جريدة الاسبوع الادبي العدد 798 تاريخ 9/3/2002
Updated: Tuesday, September 30, 2003 04:27 AM
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

دعني أرافقك!...ـــ مونيكا دال ريو(1): تعريب: محمد صالح بن عمر

أسدِلوا ستائر النوافذ،‏

أغلِقوا الأبواب،‏

غطّوا بالضباب‏

الخطوط الواضحة المحيطة بالأشياء،‏

أسدِلوا ستائر النوافذ،‏

لينتشر الظلام المضني‏

تحت الأجفان نصف المنغلقة. الآن، لا شيء غير خفقان القلب وصراخ الروح- لم يعد ثمة ضوء!‏

الضوء!!! لم يعد ثمّة ضوء!!!‏

أُدعى أند (And)، يبدو أني لم أقل ولو مرة في حياتي كلاماً معقولاً. ولكني كنت أحدق القراءة على طريقة المنجّمين في نجوم الحدقات فتنكشف لي الرغائب والشهوات الخفية. إنني أعرفهم جميعاً. لقد كانوا يفدون عليّ طلباً للنصيحة.‏

لقد كانت أنيكا (Anika) النافرة كالظبية وبيروت الذكي يغادران قصري في خشوع المغمور بالسعادة بعد أن تسلموا بكل سرور حيواناتي الخشبية. أُدْعى أند (And). ا كنت دائماً مزهواً بذاتي بعض الشيء وميالاً إلى الانتقام والأخذ بالثأر.‏

***‏

نحن نشكل جزءاً صغيراً من البشرية. لتبق هذه الحكاية مجرد قطعة سردية غير مكتملة مثل حكاية نايك دي ساموتراس (Nike de Samothrace). لتمد أجنحة على أرواح الالكترونات الحرة...‏

إني أخصك بها.‏

لك- يا قلبي الذي توقف بعدُ عن النبض.‏

بك- يا أيها الذي لم تعد قادراً على سماعي.‏

أخصك بهذه الحكاية، حكاية الحياة والموت، حكاية الموت الذي يحوله الحب إلى حياة...‏

أخصك بها...‏

***‏

-تعال، تعال معي... سنرقص ونضحك ونشرب.‏

-انصرفي. ألا ترين، إذن، أني منهمك في العمل؟‏

حيواناتي الخشبية تكاد تكون حية. ففي كل يوم أداعبها بالمنحت فتزداد أكثر فأكثر اقتراباً من درجة الكمال. انصرفي. ألا ترين...؟‏

إن خرطوم الفيل منطو على نحو مضحك. النمر يوقف شعره كالشوك، الزرافة تقهقه بعينيها... يا ثعلبي الصغير... يا ثعلبي الصغير... إلى أين تجري؟ ذيلك الخمْلي.‏

-إلى الجحيم يا أند (And) حتى أنا أفارقك.‏

-أنت أبله يا أند.‏

-ستبقى وحيداً... أنت تستحق ذلك!‏

-فيما مضى قد أحببتك كثيراً. أما الآن... فاعذريني لأنه علي أن أرحل...‏

*أند (And)‏

***‏

الحياة تمر خلسة كالحلم. الذكريات تعفو عفو آثار الخطا على الثلج يمحوها إعصار الزمن كما تمحى الزهور التي يرسمها الماء المتجمد على زجاج النوافذ.‏

-هذه الباقية الملتهبة... لك.‏

(ألست ذكياً يا بيروت حتى لا تبادر بدعوتها إلى المائدة؟)‏

لقد صافحتني اليوم. وبعينيها الكستنائيتين الشبيهتين بعيني دب أسمر لامست وجهي. لامسته بنظرة تنضح عطفاً ثم أنزلت عينيها إلى أسفل، أسفل...‏

سألت بحرية ربما مغالى فيها: لماذا تلبس وشاحاً؟ فلمع خاتم زواجها لمعان الخنجر.‏

-شكراً على باقة الزهور. إنها رائعة.‏

-محال أن تلتئم القلوب المفتتة.‏

***‏

سيستمر وصالنا إلى آخر قطرة من حياتنا... لقد أحسست بيدك تلامس يدي. اختلطت أصابعنا في حلمي، عندئذ... عندئذ عرفت كيف أمتلككَ، رغماً عن إرادتي يا ميشا (Misha). والآن ما العمل؟ أقع صريعة هواك أم ألازم برودتي؟ إني أتخبط في دوامة من اللبس...‏

-كم أنت... شديدة الحرارة، قولي لي كلاماً لطيفاً.‏

-...‏

-قولي لي بعض كلمات الود.‏

قلت في نفسي: لنبق صديقين، لكني صرّحت قائلة: قريباً سيحين موعد الحفلات.‏

-أنيكا (Anika)! لا أفهمك.‏

-لا ضير البتة، تعال، بدلاً من ذلك، نرقص.‏

***‏

-ألا تسحبي يدك يا أنيكا؟‏

-هل في ذلك ضرر؟‏

-كلا... أحب حرارة راحتك. هل تعلمين... أن ميشا (Misha) يحبكِ كثيراً؟‏

-نعم أعلم.‏

-وأنتِ؟‏

-لا.‏

هل صارحتهِ بذلك؟‏

-لا لكنه على علم به مع ذلك.‏

-لا قلب لكِ.‏

-هذا ربما كان خطأ من أخطاء القدر.‏

-هل نطقتِ ولو مرة واحدة بعبارة: أحبّك؟‏

-نعم كان ذلك منذ عهد طويل. كان في الستين من عمره. وكانت له زوجة وأولاد كبار.‏

-...‏

لقد توسل إلي طويلاً محاولاً انتزاع هذا الاعتراف البسيط مني. لكني ظللت متماسكة ومصرة على عدم الاستجابة لطلبه. وفي آخر يوم (وقد كان يستعد لسفر طويل) فهمت على نحو غريب أني لن أرى حبيبي أبداً. فقلت له بصوت خافت جداً لكن في منتهى الوضوح- وقد أدركت في حالة من الانبهار الخاطف إلى أي حد كان قريباً مني- أحبك. لقد كان- فيما بدا لي- تحت وقع المفاجأة لكني أعدت تلك العبارة مرة تلو مرة دون كلل: أحبّكَ... فسألني بكثير من الأسى لماذا لم أصارحه بذلك إلا الآن وما غرضي من مصارحته به ثم امتطى قطاره الأسود في رحلة طويلة.‏

***‏

من يدري؟... حين يتسلل شيطان الحزن ليلاً في الظلام الدامس إلى بيتنا، بيت الأحلام ومشاعر الهمود والونى والرغائب الخفية. فيفتت القلوب ويدك المشاعر... فينهار البيت ويتطاير قطعاً من زجاج، كل قطعة منها تشتعل وقد تضرجت بدماء قلوب الكفرة.‏

-زوجك يبقى بعيداً. وهو ينتظرك بفارغ الصبر، وككل رجل عاشق أسألك: لماذا تحبينني؟‏

-ما كان الحب ليُفهم.‏

-لا مناص من الفراق. فهو نصيب من أنصباء الحياة، لن تبقى إلا حفنة من رماد. لكن ذلك لا يُقدّم للمرء شيئاً، أي شيء...‏

-لِمَ أنت حزين إلى هذا الحد؟ لا تحاول الابتسام، إنه أمر مؤسف، عيناك تغرورقان بالبكاء.‏

-مات صديقي اليوم فجراً... قريباً يحين موعد الحفلات، يا أنيكا (Anika). كان يفيض في الحديث عن تلك اللحظة حين التقى فجأة ذهنياً بأمه في مكان ما من أقاصي الدنيا. يا صديقي...‏

***‏

-كن ذكياً يا بيروت وادعُها إلى المائدة. لا تنس أنك سترحل غداً.‏

-أنت التي تحدثينني عن ذلك؟ أنت التي أدفع لها كل ليلة ثمن الجنس الذي أمارسه معها؟‏

-وبعد هذا هل ثمة ما يدعو إلى التعجب؟ ألم تخامرك رغم كل شيء فكرة..؟ اذهب إلى الجحيم أولاً وآخراً.‏

***‏

-انظر، يا له من رجل غريب! بلحيته الشمطاء الشبيهة بخرقة من التبن ومعطفه الأبيض كما لو أنه يتهيأ لرحلة طويلة.‏

-إن شئت... انتظري لحظة!‏

-عفواً، سيدي، من أنت؟ وماذا تفعل يا أيها المهموم في هذه الجزيرة التي تتوفر فيها كل أسباب المتعة؟ فمن أنت؟‏

-إني رسام كبير... تعال، سأطلعك على لوحاتي، أعمالي الفنية...‏

-هذا مفيد جداً، شكراً، لكن... لنرجئ ذلك إلى غد... أما الآن فإني مستعجل.‏

-غداً؟... من المحتمل أن يفوت الأوان بكثير.‏

-سترحل؟‏

-كل إنسان يرحل إلى مكان ما.‏

-غداً؟‏

-من يدري؟ ربما اليوم. وداعاً أيها الرجل الطيب!‏

-إذن ماذا قال لك ذلك العراف؟‏

-كانت لديه رسالة يريده تبليغك إيّاها: أنيكا (Anika) أحبّيه!... لأنك إذا أجّلت الأمر إلى غد ربما فات الأوان.‏

-أيها الوغد من أين لذلك الوغد أن يعرف اسمي؟‏

-إنه عرّاف.‏

-مثل مرلان (Merlin).‏

-انظري إلي، إني أعشق نظراتك. فهي شديدة الوقع إلى درجة أنك كما لو كنت تعرفين كيف تحققين في تلك اللحظة حياتك كلها على نحو ما يحدث في الخرافة وذلك بالرقص وسط دائرة من المعجبين. انظري إلي!‏

حدقتاك الضخمتان لامعتان، حرارتك مرتفعة، هل تعرفين ذلك يا أنيكا (Anika)؟‏

***‏

حين ينزل شبح الأرض بمدرته الثقيلة على قلبي- وقد كنت، أياً كان الأمر، قد اشتدت بي الآلام بعْدُ- أحس بنقمة شديدة على العالم.‏

حين أتأمل النجوم التي لن أراها أبداً لأنها قد اندثرت بعدُ تستبد بي تلك النقمة.‏

حين أفكر في الحياة الخالدة ينتابني ألم الخيلاء بالوجود وأرغب في أن أعيش قوياً متعاظم القوة.‏

الأشجار الجرداء تنتصب في الحقول... أشجار السندر والحور والإجاص البرية تمتد على أشرطة الثنايا. إنه مشهد معروف جداً...‏

إني أشعر بمرارة شديدة. وحين أنظر إلى تلك الأشجار وهي تموت أحس لدموعي في فمي طعم الملح.‏

وأحس بأني مذنب أنا الدب الأسمر.‏

***‏

-اسمع يا أند (And)، ليست لك سوى حياة واحدة، حين يأتيك ملاك الموت سيكون أوان التفكير في ذلك قد فات منذ وقت طويل، حين يطير ملاك الموت أسود كالوباء على أجنحة الريح...‏

-عملي هو حياتي. إنه عشقي للإبداع.‏

-ستموت أعمالك الفنية أسرع مما تتصور يا أند (And)، أسرع مما كنت انتظر موتي رغم أني كنت أعرف أوانه.‏

حين وصلتْ هززتُ حاجبي الضيقين من فرط الدهشة وكنت قد تأنقت في تزيينهما. وفيما كنت أفكر في الآلية المعجزة التي تتحكم في جسدي كنت أثني أصابعي وأطلقها وأرنو إلى الشمس بعينين مفتحتين وقد أدهشني الإحساس بالمعين الحارق لدموعي...‏

لقد خسرتَ كل شيء... فحياتك ضاعت... وها أنت، الآن، تمخر عُباب البخار الضبابي في اتجاهي. يا أخي، تأمل ماضيك الرمادي أو قل هو الفاقد لأي لون مثل الشخصيات البلورية في معرض وحوشك الخيالي وأصدقائك البكم، انظر... لقد أضعت في ملاحقتها أثمن الأوقات.‏

-كنت أريد، مع ذلك، بإلحاح شديد، أن أعيش حياة نشيطة إلى حد الألم.‏

***‏

ما هو الحب الذي أخذ بألبابنا أنا وبيروت والدب الصغير الأسمر وأنيكا (Anika) وأند (And) وحوشه التي يعشقها؟ لقد ضعنا في الضوء الباذخ وذبنا في العدم.‏

انتهى كل شيء... على كل، الآن... دعني أرافقك إن كنت تحبني...‏

1 كاتبة بولونية مقيمة بتونس وقصّتها هذه مقتطفة من مجموعتها "وإن لم تكن الحياة سوى حلم؟" المكتوبة بلغتها الأم.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244