جريدة الاسبوع الادبي العدد 798 تاريخ 9/3/2002
Updated: Tuesday, September 30, 2003 04:27 AM
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الفرح الميت ـــ نادره بركات الحفار

لم يكد محمود يغرق في سباته بضع دقائق، حين فاجأه زائر الليل مقلّب الأحوال، منغصّ الأحلام، مكدّر النفوس، معلّل الأرواح.‏

رآه يدنو من رأسه، ينحني نحو أذنه، بردائه الأبيض الفضفاض ووجهه الجاف المتقشف، ونظراته الثاقبة القاسية.‏

تلفظ الزائر بضع كلمات جوفاء خرساء، لم يلتقط محمود حروفها أو معانيها، لكنها أثارت كوامن الرعب في نفسه، وعواصف الذعر من مجهول يوشك أن ينقضّ على عنقه.‏

بردت أطرافه، اهتزت أجفانه، وانفجر العرق من مسام جلده، من عينيه وأذنيه ورأسه، كأن تياراً عنيفاً مرّ على حواسه الخمس فأيقظها.‏

تلفّت حواليه باضطراب، لحظات طويلة مرّت قبل أن يتنفس الصعداء ويدرك أنه لا يزال في بيته، وأنه ليس في حجرة الإنعاش في المستشفى.‏

الهدوء يخيمّ على الحجرة المظلمه، زوجه نائمة، لا تدري ما الذي جرى ويجري؛ لا أحد يدري؛ لا أحد؛؛‏

طفله الصغير يغفو عند صدر أمه، من أين للصغير أن يفهم وأن يدرك ما جرى اليوم لأبيه؛؛‏

تسلّل حافياً، قطع الممرّ الصغير المؤدي إلى الشرفة، حجرة البنات مشرعة، الفتيات غافيات، بعد جهد أيام طويلة، هانئات بدهشة الغد، بالفرح المقبل، يحلمن بأشياء جديدة تغيّر من رتابة عيشهن، يتشوّقن إلى ارتداء فساتين التفتا، والتزين بالحلي التقليدية، غداً لن تمنعهن أمهنّ من الرقص، والتصفيق، والضجيج، لن تمنعهن من وضع أحمر الشفاه، غداً زفاف أختهن الكبرى يسرا.‏

آه يا يسرا، من يصدّق أن الأعوام هرولت، مثل قطار سريع شاء له أن يتوقف اليوم قبل موعده؟؟‏

من كان يصدّق أنني لا أقدر على البوح لك بما جرى؛ لو تعلمين يا يسرا ما الذي جرى، لكنني لن أدعك تعلمين.‏

وقف محمود في وجه الليل البارد، لفحت وجهه النسمات، رفع رأسه إلى السماء متوسلاً مستعطفاً.‏

"يارب، امهلني إلى الغد، وإلى أن ينتهي زفاف يسرا".‏

اغرورقت السماء بالآهات، تباعدت النجوم، فقدت بريقها، وراح يشهق ويزفر ويتنفس الصعداء، ويراجع شريط محنته.‏

-يؤسفني أن أبلغك يا محمود إن حالتك لا ترضي أبداً، لقد أصبت بجلطة حادة، كان يمكن أن تودي بحياتك، شرايين القلب مسدودة تماماً، هل تدرك معنى ما أقول؟؟‏

وبصوت ثقيل متقطّع تساءل محمود:‏

-ما العمل يا دكتور؟ ماذا يمكن أن أفعل؟‏

-لا بد من إجراء عملية في الحال، يجب تبديل شرايين القلب، نحتاج إلى توقيعك، وموافقتك، ومن ثمّ نبدأ في التحضير للعملية، فالأمر أخطر مما تتوقّع.‏

شهق محمود:‏

-عملية جراحية في الحال؛ تعني اليوم؛ اليوم؟!‏

-أجل اليوم، ربما بعد ساعة، أو ساعتين ليس أكثر، فأنا أخشى أن تزحف تلك الخثرة إلى مكان ما، وتسدّ جريان الدم؛؛‏

نظر محمود إلى الطبيب مستعطفاً:‏

-إلا اليوم يا دكتور، أي يوم تختاره إلا اليوم، إلا... قاطعه الطبيب في دهشة:‏

-لست أظن أن هناك ما هو أهم من صحتك، أنت في خطر محدق، لا مجال للتهاون والتكاسل يا محمود. ومن واجبي حملك قسراً إلى حجرة العمليات، الأمر لا يحتمل التأجيل مطلقاً.‏

لماذا في هذا اليوم بالذات تتحرك اليد الخفية، لتسلبه حلم عمره؟؟‏

لماذا حمله الزملاء إلى المستشفى، حين وقع مغشياً عليه؟!‏

لماذا لم تمهله تلك الخثرة إلى أن يفرغ من واجبه العظيم؟!‏

هل يعقل أن يكون أنانياً، يستغلّ المبلغ الذي جمعه من أجل فرح يسرا، لينفقه على عملية احتمالات نجاحها ضعيفة وربما معدمة؟!‏

خمسون ألف ليرة هي حصاد عمره، وجناية شقائه، خمسون ألفاً وزّعها ببراعة على المصاريف الضرورية، ووجد أنه قد يستدين حتى نهاية الشهر، بل لا بد له من أن يستدين.‏

خمسون ألفاً، جمعها بكدّ وشقاء، وبكل ما قدّم للوظيفة من تفان وإخلاص.‏

خمسون ألفاً كان يظنها مثل أوراق سحرية، قد يشتري بها الكون، فإذ هي لا تكفي نفقات جهاز يسرا، ولا تسدّد قيمة العملية التي سيجريها؛‏

الممرضات يتحركن أمامه بسرعة عجيبة، يتحاورن، يتهامسن، يجهزن بعض الأدوات، يختلسن النظر إليه في شفقة ورثاء، كأنهن يعلمن مصيره، ويجهزّن له كفنه.‏

خطة ما كان قد سمع بها من أحدهم، أو قرأ عنها في الصحف، عصابة تسرق العيون والأفئدة، وأجزاء غير منظورة من أعضاء الإنسان؟!‏

قربّت الممرضة رأسها من وجهه. وبعينين حمراوين أمسكت ذراعه:‏

-سوف نأخذ عيّنة من دمك، ومن ثمّ...‏

قاطعها بهلع:‏

-أرجوك، هل أدخل الحمام بضع ثوان؟..‏

هزت رأسها ممتعضة، وهرب محمود، أطلق جسده للريح هرب من المستشفى، وراح يقفز في الطرقات قفزاً، لعلّ تلك الخثرة تذوب من تلقاء نفسها.‏

انقلبت حياته رأساً على عقب، تماماً كما هو البيت الذي غابت معالمه في التحضير للزفاف، فأضحى مثل شارع في سوق تجاري تتدلى الملابس والحاجيات على أبوابه ونوافذه.‏

يسرا ترتدي الفستان الأبيض الطويل، تقف كملاك بين صويحباتها، تدور حول نفسها، تزهو بجمالها، والخياطة أمامها، تتأمل ما صنعته من إبداع بإعجاب، تدنو من الفستان وتبتعد، تشدّ خصره، تعدّل ياقته، تطمئن إلى أن قطعة منه لا تحتاج إلى تعديل، تلفظ الدبابيس من فمها، تختلس النظر إلى محمود، كأنها تقول له "ما رأيك ألا أستحق الأجرة التي أطلبها؟!"‏

الخياطة كالطبيب، كلاهما بارع بحمل المقص. والحياكة، الخياطة تطالبه بعشرة آلاف، والطبيب بخمسين ألفاً.‏

تلحظه زوجته، تناديه ضاحكة مستبشرة:‏

-هل أعجبك الفستان يا محمود؟ أم نجيب خياطة ماهرة، إنها تريد أن تقبض أجرتها اليوم، لا مجال لمفاصلتها، ولا يهمك ربنا يعوض عليك.‏

"لو أنه ظلّ في المستشفى من يدفع لأم نجيب أجرها؟!"‏

وتستطرد كريمه:‏

-ما بك يا محمود، أختي وأختك في المطبخ، تعدّان الأطعمة للغد، ألا تدخل للسلام عليهما؟!‏

التفّت حوله البنات الثلاث، وقفن هن أيضاً يجربن فساتين التفتا الطويلة، تناقشن وتدافعن وتجادلن، كلّ تريد أن تبدو أمامه الأجمل.‏

الطفل الحبيب "سلطان" ابن الخمسة أعوام، يقترب ببطء منه، يقفز على حضنه، يضع رأسه على كتفه، يعانقه محمود، يشدّه إليه، يضمه بحنان، وحده الطفل يدرك أن أباه يعاني من أمر ما، يحاول مداعبته وإضحاكه، ومحمود ذاهل، لا يدري هل الألم الذي يعانيه جراء التعب والإرهاق، أم أنها الخثرة، توشك أن تستقرّ في مكان ما من جسده.‏

إنه مرهق، مرهق حتى الموت، لا يجد سبيلاً للراحة، ولا مكاناً للنوم، كيف له أن يخرس هذا الضجيج؟ أنى له أن يهدأ ويرتاح.‏

زوجه تلحق به إلى حجرة النوم، تقفز إلى جانبه على السرير، تبدو أصغر من عمرها بكثير، الفرح يبهج الوجه، يجمّل الملامح.‏

-لقد فرغ عمال الكهرباء من تزيين الشرفات، اذهب إليهم لتعطيهم أجرهم، لست أدري لماذا فكّرت في تزيين البيت بالأضواء؛ كلفة إضافية كان يمكن تجاهلها..‏

وتستعيد مرحها:‏

-"ولا يهمك. إنه فرح يسرا. ربنا يعوّض عليك".‏

"لو أنه ظل في المستشفى، من يدفع لعمال الزينة أجرهم؟؟"‏

حاول أن يرقد في سريره، عمل جاهداً على تناسي الآلام، والهرب من واقعه، لم يفلح في استدعاء الكرى، زوجه كريمة تعود إليه، توقظه برفق.‏

-وصلت الحلويات للتو، البصمة والكنافة، رائحتها تذيب القلب، انهض لتعطي العامل أجره.‏

وتربت على كتفه بحنان:‏

-إنه فرح يسرا، ولا يهمك، ربنا يعوّض عليك.‏

"لو أنه ظل في المستشفى من ذا الذي يدفع أجرة الحلويات؟!‏

تخرج كريمة، ويقفز سلطان إلى حضنه، يحاول مداعبته مجدّداً، لكن محموداً يتأوه، يصرخ من شدّة الألم.‏

يتساءل الطفل بذعر:‏

-ما بك يا أبي؟‏

-لا شيء يا حبيبي، مجرد ألم بسيط في الصدر.‏

خمدت الحركة المجنونة، ذهب كل إلى سريره، وتسلّل وحده إلى الشرفة، ربما مضى وقت طويل، ربما فقد وعيه، لكن الزائر أيقظه فجأة.‏

رفع رأسه إلى السماء متوسلاً، مستعطفاً ربّه في خشوع، تزامن صوته مع صوت مؤذن الفجر، وراح يتضرّع إلى الله في نبرة ملهوفة.‏

"يا الله يا منقذي. ألا يتوقف هذا الألم بضع ساعات، بضع ساعات فقط، لقد طلع نهار زفاف يسرا، ولست أطمع إلا ببضع ساعات، لك الحكم والقضاء بعدها، يا أرحم الراحمين يا مجيب الدعوات يا...‏

آلام حادة عربدت في مسامات صدره، تدافعت من كل جانب، أعقبها اختناق، وتخاذل وخيبة، بضع لحظات، وهوى رأس محمود على حافة الشرفة، هوى الأمل في الشفاء، والأمل في الفرح.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244