث عن غابةٍ تجوسها الذئاب على أسنانها بقيّةٌ من دماء الطفولة. وبين هذه وتلك، تحتضن الذاكرة مشهد الزيتون وهي يمارس احتفاليته الفطرية على وقع الزنود التي تستقبل مواليد الطبيعة بكثير من المحبة والأمل. بقيت تلك الصورة نقيّةً وزاهية على مدار عدة حلقات متواترة من الزمن البعيد، ولم تعكّر صفوها سوى تلك الغربان التي حطّت على أطراف الهضاب كي تلتهم خبز الأطفال وضحكاتهم. ترى ما الذي يدفع الإنسان لصياغة صكّ رحيله نحو العالم الآخر؟ يدّعي بعض المتهالكين أن رحيل أولئك الذين يتمنطقون بقنابل الموت وسط أعدائه، يمثل نهاية الرحلة وانقطاع الحبل السّري الذي يصلهم بالحياة ومكوّناتها البدائية. لكن أكفّ الأطفال وضحكاتهم.. وكسرات خبزهم المغتصبة قرب أطراف الهضاب، تشهد على ولادة حياة، أخرى ينبعث من مأساويتها حبلٌ سرّي في غفلة من الأحياء وهواجسهم. نعم أيها السادة المتهالكون على مقاعد الهروب، إن رحيل المتفجّرين ليس سوى نهايةٍ آنيّة للحظةٍ عابرة، وبداية ملحمية لدماء تسري في عروق القادمين من بعدهم. تلك الدماء الدافئة سوف ترفع بعض الأكفّ الصغيرة كي تلوّح للطيور العائدة بعد حلقة من الزمن القادم.. تلك الدماء العاشقة سوف تسند بعض الزنود، وتمنحها عزيمةً تمكّنها من التقاط الزيتون المتهاوي حبّاً وأملاً.. لم يعد السؤال الطفولي مبهماً أو محيّراً، فالمتفجّرون عشقاً يجيبون عنه في كل يوم.. ومع كل رجفةٍ تهزّ تماسك الغرباء. إنهم يقدمون للمثقفين والسياسيين درساً "يصعب تعويضه" في حب الأرض واجتراح المعجزات. من أجل أولئك المقتولين عشقاً وكرامةً تنبض القلوب وتشدو أجمل أغنياتها العذرية.. وعلى آثارهم ترتسم ضحكات الأطفال الذين لابدّ أن يستعيدوا شيئاً من براءتهم وملاعبهم الأولى. بهم ومعهم تستمرّ الحياة، وتعمّ الأهازيج أركان الأرض التي لفظت أشلاء الغرباء، وهي تمنح مزيداً من المساحات المؤجلة لأزهارٍ تفوح بعطرٍ سوف يذكّرنا دوماً بالراحلين عشقاً. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |