|
||||||
| Updated: Tuesday, September 30, 2003 04:27 AM | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الهوية في زمن الانترنيت والمعلوماتية ـــ أ.د.علي وطفة ـ الكويت تضافرت جهود الإنسانية عبر التاريخ في التحضير لثورة المعلوماتية Informatique، التي جاءت في النهاية تتويجاً حضارياً لآلاف مكدسة من الأبحاث العلمية في مجال التكنولوجيا. وأدت هذه الثورة المعلوماتية بدورها إلى تغيير وجه التاريخ، وإلى إحداث تحولات عميقة في تضاريس الوجود الإنساني برمته. لقد أحدثت المعلوماتية ثورة في الأمزجة والتصورات والعادات الإنسانية وتركت بصماتها في كل منحى من مناحي الوجود والحياة الإنسانية. لقد جاءت هذه الثورة المعلوماتية أيضاً لتجهز على معالم الحداثة الغربية القديمة ولتبشر بميلاد حداثة جديدة بدأت تبزغ رشيقة قوية في فجر الوجود الإنساني. وهذه التحولات العميقة بين زمني الحداثة وما بعد الحداثة تقدم لنا مشهداً بالغ الخصوصية والخصوبة والإثارة، ففي هذا المشهد الحضاري تتوالد الثورة في كل ميدان وفي كل اتجاه، وفي مجال التكنولوجيا، وفي نطاق الإعلام والاتصالات، والعادات والتقاليد والأمزجة، وفي مجال الشيفرات الوراثية والاستنساخ. وهذه التحولات الأسطورية تشكل اليوم مرحلة جديدة وزمناً جديداً يطلق عليه زمن ما بعد الحداثة. لقد بشر بعض علماء الاجتماع منذ عام 1980 بأن مابعد الحداثة زمن يبشر بنظام اجتماعي جديد، وعصر جديد، يتمثل في طفرات التحولات التكنولوجية، وهجمات المعلوماتية، وفي ولادة اقتصاديات جديدة، وظهور تحولات ثقافية واجتماعية تبدل في عمق تضاريس الوجود الإنساني إنها مرحلة مابعد الحداثة. وبدأت المجتمعات الغربية التي عرفت بالتعددية والتنوع والحرية الفردية تشهد تحولات عميقة اليوم في طريقة الوجود تحت مطارق مابعد الحداثة. وتأسيساً على هذه الظاهرة يكرس العلماء والمفكرون في الغرب جهودهم لتحديد مسار واتجاه هذه التحولات وتقديم تصورات مستقبلية للتنبؤ المستقبلي بأبعاد هذه التحولات الجديدة وذلك من أجل التأثير في حركتها وامتلاك المقدرة على توجيه مسارها في اتجاهاته الإنسانية المرغوبة. وهنا يلاحظ في هذا الخصوص أن طروحات هؤلاء المفكرين لا تقل غرابة عن غرابة هذه التحولات الاجتماعية عينها، وكأن الجهود العلمية أيضاً قد بدأت ترتسم بطابع مابعد الحداثة عينها. يلاحظ العلماء اليوم أن التكنولوجيا تتطور بإيقاع مذهل. وقد استطاعت التكنولوجيا أن تتطور خلال السنوات العشر الماضية بما يضاهي تحولات العالم عبر قرن من الزمن. وفي غمرة هذه التحولات وعلى خلاف ماكانت الإنسانية تعقد عليه الأمل فإن أحلام التحرر الإنساني وتحقيق الذات الإنسانية تعاني من مصادرة رأسمالية مفجعة ما زالت تغتصب أجمل الأحلام الإنسانية وأقدسها. الرؤية الأيتوبية الخيالية لما بعد الحداثة: وتعبر هذه الرؤية عن آفاق حلم إنساني يعد بمزيد من الحرية والتقدم والتحرر كما يعد ببناء شروط للوجود الإنساني تتسم بعطاءات مثالية لا حدود لإمكانياتها تسعى في النهاية إلى تحقيق إنسانية الإنسان بأسمى معانيها وحدود تجلياتها. فما بعد الحداثة تسعى في هذا الاتجاه إلى إعادة النظر نقدياً في طبيعة العقائد القديمة ولاسيما هذه التي تتصف بالشمولية والتسلط والديماغوجية لقد أدت الحداثة إلى اقتلاع الجذور الثقافية للإنسان التي تتمثل في منظومة انتماءاته التقليدية كما أنها أدت إلى تدمير إرادة الحياة المشتركة وإضعاف التضامن الاجتماعي وإلى أتمتة المجتمع المدني فأفرغته من أسمى عطاءاته الإنسانية المحتملة. تحولات الهوية: وانطلاقاً من أهمية الوعي بشروط المرحلة الحداثية، وخطورة مراميها، فإن الثقافة مابعد الحداثية مجال تتوارى فيه النماذج الفكرية الواحدة، وتتلاشى فيه الاتجاهات التي تأخذ مساراً واحداً في حركتها وصيرورتها. وهذا يعني أن الحقيقة الثقافية لما بعد الحداثة تعبر عن الغنى والتنوع الثقافي في المجتمعات الغربية. وهذه الحقيقة أيضاً ترتبط بواقع تكنولوجيا المعلوماتية. فشبكات المعلوماتية تضج اليوم بالمعارف والمعلومات التي توضع تحت تصرف الفرد بحيث يستطيع أن يختار منها ما يناسب اهتماماته وتطلعاته الشخصية، وترتكز هذه الدينامية الجديدة على مبدأ حق الفرد في اختيار ما يناسبه من معلومات تتعلق به وتعبر عن تطلعاته ومصالحه. فتطور الحاسبات والمعلوماتية يأخذ صورة المجتمع مابعد الحداثي، وتتجلى هذه الصورة في النزعة الفردية التي تتيحها الثورة المعلوماتية بذاتها. ومن هنا فإن هذه الإمكانيات المعلوماتية تؤدي في النهاية إلى تنامي الروح الفردية بصورة متسارعة ومطردة. ويمكن ملاحظة هذه الظاهرة اليوم بين صفوف الناشئة وفي أوساط الشباب. فالشباب اليوم يعيشون حالة طفرية يأخذ فيها الحاضر أهمية صارخة دون أن يكون للمستقبل أية أهمية تذكر. فالشباب يعتمدون اليوم مبدأ الومضة الحياتية، وهي حقيقة تعبر عن طبيعة التسارع الذي يخطف البصر في طبيعة الحياة ومعانيها، والذي يعبر عنها في تقادمية زمنية لا حدود لها، فما أن يبزغ الجديد حتى يتلاشى في مقابر القدامة عبر لحظات عابرة. فالحياة الومضية لا تتطلب اليوم مشاريع واسعة أو كبرى. فالشباب في ظل هذه الصرخة الحياتية الجديدة يعيشون نمطاً من الحياة يقوم على علاقات اجتماعية سريعة وعابرة ومتقادمة. وهنا يجري الحديث بين المثقفين والمفكرين عما يسمى بالعقد الثقافي الاجتماعي العابر وهو عقد يسمح للمرء بأن يتحلل من التزاماته بصورة سريعة وخاطفة وذلك في اللحظة التي يجد فيها بأن العلاقات التي تربطه بالآخرين لا تجري وفقاً لاعتباراته ومصالحه الخاصة. وهذه العلاقات غالباً ما تكون سطحية مشوشة ومكثفة في الآن الواحد. وهذه السمات التي تأخذ طابع السرعة والتسارع والتكثيف والسطحية هي السمات التي يعرف بها عصر مابعد الحداثة. وهذا النموذج من العلاقات الإنسانية العابرة والسطحية يعرفها أغلب الذين يتعاملون مع شبكات الحاسب والأنترنيت. فهذه العلاقات تأخذ طابع الأخذ والرد المتسارع بين الأشخاص وتغيب فيها العلاقات الوجدانية الحميمة التي توفرها العلاقة التقليدية القديمة. وهذه الآلية في التعامل تؤدي إلى ظاهرة الفردية وتناميها بصورة أخطبوطية وبالتالي فإن هذه النزعة الفردية تتنامى بصورة واسعة مع تنامي ارتباط الشباب بأجهزة الحاسب وشبكات الانترنيت. على هذا الأساس يرى كثير من الباحثين في هذه الظاهرة تعبيراً عن طابع حضاري يتميز بالسلبية لأن الحاسب هنا لا يعزز العلاقات الاجتماعية الإنسانية التي تتميز بطابع الرصانة والمصداقية والأصالة. فالحاسب يدفع الناس إلى الانغلاق على الذات والتقوقع والعزلة والانطوائية، ويدفعهم إلى تبني منطق عقلانية مفرطة وإلى استقلالية مبكرة ومبالغ فيها ولاسيما عند الشباب والناشئة. فآليات التعامل مع الحاسب وعوامل العلاقة الخاطفة مع الآخرين التي تحكمها اللحظات العابرة تؤدي إلى تنامي سرطاني لمؤشرات حياة فردية مكثفة. ويضاف إلى هذا تأثير وسائل الاتصال التي تغرقنا بالمعلومات والمعلوماتية بصورة مستمرة لا انقطاع فيها. كما أنه يجب علينا أن نأخذ بعين الاعتبار التطورات والاكتشافات التكنولوجية الجديدة في كل ميدان التي تغذي احتياجاتنا وتنميها على نحو سرطاني ومن ثم تدفعنا إلى هستيريا الاستقلالية والفردانية المتضخمة. وهذا جميعه يتضافر في بناء مجتمع تتنامى فيه بوصفه قدراً يدفع الفرد وبصورة دائمة إلى قربان الفردية والذاتانية المفرطة وهيمنة الاختيارات الحرة أو ما يسمى أحياناً بإفراط الاختيار. فالفضاء المعلوماتي الذي تعززه وسائل الإعلام المتطورة يعزز ويؤكد تسارع نمو الفردانية في المجتمع في مختلف تجليات الحياة الإنسانية المعاصرة. وما يمكن ملاحظته في هذا السياق أن الفردانية الجديدة، وعلى خلاف خصائصها في مرحلة الحداثة، تأخذ طابعاً وطبيعة تكنولوجية واقتصادية. وهذا يتطلب فهم القدرات الهائلة للاتصال والاتصال الإعلامي. وفي هذا الفضاء المعلوماتي فإن الهوية الفردية والاجتماعية تتعرض لعملية تفكك وإعادة بناء، إنها تتشكل بصورة جديدة ولاسيما في المستوى الفردي والاجتماعي وذلك عبر أواليات فردية في طبيعة العلاقة بين الإنسان وثورة المعلوماتية. التأثير النفسي للانترنيت على هوية الفرد: ترتهن الهوية بانتماء الفرد إلى فئات اجتماعية وثقافية، وبما يؤديه الفرد من أدوار ومواقف في المجتمع، أو بما يؤمن به من أيديولوجيات وعقائد. فالهوية الشخصية تعود بالدرجة الأولى إلى وعي الذات وإلى وعي الآخرين بها على أساس ما يحتكم إليه من مكوناتها وخصوصياتها. ينطلق علماء نفس الهوية في النظر إلى الهوية عبر مفهومي الشعور Conscience واللا شعور Inconscience، أو من خلال العلاقة بين الجوانب الداخلية والجوانب الخارجية للفرد أو الجماعة في صيغتي الهوية الجمعية والهوية الفردية.وتتبدى الجوانب الخارجية للهوية في منظومة الانتماءات التي تحتوي الفرد وتشده إليها كما في الأدوار والفعاليات التي يؤديها الفرد في دائرة حياته الاجتماعية. وفي حدود هذه العوامل الخارجية ترتسم هوية الفرد الخارجية وهذا الوجه الخارجي للهوية يمنح الفرد حضوراً ودوراً يكافئ هذه الصورة الاجتماعية. أما الهوية الداخلية للفرد فإنها تمتنع عن الآخرين بصورة كبيرة. فالشخص يحافظ على خصوصياته ومشاعره ورغباته وذكرياته وميوله واهتماماته الخاصة في دائرة التكتم والسرية بعيداً عن دائرة الحياة الاجتماعية. ولكن ما يحدث أن الفرد في سياق تفاعله مع المعلوماتية ولاسيما شبكات الحاسب والأنترنيت يستطيع أن يترك لهويته الذاتية مجال الحركة والظهور، وذلك لأن العلاقة هنا تتم عبر مهارات نفسية ذات طبيعة سيكولوجية. وهذا يعني أن ذات الفرد تعلن عن نفسها وتشارك وتساهم في مختلف الفعاليات دون عقبات. وهنا يمكن أن نقول بأن الذات الخارجية الاجتماعية تتنحى لصالح الذات الفردية. وتنقلب المعادلة فالذات الداخلية تصبح صريحة فاعلة وعلنية بينما تتنحى الذات الاجتماعية بعيداً وتتروى في دائرة الكتمان والسرية. فالجسد باعتباراته المختلفة وتجلياته لا يتدخل بينما تتدخل الاهتمامات والعناصر الداخلية لنفس الإنسانية بطموحاتها المختلفة ونوازعها المتباينة. في الحياة الاجتماعية العادية يرتسم الجدل الشامل بين الهوية الداخلية (الفردية)، والهوية الخارجية (الاجتماعية)، ويأخذ هذا الجدل صورة العلاقة بين الطموحات الداخلية والتحديات الخارجية، بين ما يطمح إليه المرء وبين ما لا يستطيعه. بين الواقع والخيال، بين الحقيقة والرغبة، وفي هذا الجدل عينه تتحدد هوية الإنسان وترتسم أبعاده الوجودية. وفي سياق هذا الجدل بين الداخل والخارج تلعب الهوية الخارجية دوراً حيوياً في حماية الهوية الداخلية و المحافظة على كينونتها. وهنا وفي جدل هذه العلاقة بين جانبي الهوية يرى علماء النفس أنه كلما كانت حدود الأنا الخارجية غير واضحة فإن الهوية تعاني من الضعف والهشاشة. وهذا يعني أنه كلما كانت المسافة الفاصلة بين الهويتين الخارجية والداخلية كبيرة فإن الهوية تعاني من الضعف وتفتقر إلى التماسك والقوة. وعلى خلاف هذه الجدلية فإن درجة التجانس والتكامل بين الهوية الخارجية والداخلية يعبر عن هوية تتميز بالأصالة والمرونة والتكامل. وهذا يعني أنه عندما تستطيع الهوية الداخلية أن تطفو على السطح وأن تعبر عن نفسها وحضورها في دائرة الواقع نستطيع أن نتحدث عن تكامل عميق بين جوانب الهوية ونستطيع أن نتحدث عن هوية أصيلة متكاملة. إن قدرة الأنا الداخلية على الحضور العلني يمنح الهوية بشمولها درجة عالية من الثقة والمقدرة والمرونة والقوة والتكامل والتوازن. فالمرء في دائرة الحياة الاجتماعية لا يستطيع أن يعبر عن ذاته بسهولة أو بصورة طبيعية ويعود هذا إلى الصعوبات التي تفرضها المعايير الاجتماعية على الأفراد من تكتم وسرية. وعلى خلاف ما تنطوي عليه الحياة الاجتماعية من معايير وصعوبات كابحة للتعبير الحر عن الذات الفردية فإن الفضاء الإلكتروني والمعلوماتي يشكل مجالاً حيوياً تستطيع فيه الأنا الداخلية أن تأخذ مداها الحقيقي بعيداً عن الرقابة الاجتماعية وعن معايير الحياة الاجتماعية، وهذا بدوره يؤدي إلى نمو الجوانب الداخلية للهوية الفردية وتكاملها. فعلماء النفس يؤكدون بأن الأشخاص يشعرون بالانسجام والتوازن عندما يتواصلون مع أ قرانهم ولا سيما هؤلاء الذين يتجانسون معهم من حيث الاهتمامات والآراء و الميول والقيم. فالشخص في علاقاته مع أقرانه ومجانسيه يجد نوعاً من تأكيد الذات ويشعر بمزيد من الثقة و الإحساس بالهوية في دائرة العلاقة الندّية. وعلى خلاف ذلك فإنه يشعر بالإحباط وتتعرض هويته للتصدع عندما يعيش في دائرة ا جتماعية لا أنداد له فيها. وفي هذا الخصوص، يرى إريكسون، بأن الأشخاص الذين يعانون من الاستبعاد والرفض والخضوع، في المستوى الاجتماعي والسيكولوجي، يستبطنون هذه الصورة السلبية في لا شعورهم وفي عقلهم الباطن، ويدركون أنفسهم من خلال هذه الصورة السلبية التي يرسمها وسطهم الاجتماعي عنهم. أما في الفضاء الإلكتروني فلا توجد هذه السلبيات التي تكبح نمو الهوية. فعلى شبكة الانترنيت لا يوجد هناك سيد ومسود أو قاهر ومقهور أو غالب ومغلوب، فالجميع في دائرة استواء واحد، ويستطيع كل فرد أن يجد مكانه المناسب في نسق المواقع والاهتمامات التي تناسبه. وهنا وفي دائرة هذا التفاعل المعلوماتي يروي الفرد تعطشه اللاشعوري إلى استبطان هوية إيجابية عن ذاته وعن وجوده وإلى تعزيز صورته الداخلية وذلك في اتجاه التوازن بين جوانب حياته الشخصية أو هويته المركزية. فعندما يستطيع الفرد أن يعبر عن خصوصيته الفردية عبر علاقاته الفضائية على شبكات الانترنيت فإنه يميل إلى متابعة هذه التجربة وإحيائها ويصبح أكثر ترابطاً مع أصدقائه المفترضين وهذا يمكن أن يتم على حساب علاقاته الاجتماعية الحقيقية. وهذا بدوره يؤدي إلى ولادة مجتمع جديد هو مجتمع المعلوماتية. الانترنيت وإعادة تحديد بنية الاتصال الاجتماعي. لكي ندرك جيداً إلى أي حد تتعرض العلاقات بين الأفراد إلى التغير والتحول يجب علينا تحليل أسس الاتصال الاجتماعي عبر الأنترنيت. وهنا يمكن الحديث عن خمسة جوانب أساسية توجد في بنية الاتصال الاجتماعي وهي: ـ التقارب الفيزيائي الجسدي بين الأفراد. ـ المظهر الفيزيائي الجسدي. ـ درجة التجانس بين الأفراد. ـ الاعتبارات الإيجابية. ـ طبيعة المعلومات وأهميتها. ولكن عندما نتحدث عن الاتصال المعلوماتي عبر شبكة الانترنيت يغيب تأثير العاملين الأولين (التقارب الفيزيائي والمظهر الفيزيائي)، وتقوم العلاقة بالدرجة الأولى على مبدأ التجانس بين الأفراد بالدرجة الأولى وهو تجانس فكري ثقافي نزوعي أخلاقي. وغالباً ما يلح علماء النفس على أهمية التقارب والتجانس بين الأفراد وهذا ينسحب حتى على التقارب في المكان. وهناك في علم الاحتمالات مقولة تؤكد أن فرص بناء علاقة بين طرفين تكون أكبر كلما كان هناك تقارب في المكان. أما في مجال شبكة الأنترنيت فإن عنصر التقارب في المكان يتلاشى كلياً وتتلاشى مع ذلك أية أهمية للأبعاد الجغرافية. فالعلاقة بين شخصين لا تتم عن طريق الصدفة المكانية بل تفرضها منظومة من الاهتمامات المشتركة أو الحاجات الثقافية المتنامية. فالتبادل الفكري والثقافي يجري في دائرة المواقع الإلكترونية، أو مايمكن لنا أن نسميه الحدود الثقافية المتخيلة. وفي هذا المدار يمكن القول، بأن الغنى الثقافي لهذه المواقع، وما تشتمل عليه من أدوات معرفية ولغوية وأحداث وصور، تؤدي إلى ولادة أسس جديدة لتنظيم العلاقات بين الجماعات والأفراد، وهذا ما يمكن أن نطلق عليه التقارب العاطفي والثقافي عند الأفراد. فالحضور الفيزيائي يشكل عنصراً حيوياً في عملية التفاعل الاجتماعي، ومن المعروف أن الأشخاص الذين يمتلكون جاذبية فيزيائية يكونون أكثر قدرة من غيرهم على بناء علاقات اجتماعية متميزة وواسعة.. ويبدو أيضاً أن هؤلاء الأشخاص ذوي الجاذبية يثيرون مخاوف وقلق هؤلاء الذين يمتلكون درجة أقل من الجاذبية لأنهم يشعرون بالدونية إزاءهم. أما أصحاب الجاذبية فيظهرون صلابة أكثر وميلاً جماهيرياً أقل. أما في مجال العلاقة المعلوماتية فإن هذه الجاذبية أيضاً لا وجود لها. وهذا يعمل على تحقيق فعالية أكبر في مجال التواصل والتفاعل الثقافي بين الأفراد. إن من أهم محاسن الشبكات المعلوماتية أنها تلغي الحواجز بين الأفراد وتستبعد أية أحكام مسبقة على الآخرين. فالاتصال هنا يأخذ طابعاً ثقافياً ومعرفياً. وبالتالي فإن من أجمل معطيات العلاقات الإلكترونية في مجال المعلومات، أنها تسمح للإنسان أن يسقط أقنعته الخارجية، وأن يتحرر من إكراهات النماذج المعرفية السائدة في المجتمع بمختلف معاييرها وإكراهاتها. فالجسد في دائرة العلاقات المعلوماتية يتنحى لأهمية النفس والعقل أو لأهمية العلاقات الفكرية، وفي دائرة هذه العلاقات يتنكر الفعل التواصلي للفروق الاجتماعية التي يصعب عليها أن تتدخل بصورة مباشرة. والشيء الذي يفرضه نفسه في دائرة هذه العلاقات هو الكفاءة الفكرية والاهتمام الثقافي المشترك. وفي هذه الدائرة من العلاقات الحاسوبية، فإن الأشخاص الذين يعانون من صعوبات اتصالية وعقد انطوائية، يمكنهم أن يتحرروا من تأثير هذه الإكراهات النفسية، وأن يعوضوا لأنفسهم التصدع الذي خبرته حياتهم الاجتماعية، ويستطيعون بالتالي إعادة بناء ذواتهم على أساس المبادرات الثقافية المتاحة والمناسبة لوضعياتهم الاجتماعية. فهم يستطيعون الدخول بندّية إلى معترك التفاعل الاجتماعي وإلى منتدى الحياة الثقافية عبر ميكانزمات التجانس الثقافي والتوافق الذهني والمشاركة في الاهتمامات والأذواق. وهذا يعني، كما ألمحنا في هذه المقالة، أن العلاقة الإليكترونية لا تتم بصورة مباشرة مع الأشخاص المعنيين، حيث يمكن للشخص أن يتأمل في رسالة أو في مقالة أو في صفحة، وفي هذه الفسحة من التأمل تتيح للشخص عينه أن يقرر مدى التجانس مع الآخرين ومدى تقاطع اهتمامه واهتماماتهم. وعندما يجد صعوبة في بناء مثل هذه العلاقة فإنه يبحث عن شخص آخر، وإمكانية جديدة في موقع أكثر جدة. وهذا يعني أنه يمكن للمرء أن يضع نفسه في دائرة علاقات متنوعة وخصيبة تمكنه في نهاية الأمر من إعادة بناء هويته في نسق من الفعاليات الجديدة والتصورات الجديدة. وفي الختام يمكن القول أن العلاقات الممكنة في شبكات المعلومات علاقات تقوم على أساس التجانس الثقافي وعلى تشابه الاهتمامات بين الأفراد. لنأخذ مثالاً واضحاً على هذه الصورة. إذا كان أحد الأفراد مغرماً بموسيقا معينة مثل موسيقا الروك أو الأوبيرا فإنه لا يستطيع مثلاً أن يجد من يشاطره هذا الاهتمام بسهولة في دائرة حياته الاجتماعية الضيقة. ويضاف إلى هذا أن كثيراً من الأشخاص الذين يحيطون به قد يكرهون هذا النوع من الموسيقى وهنا يجب على الفرد أن يستبعد اهتماماته الموسيقية هذه من دائرة حياته الاجتماعية التي هو وثيق الصلة بها. ولكنه بالمقابلة يستطيع عبر شبكة الأنترنيت أن يجد من يشاطره هذه الهوية ويبادله هذه الرغبة الثقافية بسهولة ويسر وهنا يمكنه أن يشبع ما اعتلجه من شوق وحماسة إلى هذا النوع الثقافي من الاهتمامات. وباختصار شديد يمكن لنا أن نقول بأن المعلوماتية تلعب دوراً كبيراً ربما في تعزيز فردية الإنسان وتنمي لديه حالة انطوائية كبيرة ولكنها وفي الوقت نفسه يمكنها أن تنمي في داخله وعلى نحو إيجابي منظومة من الرغبات الثقافية التي تشكل معيناً لا ينضب للهوية إنها تستطيع عبر أواليات عديدة أن تعطي للأنا الداخلي تشبعات ثقافية قمينة بكل احترام وتقدير. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |