|
||||||
| Updated: Tuesday, September 30, 2003 04:27 AM | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
قراءة نقدية في المجموعة القصصية تاء مربوطة1 للقاصة فاطمة يوسف العلي ـــ د.ياسين فاعور أولاً ـ تقديم: "تاء مربوطة" المجموعة القصصية الثالثة، للكاتبة الكويتية فاطمة يوسف العلي، بعد مجموعتيها: "وجهها وطن"، و"دماء على وجه القمر". تمتدّ على مدى مائة وثمانية عشرة صفحة من الحجم المتوسط، وتضمُّ عشر قصص قصيرة متفاوتة في عدد صفحاتها. صدرت عن مركز الحضارة العربية، وتحمل عنوان القصة الثانية، تتكامل لوحة الغلاف بشكلها وألوانها وإيحاءاتها مع عنوان المجموعة ودلالته، وتستثير قارئ المجموعة لتقليب صفحاتها، وقراءة فهرسها، حتى إذا ما استقر عند قصة "تاء مربوطة"، وهي القصة التي حملت المجموعة عنوانها، كانت وقفة التأمل. وبين لوحة الغلاف وعنوان المجموعة (تاء مربوطة) ومضمون القصة التي حملت المجموعة عنوانها تتوارد مجموعة أسئلة: ما الذي تعنيه القاصة بالتاء مربوطة؟ أهي تاء التأنيث؟ ولماذا؟... أم أنَّ هناك دلالات أخرى؟ وأهداف أخرى تثيرها القاصة، أو تعنيها؟... وكلها أمور مشروعة... إلى أنْ يأتي الجواب سريعاً"أبداً... التاء مربوطة.... أصل الكارثة... ألغو هذه التاء اللعينة، تستقيم العدالة...".(ص16). مثيرات متعددة تحفز القارئ إلى تقليب صفحات المجموعة، وقراءة فهرسها، فتطالعه قائمة قصص المجموعة "خالتي موزة، تاء مربوطة، عندما كان الرجال.. حريماً للسيدة، ما فيها شيء، أنا.... وهو.... وهو، هلا.... يا عيوني، فتاة.... وحيدة، أوجاع امرأة.. لا تهدأ، رنين... جسد". عناوين متعددة، مختلفة الشكل، متفقة المضمون، منها ما جاء على شكل جملة اسمية مبتدأ وخبر "خالتي موزة، تاء مربوطة، أنا وهو... وهو، فتاة وحيدة، أوجاع امرأة... لا تهدأ، رنين جسد، الثالثة... آه"، ومنها ما جاء على شكل جملة فعلية طويلة "عندما كان الرجال... حريماً للسيدة، وقصة وحيدة جاءت على شكل أسلوب ترحيب وتكريم"هلا.... يا عيوني".. وبين التقرير و الخبر والترحيب والاستفهام والنفي يقضي القارئ زمناً في تحليل مضمون القصص، وربما عاود قراءة بعضها، ليعيش مع الراوي/ البطل أحداث القصص وتطورها، وتتماهى القاصة في شخوص رواتها، وتنطقهم أفكارها ومشاعرها، ويعبرون عنها. ثانياً: المجموعة: تضمُّ المجموعة عشر قصص قصيرة، متفاوتة في عدد صفحاتها؛ أقصرها في خمس صفحات "خالتي موزة"، أنا.... وهو..... وهو"، وأطولها في سبع عشرة صفحة "أوجاع امرأة.... لا تهدأ"، وتتوزع قصص المجموعة الأخرى، بين ست صفحات " تاء مربوطة" وثماني صفحات "عندما كان الرجال حريماً للسيدة"، وتسع صفحات "مافيها شيء"، وعشر صفحات "هلا يا عيوني، فتاة وحيدة"، وثلاث عشرة صفحة "الثالثة.... آه"، وست عشرة صفحة "رنين جسد". لوحات بانورامية التقطتها القاصة من حياة المجتمع في الكويت، أداتها في ذلك عين لاقطة، تنقل الصورة بدقة، تبرز جزئياتها وتفاصيلها الدقيقة والصغيرة، وذاكرة قوية تختزن الحدث، وتضفي على الصورة وشاحاً، ولغة جميلة توّشي الصورة بألوان الحياة، مسراتها وأحزانها. تتأمل القاصة حياة المجتمع، وتدقق في حياة المرأة، ثم تقدمها لنا في حزنها وفرحها، في معاناتها وطموحاتها، في صمتها ونطقها، وفي همسها وبوحها، كلُّ ذلك ضمن ثنائية/الرجل/ المرأة/. واختيار القاصة عنوان القصة الثانية "تاء مربوطة"، عنواناً للمجموعة القصصية لم يكن عفوياً، وإنما كان لغاية في نفسها، أرادت أنْ تجعل منه مدخلاً لطرح مشكلات المرأة، كما أرادت أن تجعل من مقعد المرأة في الطائرة في القسم المخصص للرجال مدخلاً لموضوع المرأة وسلطة الرجل: "ليس عندي وقت أُضيِّعُه معك... الطائرة مقسومة.... الجزء الأول للرجال، عندنا الاختلاط ممنوع... أظنّ الأمر واضح الآن". (ص14). لأنَّ هذه المقاعد "حقوق مكتسبة للشوارب واللحى"، (ص15)، فهم أصحاب الرأي والسلطة، وعندما تستنجد بالمضيفة تجيبها: "ببساطة... إنّه زوجنا... أنا الجديدة... وزميلتي القديمة، فكيف نعترض على أفكاره".(ص16). وعندما تناقشها بمهمتها ومهمته تجيبها: "أرأيت!؟ مضيف... ومضيفة... هناك فرق.... تلك التاء....".(ص16)، وتؤكد لها بذلك أنَّ كونها امرأة هي نقطة الضعف: "أبداً... التاء المربوطة... أصل الكارثة... ألغوا هذه التاء اللعينة تستقيم العدالة"، (ص16). حتى إذا ما حاولت إحدى المضيفات الاستفادة من ميزة (التاء) هذه "التاء المربوطة هي التي جعلته يطاردني حتى تزوجني... وانصرف عنها... لابد من الاحتفاظ بالتاء المربوطة"(16)، وكاد أنْ ينشب صراع (الضراير)، كانت لغة الجسم عند الرجل "حيلكم بينكم... وأنا السلطان"(ص17). ضمن ثنائية الرجل والمرأة تطرح مشكلات متعددة، موضوع تعدد الزوجات نجده في قصتها: "الثالثة....آه"، متمثلاً في سلوك القرصان، حيث تقترن الشراسة بالعاطفة الثائرة، "إنه يلعب بالسيف وبقلوب العذارى، يداعب مقبض السيف وحلمات الصدر الناهدة، يقبل الرصاصة قبل أنْ يقذفها في قلب عدوه، ويقبل الشفاه الملتهبة بعشق القوة"(ص60). فالرجل أمام رغباته لا يعرف الفشل "لن يسمح بالفشل هذه المرة، إنَّها الثالثة.... والثالثة ثابتة... الثالثة... آه، يؤمن في أعماق نفسه أنَّ الثالثة مهمة جداً.... ولا شيء بعد ثلاثة، إنّما هو الانطلاق في الجري والمسابقة"(ص61)، وهو يستعمل حقّه المشروع في تعدد الزوجات، ويجيد لعبة الانتصار، فلو قالت له: "لقد تزوجت قبلي مرتين... فلماذا أكون الثالثة؟... والثالثة... آه"، (ص61). فإنَّه يجيد أسلوب الإقناع "أنت مختلفة تماماً... أنا عانيت... تعذبت.... استحملت.... ضقت... واحدة مغرمة بالسياسة، والثانية مثل السفينة المربوطة في الميناء لا تفكر إلاَّ بأهلها، والثالثة تعبدُ أطفالها ولا تفكر إلا بهم... أما البغل الذي يجر العربة... أنا... أنا بالتحديد... لم تكن تعطيه أيَّ اهتمام... إنّني أحلم بزوجة... تؤكِّد كُلَّ يوم ٍأنّها زوجتي... ها... ما رأيكُ أيتها الجميلة"(ص70)، و الرجل الذي يتزوج الألمانية سليلة السلاف، ويظنُّ أنَّه امتلك العالم، سرعان ما تتغير الأحوال: "أنتَ ظهرت على حقيقتك... ولم تكن الرجل المناسب"، (ص53). تختلط عليه الأحلام بالواقع، ويعيش هاجساً بالقادم الذي يُغيِّر مجرى حياته، ويثير العاصفة عليه، وعلى مَنْ حوله، لكنَّه يظلُّ مشدوداً إلى شرقيته. والرجل المزواج في قصة: "أوجاع امرأة لا تهدأ"، "الأب الذي ملأ جيوبه من عرق الكادحين، ملأ أيضاً قصره ذي الأسوار العالية بالنساء، العربية السمراء، والشامية البيضاء، والكردية العملاقة، والزنجية في لون الأنبوس".(ص89). والرجل الذي يكون ضحية عبث المرأة حين يتسابق العشاق على المرأة، ويسقط منْ يسقط، ويفوز باللذة الجسور: "وفي الجهة الأخرى من الزاوية وجدته حبيبي متكسراً، مسموماً بفتافيت الغيرة والغضب... لقد انتصر عليه شريكه بي".(ص44). أمّا المرأة فتبقى هي المرأة الشرقية، لا تقوى على فكّ قيودها، وتجاوز محنتها، تندب حظَّها "التاء المربوطة أصل الكارثة... ألغوا هذه التاء اللعينة، تستقيم العدالة"، (ص16)، وتحمل وزر اسمها حتى ولو كان فاكهة (موزة)، "هل أولاد خالتي يزرعون أشجار الموز أمام الشاليه الذي يقضون فيه إجازتهم؟ وهل يبتسمون حين ينطقون هذه الكلمة، أم تعودوها كما يتعود كلّ إنسان اسمه"(ص7)، تواجه قدرها كما تواجه شجرة الموز قدرها المحتوم "إذا لم تقتلع الأم لن يكبر أولادها"، (ص9). تغوص القاصة أعماق التاريخ لتستقرئ وضع المرأة سابقاً، أيام كان الرجال حريماً للسيدة، تأمرهم فيطيعون، "قالت كلمة واحدة لم أفهمها. لكنَّ الرجال العشرة قفزوا خاضعين ونطق كُلٌّ منهم اسمه الذي لم أتبينه"(ص23)، إنّهم مجرد أزواج، بلاوي "لا تصلح إلاَّ للبيت"، "وكانوا يقفون أذلاء كأنَّهم في طابور السجن"(ص23). وعندما تعقد المقارنة بين الماضي وا لحاضر الذي تكتفي فيه المرأة بزوج واحد، يأتي صوت الاستنكار من الماضي "واحد...؟! واحد؟!... هذه فضيحة في أمثالنا، أكثري من الأبقار، والرجال قدر الاستطاعة... فالذي لا يصلح للحلب يصلح للحرث"، (ص24). لكنَّ هذه الكثرة من الأزواج لا تغني "ديميتير نفسها إلهة الخصب متزوجة من جميع الآلهة وهم لا يكفونها، آخر أخبارها، أنّها تبحث عن عشيق"، (ص26). وتهتدي البطلة في نهاية المطاف إلى الحقيقة المرة "لا راحة في الدنيا"(ص27). هذه الحقيقة التي تؤدي إلى سبيلين لا ثالث لهما، إمَّا العنوسة، كما حدث لبطلة قصة "فتاة وحيدة"، (طيبة)، التي "اعتزلت أمَّها ما أمكن، فعاشت في العلن على ابتسامة والدها، وفي السرِّ على تدخين السجاير، وفي الأماني، على انتظار الزوج الذي لابدَّ سيأتي، وتبدأ معه حياة جديدة"(ص78)، لكنَّ هذا الحلم لا يتحقق أمام غطرسة الأم وكبريائها وشروطها في الخطيب، وهي التي تزوجت زوجها من عائلة تختلف عن عائلتها في مستوى الثراء، "عَجِبَتْ لماذا تتنكر أمها لأصلها، والمهم أنَّ الخاطب اختفى مثخناً بالجراح"، (ص78). وإمَّا أنْ تعيش حياة عابثة، تكون لعبة الرجل كما هي امرأة الهاتف بطلة قصة "رنين جسد" تكتوي بنار حرقتها ومشاعرها "وجلست في مكانها تنتظر الرنين، ورنين صاخب داخلها لا يتوافق... ينتظر....". (ص117). أو تعيش امرأة عابثة "ماذا تفعل ورغباتها أقوى منها؟!.. رغباتها بركان يقذف بالحديد المصهور، والتراب المذاب، والماء الغالي، والغازات القاتلة...."، (ص85)، لا تستجيب لنصح، ولا تحافظ على سلوك: "إنَّها لا تعرف أيَّ شيطان يدفعها إلى أنْ تجد لذتها في الإعلان عن رغبتها... ليست رغبة في الشجاعة والحرية، وليست مسألة صدق مع النفس، كما فعلْنَ في مجالسها الليلية... المسألة داء لا تعرف له سبباً... ولأنها لا تعرف لم تجد له دواء..."، (ص87). تتماهى القاصة في روات قصصها الذين عرفناهم بالاسم قليلاً، وبالصفة أو اللقب والإيحاء أحياناً كثيرة، تنطقهم أفكارها ومشاعرها، فيعبرون عنها في مواقف حياتية ملتقطة من واقع الحياة، يبوحون بهموم المرأة وأحاسيسها. وحضور القاصة من خلال الرواة، وهموم المرأة وثنائية الحياة/الرجل/المرأة/ تبدو في المجموعة من خلال سمات عدة نلحظها في: 1 ـ اللغة الفصيحة: التي ترقّ أحياناً كثيرة، حتى تبدو لغة الحديث اليومي، والحوار المتداول، يشوبها بعض ألفاظ اللهجة الكويتية "هلا.... يا عيوني"، "هذا حافي ما يصلح لنا، طمعان في مالنا"، "لايَمه صبحك الله بكل خير، أنا ما نمت عشان أصحى"، وترقى أحياناً لتصبح لغة شاعرية مشحونة بالعواطف والأحاسيس والمشاعر، ويبدو ذلك جلياً في قصة "أنا... وهو..... وهو....."، وكأنَّ القصة قصيدة شعرية.. 2 ـ الوصف الدقيق: والقاصة بارعة في تصوير المشهد، تغوص أعماق النفس، وتبرز دقائق الأمور وجزئياتها، تصف الداخل عندما تعبر عن مشاعر بطلة قصة "رنين الجسد"، وتصف الخارج والحركة حين تصور رجل الهاتف "نصف حركة من أنفه، نقل السماعة إلى أذنه الأخرى، سحب نفساً من السيجارة، أطلق نفسه الدافئ عبر الهاتف، كأنَّه يصب في أذنها"، (ص104). 3 ـ شخوص القصص: بدت شخوص القصص في كثير من القصص بحكم المطلق، وذلك إمعاناً في الرمز المقصود (الرجل/المرأة)، وكان الراوي الشخصية المحورية التي تتركز حوله الأحداث، ينقلها أحياناً، ويثيرها أو يتفاعل معها أحياناً أخرى، وإنْ وردت بعض الأسماء "موزة، مريم، منى، لو، لولوه، جاسم، أوليغا، خلود، ياسمين، أحلام، الشيخ عبد العزيز، الشيخ خالد المذكور طيبه، لُبنى، عبدالجبار"، فإنَّ ذلك يدل على التركيز على هذه الشخوص، التي تملك على الراوي قلبه وعقله، ووردت بعض الشخوص بالصفات والألقاب "المضيفة، المضيف، الأم، الأستاذ، الفوهرر، الابن، الابنة، الصديقة، والضمائر "أنا، هو،هي"، والقاصة/ الراوية وشخوص القصص أناس عاديون نعرفهم في بيئة الكويت، نعرفهم بالاسم واللقب والعمل، ونلحظهم، ونعرفهم من خلال حركاتهم وأعمالهم. ثالثاً: علامات مميزة للمجموعة، وتبدو في: أ ـ عناوين القصص: وقد بدت مترابطة انطلاقاً من عنوان المجموعة "تاء مربوطة"، وهو عنوان القصة الثانية، مروراً بعناوين القصص كلّها، تدور حول المرأة، هذا الإنسان الذي يشكل نصف المجتمع، وحياة هذه المرأة مع شريكها الآخر/ الرجل، والقارئ المتعمق في مضمون القصص يشعر بأنَّ القاصة صاحبة رسالة تهتف بأختها، امرأة الخليج لأنْ تتحرر مِنْ قيودها وتتلمس طريقها، لتسهم في بناء المجتمع العربي المتماسك. ب ـ الشكل: جاءت قصص المجموعة على شكل واحد، هو الشكل القصصي المألوف الذي يعتمد المدخل والحبكة وتطور الحدث ثم لحظة التنوير أو الخاتمة. وقد زاوجت القاصة بين أسلوبي السرد عن طريق راوٍ عارف، يروي ما يعرف، وما خبر، وما شاهد، بضمير المتكلم في قصص "تاء مربوطة، خالتي موزة، عندماكان الرجال (حريماً) للسيدة، أنا... وهو... وهو....."، وبضمير الغائب في قصص "مافيها شيء، هلا... ياعيوني"، الثالثة .... آه، فتاة وحيدة، أوجاع امرأة لا تهدأ، رنين الجسد".. ومزجت أسلوب السرد في الحالتين بالحوار الداخلي، والحوار الخارجي، واتكأت في مواقف متعددة على التداعي والتذكر في تقريب الصورة وتوضيحها. وإنْ كان من كلمة أخيرة تقال في توصيف هذه المجموعة، فهي مجموعة متكاملة من حيث الشكل والمضمون، حفز غلاف المجموعة وعنوانها القارئ لدخول عالمها، وقد نقلت قصصها أفكار القاصة ومشاعرها وأحاسيسها ورؤاها، وهي وإن تماهت في شخوص الرواة، فقد كانت بارعة في وصفها، وفي نقدها، رسمت الصورة الساخرة من الحياة، وأشارت إليها بالكلمة والإيحاء لتحقيق حلمها في تطوير الحياة والمجتمع. 1 "تاء مربوطة"، صدرت عن مركز الحضارة العربية ـ القاهرة 2001. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |