جريدة الاسبوع الادبي العدد 798 تاريخ 9/3/2002
Updated: Tuesday, September 30, 2003 04:27 AM
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الأصولية الدينية: النزاع والحل ـــ ترجمة: محمود منقذ الهاشمي : بقلم الباحث الإيطالي: ألدو فيسالبرغي*

للمنازعات بين المجموعات أو الجماعات البشرية جذور شديدة الاختلاف، منها ماهو تاريخي ومنها ماهو ناجم عن الأوضاع القائمة. إلا أنها لا تصل إلى المستويات المأساوية والدموية إلا عندما تتفاعل عدة عوامل متضافرة على إحداثها.‏

وفي جل الأحايين يكون أحد العوامل هو التعصّب الديني. والعوامل الأخرى البارزة هي المركزية الأقوامية، والتحامل العنصري، والمطامح في الأرض ولاءً للأمة، والصراع الاجتماعي الطبقي والاستقطاب الأيديولوجي. على أنه من النادر جداً أن نرى، في التاريخ كله وفي العالم المعاصر، أمثلة على المنازعات البطّاشة والضارية بين الجماعات الكبيرة من الناس لايعمل فيها العامل الديني بقوة. والبوسنة والشرق الأوسط والجزائر وأفغانستان والباكستان والهند، وأيرلندا الشمالية وسريلانكا هي من أوضح الأمثلة. وعلينا أن نلاحظ أن النزاع في سريلانكا هو بين التاميليين الهندوس والأكثرية البوذية، على الرغم من أن البوذيين يحجمون في العادة عن العنف.‏

وإذا كانت العبارات الآنفة صحيحة(كما أعتقد جازماً)، فعلينا أن نسأل كيف كان بالإمكان أن يؤدي الدين مثل هذا الدور التدميري في التفاعلات الإنسانية. وفي العادة نجد أن الأديان تعظ بالسلام والتفاهم والأمل في مستقبل سعيد لكل الناس ـ وعادةً لكل "المؤمنين الحقيقيين". وللآخرين؟‏

إن مفهوم سعيد لكل الناس ـ وعادةً لكل "المؤمنين الحقيقيين". وللآخرين؟ إن مفهوم "التسامح" لم يكن في عصري التنوير والنزعة الإنسانية يتضمن المساواة الحقيقية، بل مجرد النصح بمسامحة الناس الذين يعتنقون أدياناً مختلفة عن الديانة السائدة وعدم اضطهادهم. أما الذين لا يعتنقون أية ديانة (الملاحدة) فلم تجرِ العادة بِـ"مسامحتهم" على الأغلب. ومع ذلك، كان هذا الأمر، ولا ريب، إنجازاً مهماً، ولكنه كان بعيداً عن أن يمثّل نظاماً عاماً للتفاهم. فمن شأن هذا النظام العام أن يتضمن الاعتراف بالعقائد الدينية المختلفة عن عقيدتنا، وحتى بالناس الذين لا يؤمنون بأية ديانة خاصة، بل بنظام عام أخلاقي فقط. وفي بعض المجالات الثقافية كالصين وبصورة خاصة في اليابان، تطور الجمع بين المعتقدات المتباينة إلى حد كبير. ففي اليابان، مثلاً، يستطيع المرء أن يكون شنتووياً Shintoist وبوذياً في آن واحد. ولكن حتى في اليابان، ففي الماضي القريب ارتفعت الشنتووية إلى رتبة ديانة الدولة وجرى قمع البوذية واضطهادها.‏

ولدينا في العالم عدة أمثلة على الجمع بين المعتقدات، كالجمع في البرازيل بين المسيحية وعقائد تعدّد الآلهة الأفريقية القديمة. ولكننا عموماً نجد أن فورات النزاع ترتبط بالأديان الوحدانية التي فيها، بوصفها الأديان الإبراهيمية veligions of Abraham، أمور مشتركة كثيرة: وهي اليهودية والمسيحية والإسلام، وأشد أنواع العداء بغضاً هو حالياً عداء اليهودية للإسلام، وهما ديانتان تفرقهما بعض الاختلافات الأسطورية والطقسية، ولكنهما تمتلكان محوراً مشتركاً للمعتقدات واسعاً ووطيداً. ولا يمكن أن يفسَّر ذلك إلا بأن الناس يميلون إلى الارتباط الانفعالي بالأبعاد الطقسية للدين أكثر من الارتباط ببناه العقلية.‏

الدين بوصفه الحاجة العفوية للإنسانية:‏

لكي نفهم كل ذلك، أعتقد أنه علينا أن نتعمق في تحليل الأسس الأنثروبولوجية للدين. وبغير ذلك يصعب أن نرى كيف يمكن للتربية أن تتغلّب على البروز المحتمل والمأساوي في الكثير من الأحيان للمنازعات بين الولاءات الدينية المتباينة.‏

تُرينا أدلة علم المستحاثات أن الدين على ما يبدو حاجة عفوية عند الإنسان، وعلى الأقل عند الإنسان العاقل Homo Sapiens. وليس من الصعب فهم هذا الشرح حتى من وجهة نظر طبيعانية في التطور البشري. والعامل المعوَّل عليه في بقاء الإنسان يكمن في قدرته على السَّبْق التخيلي إلى عواقب سلوكه. والمميزات الرئيسة الأخرى التي تزيد من هذه القيمة هي القدرة على التعلّم من خلال النشاطات الاستطلاعية اللاعبة غير المفيدة مباشرة في الممارسة بالإضافة إلى المواقف القوية المشايعة للمجتمع، والروابط العائلية الناجعة. لذلك فإن الإنسان هو الحيوان الوحيد:‏

1 ـ الذي يقلق حيال مجهولية المستقبل؛‏

2 ـ ويدرك أنه سيموت؛‏

3 ـ ويصاب بالألم لوفاة أبويه وأقاربه؛‏

4 ـ ويميل إلى أن يتصور عبر المخيال شيئاً عن استمرار الحياة بعد الموت وكذلك‏

5 ـ يجد الراحة وحتى الرضى في التفاعل المعقَّد للشعائر والقصص والسير البطولية (وتدخل ضمن الشعائر ولائم الجنازات) التي تصاحب المراسيم المرتبطة بالوفاة.‏

على أن الحياة، وليس الموت وحده، هي كذلك دافع مهم، إلى المعتقدات الدينية لأن‏

6 ـ الإنسان بوصفه كائناً اجتماعياً يُظهر شعوراً بالمسؤولية نحو الكائنات الأخرى ويحتاج إلى ضوابط من سلطة مثيلة للسلطة الأبوية.‏

والبشر بوصفهم ينتمون إلى الإنسان صاحب الحرفة homo faber.‏

7 ـ قد أنشؤوا تصورات عن علاقات العلة بالمعلول، وعن العلة العليا للطبيعة الشخصية والكونية على السواء، تبدو ضرورية لهم.‏

والأديان، حتى الأديان الأرواحية(1)، تقدم التلبيات لكل الحاجات المختلفة المرتَّبة أعلاه أو جُلّها. وهي كثيرا ما تَعِدُ المؤمنين بتحقيق آمالهم وهزيمة أعدائهم. والنتيجة اللاحقة لهذه الميزَة الأخيرة، وهي بالتأكيد ليست أساسية للدين، إنما تكمن في مماثلة الأعداء بـ"غير المؤمنين" (الكَفَرَة) وهكذا يصبح الدين عاملاً بارزاً في محبة الحرب، وكثيراً ما كان سلوكاً لجماعة بشرية قوامه البطش و التدمير.‏

نحو "إيمان مشترك" للإنسانية؟‏

كيف يمكن للتربية أن تمنع هذا الانحراف في الأديان؟‏

هل يمكن أن تقوم بذلك من دون أن تُنكر أية قيمة دينية حقيقية؟ أعتقد أن ذلك ممكن ومن ثم واجب على كل الناس المرتبطين بالنشاطات التربوية، وأولهم المعلمون والأساتذة. ولكنه ليس بمهمة سهلة. وأنا أشير إلى الحاجات الإنسانية الطبيعية السبع المجملة آنفاً على نحو بالغ الإيجاز. فلكي نجعل الطلاب يدركون هذه الحاجات تمام الإدراك علينا أن ننشئ مواد بحث مختلفة في إطار مقاربة متعددة الفروع المعرفية ومتداخلة بشكل واسع، لعلنا نستجلب الاهتمامات من خلال البحث والعمل الجماعي على حل المشكلات.‏

وسيكون للتاريخ (ولاسيما تاريخ الأديان) والجغرافيا والمفهومات المدنية والسياسية والتاريخ الطبيعي ونظرية التطور والأنثروبولوجيا والفلسفة وحتى علم الفلك وعلم الكون مكانها في هذا المسعى. إلا أن بعض الأسر والجماعات الدينية في المجتمع هي ضد هذه التعاليم. والأصوليون من ذوي المواقف المتشابهة موجودون بين اليهود والمسلمين وكذلك بين المسيحيين. وحتى في المدارس الدينية، القرآنية، والعبرية على السواء، كثيراً ما تسود الطائفية الضيقة. وأكثر الإرهابيين تعصباً يأتون من هذه المدارس.‏

وعلى أية حال، فإن الاتجاه الجديد لانحراف الأديان، لا يمثّل التيار السائد للحياة الدينية على نطاق العالم. وعلى العكس، ولاسيما في السنوات القليلة الأخيرة، رأينا سلسلة من المبادرات الرسمية، إلى هذا الحد أو ذلك والمتجهة نحو القبول المشترك وحتى التعاون بين مختلف الأديان. وأحياناً لا يشمل هذا الأمر إلا الطوائف المسيحية، وأحياناً يشمل كل "الأديان الإبراهيمية"، وحديثاً أخذ يتضمن في واقع الأمر كل أديان العالم، ومنها البوذية. ونشر اللاهوتي هانس كونغ(2) Hans Kung كتاباً عنوانه "نحو أخلاق عالمية"، (إعلان أولي)، حول القواعد الأخلاقية المشتركة التي وافق عليها في اتفاقية 1993 الممثلون غير الرسميين لزهاء مائة ديانة مختلفة. وفي تاريخ أحدث، وفي اتفاقيتي "أسيسي" و"روما"، وافق الممثلون الرسميون للأديان العالمية الرئيسة على مجموعة من القيم المشتركة. وفي كانون الأول 1995، التأم اجتماع عدة آلاف من المؤمنين وغير المؤمنين في كاتدرائية "سانت جيوفاني" في "لاترنو" (أقدم كاتدرائيية في روما)، لمقابلة آرائهم على مسألة السلم العالمي.‏

وما دامت هذه العمليات من الحوار بين المعتقدات مستمرة في الظهور، فسيكون للتربية الرسمية دور متشعّب ناجح في حل المنازعات بين الأديان؛ وفي تأكيد حقها في التعدّد، ضمن سياق لا يقتصر على التسامح بل يشتمل كذلك على التفاهم والتقدير المتبادل. وسوف يعني هذا الأمر كذلك أن روح العلمنة والعلمانية لن تعود إلى النزاع مع الدين، وأن "الإيمان المشترك" كما يقترحه جون ديوي(3)، الفيلسوف والمربي الأمريكي، وكما يقترحه بعد فترة قليلة الكاتب الإنجليزي أ لدوس هكسلي بتعبير لا يبنتس هو أن "الفلسفة التي تدوم أكثر من سنتين سوف تنتشر أكثر فأكثر". (وعلى ما ذكر دايساكو إكيدا Daisaku Ikeda، رئيس منظّمة سوكه غاكّاي العالمية، ومؤسس رابطة تسونيساورو ماكيفوتشي، في محاضرة له، فقد كان عميق الإعجاب بفكرة ديوي.).‏

ولاريب أنه من الصعوبة بمكان العمل على إنجاح "الإيمان المشترك" للبشرية، ومقدمته المنطقية كبيرة، وانتشار هذا النمط من المعرفة عالية التخصص و المواقف اللاحقة للأذهان المنفتحة والإخاء الإنساني بين الناس. إنها مهمة عسيرة، ولكنها ليست يوتوبية. ويرتكز إيماني الشخصي على الإمكانية التي لدينا لإنجازها.‏

الهوامش:‏

(*)ـ الأستاذ الدكتور ألدو فيسالبرغي Aldo Visalberghi هو أستاذ التربية وعلم الاجتماع في جامعة "سابيينزا" في روما، وقام بالتدريس كذلك في جامعتي تورين وميلانو منذ سنة 1942، وهو مؤلف عدة كتب ومقالات في فلسفة التربية. وكان أحد المدافعين عن التربية التجريبية في "المركز الأوروبي للتربية"، الذي كان مديراً له سنوات كثيرة، وكان منسّق برنامج الدكتوراه بين عدة جامعات، وهو مدير هذا البرنامج الآن. وهو رئيس تحرير مجلة "المدرسة والمدنية"، وهي من أهم المجلات التربوية في إيطاليا. وقد عمل في إيطاليا على إنجاح ترجمة أعمال "جون ديوي"، ودراستها. وهذه الحاشية بالإضافة إلى الحواشي الأخرى لهذه المقالة هي من وضع المترجم.‏

(1)ـ الأرواحية Animism هي الاعتقاد بأن الأشياء المادية والبيئة الفيزيائية مفعمة بنوع من الروح، وقد قدَّم المصطلح العالم الأنثروبولوجي إ.ب. تايلور E.B.Tylor، ليطلقه على ما رأى أنه أقدم مرحلة في تطور الدين، وهي شائعة بين الشعوب البدائية، أما النظريات الفلسفية القائلة بأن كل مادة تحتوي على عنصر من الذهن فيلاؤمها أكثر مصطلح "العمومية الذهنية"، Panpsychism.‏

(2)ـ هانس كونغ Hans Kung: لا هوتي من الروم الكاثوليك وُلد في "سورسي" بسويسرا سنة 1928. وهو منذ /1960/ أستاذ "علم الدفاع العقلي عن المسيحية"، وفي /1962/ عيّنه البابا مستشاراً لاهوتياً رسمياً وفي /1963/ كان أستاذ اللاهوت العقيدي والمسكوني، ومديراً لمعهد البحث المسكوني؛ ومنذ /1980/؛ وبعد أن استقل عن الكلية، واصل عمله أستاذاً للاهوت المسكوني ومديراً لهذا المعهد. وقد أثارت بعض دراساتها الجدل الطويل في كل أنحاء العالم. وفي هذه الدراسات: "هل يوجد الله؟" و"الحياة الأبدية"، و"الأديان العالمية والروح العالمية". والأخيرة مقالة مهمة نُشرت بالعربية ضمن كتاب "الإسلام وعالمية حقوق الإنسان" ـ ترجمة واختيار محمود منقذ الهاشمي ـ مركز الإنماء الحضاري ـ حلب 1995، وظهرت المقالة قبل ذلك في العدد /346/، 14/كانون الثاني 1993، عن صحيفة "الأسبوع الأدبي".‏

(3)ـ جون ديوي John Dewey(1859-1952)، فيلسوف ومربٍ أميركي، ولد في بورلنغتون. ودَرَسَ في جامعتي فيرمونت وجونز هوبكينز، ودَرَّسَ في ميتشيغان (1884) وشيكاغو‏

(1894)، وأصبح أستاذ الفلسفة في جامعة كولومبيا سنة 1904، وكان مدافعاً بارزاً عن الذرائعية. وفلسفته في التربية، التي تشدّد على تطور الشخص، وفهم البيئة، والتعلّم من خلال التجربة كانت مؤثرة إلى حد كبير. ومن كتبه الفلسفية "البحث عن اليقين"، (1929)، ومن كتبه التربوية "الطفل ومنهج التعليم". (1902).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244