|
||||||
| Updated: Tuesday, September 30, 2003 04:27 AM | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
تونس الهلالية! ـــ حسن حميد -1- أخيراً، قيّضت لي الأيام، والظروف، والصداقة العميقة أن أزور تونس. تونس التي حلمنا بها كثيراً، تاريخاً وحضارة، وإبداعاً، وبيتاً للوفاء الوطني والقومي. ذهبت للمشاركة في الأيام القصصية الثالثة للأديب البشير خريف صاحب رواية (الدقلة في عراجينها) التي أعدها من عيون الرواية العربية. كنت محملاً بالأشواق، مرتبكاً، وخائفاً، وحائراً من أشياء لا أستطيع توصيفها. احتمالات هائلة وموحشة تحيط بي.. مسافة طويلة قطعتها الطائرة التي أحسست ببطئها للمرة الأولى، والزمن كان أكثر طولاً واستغراقاً لم أبدده إلا بقراءة كتاب ادوار سعيد (خارج المكان). وحين وصلت الطائرة إلى الأراضي التونسية.. رفرفت كالطائر تماماً.. وحوّمت فوق المدخل الطبيعي لأفريقيا، واجتازته.. عبوراً بمدينة بنزرت.. مضياً نحو تونس العاصمة.. فنهضت حديقة خضراء اسمها تونس، بين جنباتها تتوازع البيوت، والطرق، والدروب، والأمكنة، والناس.. لوحة راحت الطائرة، في تحويمها الجميل المنخفض، تنقشها على جدران القلب بهدوء، وحميمية، وصدق.. من دون ألم أو مفاجآت. وحطّت الطائرة، فهدأت النفس الحائرة وقد أُشبعت بالمناظر الخلابة الآسرة. لحظات، ونزلنا، وبدأنا ندخل إلى قاعة المطار.. فلاقاني الوجه الأسمر للشاعر الكبير الميداني بن صالح رئيس اتحاد الكتاب التونسيين، شيخ وقور، هادئ، فطن، لمّاح، سريع البديهة والخاطر، مضياف، راح يطمئن عليّ كما يفعل الآباء لا الأصدقاء وحسب. ومضينا بسيارة ولده الطبيب إلى حيث يقع (نزل الماجستيك). لكن قبل ذلك كنت قد فوجئت بحضور الناشر المعروف محمد صالح الرصاع الذي شرَّفني باستقباله الأخوي الحميم، والذي لم يفارقني إلا عندما ذهبت إلى مدينة نفطة في الجنوب التونسي حيث أقيمت الأيام القصصية للبشير خريف. وفي (الماجستيك) التقيت بالشاعرين سوف عبيد، وبلوزة الهاشمي اللذين حضرا للسلام، فأخبراني أن (النزل) هذا، أي (الماجستيك) نزل به في الأيام الماضية د. طه حسين، وميخائيل نعيمة.. وهو من أقدم الفنادق المشهورة في تونس العاصمة. ليلة أمضيناها في الحديث عن الثقافة، والفكر، والإبداع، والمشهد الثقافي التونسي.. إلى أن حلَّ الصباح فمضينا نحو مدينة نفطة، مسقط رأس البشير خريف، حيث انعقدت الأيام القصصية الثالثة هناك، فتعرفت إلى أدباء، وشعراء، ونقاد مهمين شاركوا في أعمال الندوة، وإلى مثقفين مهمين أيضاً من أبناء المدينة. كانت الأيام مستغرقة بالأنشطة الصباحية والمسائية، ندوات، ومحاضرات، وحوارات، ثم زيارات اطلاعية لأهم معالم المدينة التراثية.. فالمدينة عاصمة للثقافة والأدب، وعاصمة أيضاً لما يسمى بالجريد التونسي، الناس يعيشون على النخيل، حيث شجرة النخيل تمثل أعز الموجودات.. هي مثل الابن والأب والحفيد، اهتماماً واحتراماً ورعاية؛ هي سبب الحياة وسيدتها أيضاً؛ نبغ فيها شعراء كبار، وأدباء قصة ورواية كبار أيضاً، وخرَّجت بيوتها سياسيين وقادة ثورات ومناضلين ضد الاستعمار الفرنسي.. كباراً أيضاً. أينما ذهبت في نفطة ذات البناء التراثي المميز، المرقش بالآجر المتعدد الألوان.. تجد الأبواب، والشوارع، والبيوت، والساحات، وأشجار النخيل، والناس يتحدثون عن عظمة الحضارة وعمقها.. كما تجد يد الإنسان وقد عملت بكل الإخلاص والتفاني لتكوين حضارة مهمة وسط صحراء.. رمالها مخيفة تجتاح، حين تغضب، الدروب فتمحوها بالتغطية، والبيوت فتواريها، أو تهدمها، أو تغير ملامحها ومعالمها، والأرض الزراعية فتلحقها بأملاك الصحراء! أسيجة من أعذاق النخيل تراها كخطوط الحناء منقوشة على كف الصحراء.. قرب الطرق، والقرى، والبيوت، والواحات، والينابيع.. أسيجة أشبه بالحراس اليقظين الذين يتعاملون مع الرمل وانفعالته بكل الحنان واللطف.. ليهدأ، ويطمئن إلى أُنس الإنسان، لكنه لا يمل الهيجان.. لكأنه يفور من أجل الإبقاء على صحوة الإنسان وأنسه! نفطة بلد أشبه بالخرافة، نهارها شديد الإضاءة والبهر، موار بالحركة، والناس، والأسئلة، واللطف. وليلها أشبه بسجادة من الكهرباء الخالصة.. سجادة من ضوء تكاد تلامس البيوت، والدروب، والناس.. والأشجار.. ضوء منخفض وحميم؛ ضوء جريء يكشف عن جمال ليل الصحراء الفتان! هنا لا شيء في الليل أقرب إلى الناس من السماء المضاءة. ولا نداء سوى نداء (يا ساسي.. اقعد هنا)! ويأخذني الصحب إلى مدينة توزر، مدينة (أبو القاسم الشابي) لنزور قبره، ونقرأ له الفاتحة. مدينة أشبه بنفطة.. حيث هي العراقة، والقدم الحضاري الماجد، وأرواح تونسية تجول في الأمكنة.. والحارات، والمحال، والبيوت القديمة.. هنا الأمكنة شعراء.. جميعها تنشد قصائدها؛ أنت لا تحتاج إلى السؤال.. فقط انظر واستمع.. وعندئذٍ ترَ أي حال من النشوة والمتعة والأسر ستأخذك إلى عوالم الماضي الجميل، إلى صبر الإنسان واجتهاده ومغالبته للطبيعة الصعبة.. وكيف روضها، وأسلس قيادها له.. لتصير عشيقة! وذهبت إلى ضريح (أبو القاسم الشابي) الذي توفي وعمره خمسة وعشرون عاماً. رأيت فخامة البناء، والقصائد المنسوجة بالألوان لوحات من الإبداع المصفى.. رأيت الناس صغاراً وكباراً يزورونه كوجه من وجوه الإبداع التونسي المجلي.. كما رأيت معلم إحدى المدارس يشرح لطلابه حياة (أبو القاسم الشابي) ومراحل مرضه، وتطوره شعره، وعلاقته بجماعة أبولو في مصر، وموضوعات شعره المختلفة.. المعلم يشرح باهتمام بالغ، والأطفال يستمعون وكأنهم في طقس للسحر، بلى، إن الطقس لكذلك فسحر الشابي لا ينفد. -2- وانقضت الأيام القصصية للبشير خريف التي سأتحدث عنها إن شاء الله، وعدت إلى تونس، فذهبت إلى القصبة، والجامعة، وجامع الزيتونة، وبيت الشعر، وبيت الطاهر حداد (محرر المرأة التونسية ونصيرها)، وزرت العديد من الأمكنة الثقافية، والتقيت بعشرات الأدباء والكتّاب والصحفيين الذين يشعرونك بأمور عديدة، في طالعها حيوية المشهد الثقافي في تونس، ومتابعتهم الدقيقة لجولان الأفكار والتيارات والأسماء، وأحوال الإبداع، ومحبتهم الضافية. وكان أن ذهبت بعدئذ برفقة أخي الجميل ساسي حمام، والروائي صالح الدمس، والشاعر سوف عبيد إلى مدينة بنزرت حيث حللنا ضيوفاً على فرع اتحاد الكتاب التونسيين في المدينة، فالتقينا بالشاعر عبد الكريم الخالقي مسؤول الفرع المرحب الدائم، والصديق الغالي.. ولكم بُهرت بـ بنزرت بوابة أفريقيا!! الطبيعة هنا على غاية من الروعة والجمال، والناس علامتهم المميزة الإلفة والمحبة والحوار الدافئ، إنهم في حالة عشق دائمة.. أينما يمضون ينثرون أطياف المحبة ويرسمونها على المقاعد، وفي الحدائق، وعلى شاطئ المتوسط الطويل، وفي الساحات العامة.. بشر لا فرق بينهم وبين الطبيعة بل لكأنهم اشتقوا من الطبيعة لوناً وطراوة وعطاءً. -3- أيام قليلة، لكنها ملأى بالسحر الحلال في تونس الهلالية. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |