|
||||||
| Updated: Tuesday, September 30, 2003 04:27 AM | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
عودة الصراع بين الشمال والجنوب في ظل العولمة المالية والعسكرية ـــ توفيق المديني رغم أن كبار الاقتصاديين والصناعيين في كل أرجاء المعمورة كانوا يشيدون بالمعجزة الاقتصادية الآسيوية، معتبرين إياها قدوة ودليلاً حياً على جدارة العولمة الرأسمالية الجديدة لكسر طوق الفقر والتخلف، إلا أن أحداث 11 أيلول الماضي وما ترتب عنها من تداعيات عالمية، تقود حتماً إلى تغيير المشهد الاقتصادي والسياسي العالمي، بنفس قوة الحدث الذي نجم عن انهيار الشيوعية. لقد غيرت 11 أيلول كل شيء. وسقط الاقتصاد من الأعلى: وهاهو الدين يحسب له ألف حساب. فالرأسمالية كانت لها مراحلها "التوسعية" التي دعمت التطور القائم على الفتوحات الاستعمارية للأسواق. وبدا للجميع، أنها دخلت بفضل التكنولوجيات الجديدة، في مرحلة جديدة من التوسع "المكثف" التي اعتقدت في غضونها أنها ليست بحاجة إلى منافس بما أنها تجد عندها القوى لنموها. وساد اعتقاد أن الاقتصاد الرأسمالي المعولم سوف يفتح للشمال مرحلة جديدة من الرخاء الدائم والمتمركز في الغرب. غير أن القطيعة حصلت لأول مرة في الأزمة الآسيوية لعام 1997، ثم عام 1999، وأخيراً في عام 2001، إذ أصبحت التدفقات المالية من الشمال إلى الجنوب ضعيفة جداً أكثر من الاتجاه المعاكس.وإذا كان خطر الكساد العام للاقتصاد العالمي أصبح قوياً أكثر من أي وقت سبق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فإن الخطر الذي تفرزه الرأسمالية المعولمة جراء هذا التطور الفوضوي في البورصات والأسواق النقدية العالمية، يقود إلى عودة التناقضات بين الشمال والجنوب (أي بين الأغنياء والفقراء)، وبين الشرق والغرب (أي بين المؤيدين لأمريكا والمعادين لها). إن الانهيار العنيف للعملات الآسيوية، وللروبل، والعملة البرازيلية، والتخلف عن الدفع بالنسبة لبعض النمور الآسيوية، ولروسيا التي تعتمد في الحصول على مصادرها من العملة الصعبة على بيع المواد الأولية، التي تشهد بدورها انخفاضاً ملحوظاً في الأسواق العالمية، هي بدون شك أحداث تلقي بظلال من الشك على ديناميكية النمو الاقتصادي العالمي خلال الخمس عشرة سنة الماضية. وكانت هذه الديناميكية قد ساعدها تشكل السوق العالمية للادخار بشكل خاص -حيث أن الطبقة الاجتماعية المتوسطة في العالم الرأسمالي الغربي، زودت بما لديها من مدخرات، مؤسسات التأمين والمصارف، وصناديق الاستثمار بالمادة الأساسية الضرورية للهجوم على النقابات الرعاية الاجتماعية -وعولمة سوق المال العابرة للحدود. وساعد هذا النظام المالي المعولم ولادة ما أصبح الاقتصاديون يطلقون عليه بشكل عرضي الأسواق الناشئة (emerging) في إشارة واضحة إلى البلدان الجديدة الآخذة في النمو في جنوب المعمورة. وقد حققت بلدان "الجنوب" هذه، وبخاصة في جنوب شرق آسيا نمواً اقتصادياً مطرداً خلال العقود الماضية تمت تسميته بـ "المعجزة الاقتصادية الآسيوية"، نظراً إلى مضاهاته النمو الاقتصادي في الدول الرأسمالية الغربية، وجعل هذا النمو في فترة زمنية قصيرة بالقياس إلى الفترة الزمنية التي استغرقتها في الدول الصناعية المتطورة. وكانت الانطلاقة القوية لهذه "الأسواق الناشئة" الموزعة في القارات الخمس، التي طبقت السياسات الليبرالية الجديدة، وألغت الحدود والحواجز أمام حركات تنقل السلع ورؤوس الأموال، قد جعلت القضايا التي شغلت ساحات الفكر والسياسة الدولية طيلة مرحلة الحرب الباردة، مثل صراع الشمال والجنوب، والصراع بين الأمم الغنية والأمم الفقيرة، والعالم الثالث، والتحرر والتقدم، قضايا متقادمة في زمن العولمة. ولكنها في الوقت عينه أسهمت في سيرورة الإقصاء بالنسبة لبلدان عالم الجنوب التي لم تكن جزءاً من عائلة هذه البلدان الفتية الصاعدة على درب الرأسمالية. وبذلك فتحت أبوابها على مصاريعها للنظام المالي الدولي (قروض بنكية، استثمارات مباشرة تقوم بها مؤسسات متعددة الجنسية، تسهيلات ضريبية، واستقبال رؤوس الأموال الهاربة من دفع الضريبة). ولعب سوق المال الدولي دور مركز التخصيص خلال المرحلة الماضية، حيث عمل ادخار البلدان الغنية في أوروبا واليابان بشكل خاص على تمويل مشاريع تنموية في بلدان فقيرة وفتية، أي هذه "الأسواق الناشئة". مع اندلاع الأزمات الآسيوية والروسية والبرازيلية، وأخيراً الأرجنتينية تعطلت آلة تغيير توجيه الادخار العالمي. وقد تخلت بعض "الأسواق الناشئة" عن الدفع إلى عدم المجازفة من جانب سماسرة المال الحاذقين العاملين في إدارة الادخار العالمي، الذين خسروا الكثير من أموالهم، بعد أن حققوا أرباحاً دسمة، لأنهم باتوا يعتبرون اليوم "الأسواق الناشئة" بمنزلة أفخاخ حقيقية. في بداية العام 1997، كانت رؤوس الأموال المتدفقة نحو بلدان جنوب شرق آسيا تقدر بنحو 100 مليار دولار في السنة، بعد أن خصخصت الجزء الأعظم من المؤسسات الصناعية، وألغت كل العوائق من طريق المستثمرين الأجانب، وألغت الضرائب الجمركية على الواردات، وفتحت أبوابها على مصاريعها للنظام العالمي المالي. غير أنه مع بداية العام 1998، انهار الازدهار المبني على المديونية، وصار تخفيض قيمة العملات المحلية أمراً لا مناص منه، ودرءاً لانهيار مالي على المستوى العالمي، عمل المستثمرون الأجانب بسبب ما سيتكبدونه من خسائر على إخراج رؤوس أموالهم بنفس المعدل. ولا ريب في أن هذا دليل قاطع على أن سعي عالم الجنوب المفتقرة لرؤوس المال، إلى التكامل الاقتصادي في نطاق العولمة الرأسمالية المتوحشة مع بلدان الشمال الصناعية المتقدمة، عن طريق تصدير رؤوس الأموال وإنشاء مناطق تجارية حرة لن يكون في المحصلة النهائية في مصلحتها، بل إن الإسقاطات المدمرة للانهيارات المالية التي شهدتها بلدان جنوب شرق آسيا، لأنه "الأسواق الناشئة" وروسيا، والمكسيك، والبرازيل، وأخيراً الأرجنتين، تؤكد على نهاية أصبح من الصعب على رؤوس الأموال الدخول إلى بلدان عالم الجنوب، ومن دون أن تدفع هذه "مكافأة المخاطرة". والحال هذه، في ظل العولمة الاقتصادية، التي تحقق حصة متزايدة من مجموع الرفاهية المتزايدة في البلدان الغنية في الشمال، وبخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، "انتقلت عناصر عدة من مقومات السيادات الوطنية في بلدان الجنوب، في مجال الاقتصاد من إلى المؤسسات الدولية، التي تدير النظام الاقتصادي العالمي: صندوق النقد الدولي"، الدولة. وقد أصبحت هذه المنظمات تحدد قواعد WTO البنك الدولي، منظمة التجارة العالمية السلوك وأساليب الإدارة الاقتصادية، التي يجب اتباعها بواسطة راسمي السياسة الأمريكية، وخاصة في مجال فرض إعادة جدولة مديونيات بلدان عالم الجنوب، والالتزام بالسقوف الجديدة المفروض على أشكال وأنماط التسلح (أسلحة الدمار الشامل)، وامتلاك القدرات التكنولوجية، ومنع تسرب التكنولوجيات لبلدان العالم الثالث، أو تجميد الأرصدة النقدية والمالية في الخارج كما حدث لإيران بعد الثورة، أو عدم منح قروض جديدة كما حدث للعديد من البلدان الفقيرة. وهذه السياسات الأمريكية بامتياز تؤكد على العبور الأمريكي من العولمة الاقتصادية إلى العولمة العسكرية، وهو ما قاد الآن إلى ظهور المعارضة القديمة الجديدة بين الغرب وباقي العالم، خصوصاً في العالم العربي والإسلامي. وهي معارضة اعتقد الكثيرون أنها اختفت. إن البلدان الغنية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، تعمل على إيصال بلدان الجنوب إلى نقطة "الاختناق الاقتصادي" وبالتالي الاستسلام الكامل لكل متطلبات نظام الهيمنة الأمريكية الجديدة، ومنع قيام أي تكتل يتشكل في أوروبا أو آسيا يقاوم أمركة العالم، أو الثقافة الاستهلاكية الأمريكية التي قوامها تفكيك التعبئة السياسية للمواطنين في بلدان عالم الجنوب ومنها روسيا والصين، وتحويلهم إلى "حيوانات استهلاكية" يتم تدجينها في سبيل إعادة تشكيل عقلهم ووجدانهم بما يتلاءم مع المفاهيم والممارسات، التي تدعم زخارف ثقافة العولمة الاقتصادية ثم الوصول إلى فرض العولمة العسكرية الأمريكية، التي تستعرض أعلى تقنياتها وجبروتها، وبربريتها فوق سماء العراق، وأفغانستان. إنها الثقافة التي تدعم القوي الأمريكي وحده وتضاعف من جبروت أدواته في التدمير الشامل. وتدرك واشنطن الآن نزعة العداء للغرب المتنامية في بلدان عالم الجنوب، والعداء للولايات المتحدة الأمريكية بوجه خاص، التي تم خلقها بسبب تداعيات العولمة الاقتصادية في بلدان جنوب شرق آسيا وروسيا والبرازيل والأرجنتين -هذه البلدان التي جرفتها العاصفة المالية، وأصبحت تشعر بأنها ضحية لمؤامرات أمريكية- أولاً. وبسبب الهمجية العسكرية الأمريكية التي استخدمت في العدوان ضد العراق، وأخيراً في أفغانستان، ثانياً. واقترنت نزعة الانتي أمريكانية المركبة بمناهضة الليبرالية المستبدة، و "الإهانة العربية" بالتخلف. وقد ندد المناهضون للعولمة خلال السنوات القليلة الماضية بتنامي الفوضى العالمية، وعدم المساواة، الناجمة عن الاقتصاد المعولم، الذي يخدم مصلحة الغرب لوحده. وتبنى الإرهاب هذا الخطاب وجعله مأساويا. وإن كان الإرهاب لم ينشأ من الفقر لوحده، لكن القضاء عليه يمر عبر القضاء على الفقر والتخلف. إن الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت تمثل وتجسد الاستعمار الجديد، الذي يعمل على فرض أمركة العالم، وتكييف النظام الدولي لمتطلبات العولمة المالية، التي راحت تفرخ استخدام القوة العسكرية المباشرة، كأحد أدوات السياسة الخارجية الأمريكية من دون تفويض من مجلس الأمن، وهي في الوقت عينه (أي أمريكا) تسهم في خلق شروط العودة إلى الأشكال الكلاسيكية من الوطنية والقومية في مواجهة الاستعمار الجديد، أي العودة بشكل صريح إلى "شرق" من نمط جديد. فالحرب الأمريكية الأخيرة ضد العراق، وحالياً ضد أفغانستان وبقية العالم غير الغربي، أسهمت في إعادة بناء عالم مقسم من قبل جدارين مالي وأيديولوجي، يعمق الفوارق واللامساواة بين الشعوب، ويخلق بؤر التوتر بين الأمم، ويفجر من جديد الصراعات بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب، مع بداية هذا القرن. هناك من يطرح في الغرب أنه يجب "السيطرة" على العولمة، وأن هذه الأخيرة "يجب أن تكون في خدمة مصلحة الناس". وهذا السيناريو يقتضي أن تعترف الدول العربية بفشلها الاقتصادي، وأن تباشر بإنجاز ثورة ديمقراطية وبدون شك غير دينية. وبالمقابل يجب على الولايات المتحدة أن تجسد القطيعة مع السياسة أحادية الجانب، وتكف أن تعتبر نفسها النموذج الوحيد للرأسمالية. فهل يدفع خوض الصراع ضد الإرهاب هذا الطرف أو ذاك في هذا الاتجاه؟ ليس بالضرورة، لأن مرحلة ما بعد 11 أيلول اتسمت بسيطرة الدولة البوليسية الأمريكية على الحياة السياسية الدولية بحجة مكافحة الإرهاب. وقد تجسدت سيادة النزعة البوليسية في الغرب عامة والولايات المتحدة بشكل خاص بمراقبة تدفق رؤوس الأموال التي تزيد في ارتفاع أسعار المعاملات المالية والحماية المحدثة للأمن، وهذا يقود إلى تقييد الحريات وتضييق دخول الأفراد والخيرات. وإذا كان البحث عن الأمن يمر قبل البحث عن الربح، فإن التجارة العالمية سوف تستقطب على محور شمال -شمال، وعلى سيادة الفقر في الجنوب المهمش، وبذلك سوف يستمر الإرهاب في الظهور، ويتحمل العالم الغربي مسؤولية تاريخية في ذلك. ومنذ أن أنجز الغرب الثورة الديمقراطية البرجوازية قبل ثلاثة قرون، كان السباق لصياغة التاريخ الكوني الدنيوي (غير الديني)، بوصفه الشكل الوحيد الذي يحث على تحقيق المساواة بين كل الناس. غير أن طيلة تاريخه الكولونيالي ومغامرته للهيمنة، ما انفك يقلص مدى هذا الكوني لتستفيد منه فئة خاصة من البشر. ولما كان هذا الكوني العلماني غربياً بامتياز، فإن العالم العربي والإسلامي غير العلماني اعتبر هذا الكوني حصان طروادة للغرب من أجل استمراره في الهيمنة، لهذا التجأ موروثه الكوني المنافس للكوني الغربي، بوصفه نوعاً من العزاء للفقراء ولكل الذين يعتبرون أنفسهم مضطهدين في هذه المرحلة التاريخية الحالية من العولمة الرأسمالية المتوحشة. فالكوني الغربي يقدم نفسه على أنه النموذج الوحيد في مجال التنمية الاقتصادية، ونمط التفكير، وهو بطبيعته نموذج هيمنة، رغم أن تجربة الخمسين سنة الماضية أثبتت أن النموذج الغربي في التنمية ليس قابلاً للاستنساخ في كل مناطق العالم. ومن وجهة نظر هذا الكوني، أن تكون إنسانياً حقاً، أي أن تكون متطوراً فعلياً، يعني أن تكون متشابهاً للغربي. ولكن الغرب وقع في فخ هيمنته الخاصة، لأنه يقول: "وحده نموذجي هو الصالح للتطور"، و"إذا أصبحتم مثلي، سوف تتطورون". غير أنه في الوقت عينه، وبشكل عام، يرفض هذا الغرب أن نكون مثله. فالشعوب والأمم الأخرى غير الغربية ليست لديها نفس التاريخ ولا نفس الوسائل والإمكانيات التي يمتلكها الغرب، فضلاً عن أن هذا الأخير يرفض للآخرين أن يكون لديهم نفس الإمكانيات. وفي مجال التنمية الاقتصادية يطبق الغرب المعايير المزدوجة: فالقواعد التي تفرضها بلدان الشمال على بلدان الجنوب، ليست هي نفسها التي تفرضها بلدان الشمال في التعامل فيما بينها. ومن هنا ينجم عدم مساواة أساسية. جراء عدم التكافؤ هذا، تحول الصراع بين الشرق والغرب الذي ساد خلال مرحلة الحرب الباردة إلى صراع بين الشمال والجنوب. هذا الصراع بين الشمال والجنوب، وبين الغرب والآخرين، هو صراع مستمر يتمظهر على جميع الصعد الاقتصادية، والاجتماعية، والتاريخية، والاستراتيجية، والثقافية. وفي ظل الإسقاطات المدمرة لصدام الشمال والجنوب، وتعمق هوة عدم التكافؤ في مستوى التطور، وازدياد تنامي الشعور بالظلم والغبن، فإن الشعوب المضطهدة في عالم الجنوب يمكن أن تسمع خطاب الأصوليين، الحالم للحقائق النهائية. ومن أجل فهم ما يجري اليوم وفي عالمنا المعاصر، من المهم التركيز في التفكير على مسألة عدم التكافؤ في التطور، ومسألة الإفقار المطلق المنتشر في عالم الجنوب. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |