جريدة الاسبوع الادبي العدد 798 تاريخ 9/3/2002
Updated: Tuesday, September 30, 2003 04:27 AM
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الصوت ـــ غسان كامل ونوس

"لو كان لي صوت، لصرخت في وجهه!"‏

قال في سره، وهو يراجع أصداء لقاء انتهى للتو...‏

-لو كان...!‏

زفر تافاً رذاذاً حاراً؛ تأكد له ذلك من كثافة بوق البخار الذي انطلق من بين شفتيه.‏

-لماذا لم يصرخ في وجهه أحد؟!‏

-ظننت أن ذلك سيحصل..!‏

فح بوق آخر:‏

-فعلها أحدهم، بل فعلوها جميعاً، ولكن...!‏

***‏

"وحدي بقيت صامتاً؛ أطرقت قليلاً، نقلت ناظري بينهم، يتكلمون بحماس...‏

قاطعوه مراراً، بالهتاف والتصفيق؛ لم ينظر إلي. منهم من نظر عرضاً.. لم يسألني أحد عن رأيي؛ لم أطالب بحقي في الكلام، ليس لدي أبلغ مما قالوا، ومن غير اللائق أن تردد أقوالاً مشابهة، أو أقل حرارة...!"‏

فكر ثم أضاف مدارياً حال حزن مكتئب:‏

"هذا فيما إذا كان لي صوت...!"‏

***‏

قال والدي:‏

-أنا أحب (وديع)، أكثر، لأن صوته من رأسه...!‏

وتابع، بعد أن نفر سؤال في وجهي:‏

-هناك من يكون صوته من بطنه...‏

-وصوتي أنا، من أين؟!‏

ضحك:‏

-أنت.. ليس لديك صوت.. بعد!‏

وأضاف مع أنة مديدة حادة:‏

-لا تزعل! لست وحدك.. أنا أيضاً ليس لدي صوت؛ لا أحد يسألني عنه..!‏

***‏

سهرت مندهشاً: صوت أبي واسع حاد، حين يصرخ علينا، أخي وأنا، في الحارة البعيدة، كي نعود قبل المغيب.‏

كان يطلقه معتّباً، وهو يستريح من حفر الأرض، وابتناء المساند الحجرية للسفوح المنحدرة، فتردد أصداءه الوديان..‏

تباهى أمامنا مرات، بأن لصوته الفضل في استمالة قلب أمي، حين كان في منادمة شرسة جوار البيت الذي صار بيت جدي؛ ومنافسه "مقومس"..!‏

لكن حماراً لا يلبث أن يرفع نهيقه المديد حين تتعالى نبرة صوته! فبقي صوت والدي وحيداً مؤثراً:‏

إذن لماذا لم يعد لوالدي صوت...؟!‏

سمعته يقول مرات:‏

سبحان المعطي! صوت حمد يصل مسافة يوم، وعتاباه قوية حادة، وهو يرتزق منه؛ إنه رزقه حقاً؛ سبحان الرازق..!-هل يبيع صوته؟!‏

ضحك:‏

لا.. ليس تماماً، يتقاضى عن معاني أبياته، وعذوبة صوته؛ يرندحه كجرس الحيدري..!‏

-ولكن سلوم باع صوته..!‏

-سلوم...‏

وضحك مديداً:‏

(جاؤونا بورقة جريدة، وقالوا: أصواتكم لنا؛ يجب أن تكون لنا.. انظروا بياننا برنامج عملنا..! نحن من نستحق أصوات الفقراء! لن تضيعوا أصواتكم هنا وهناك.. يجب أن تعلموا أن لها قيمة، ثمن...‏

تناول سلوم الجريدة، وبدأ يصفّر، ويهز رأسه. وصاحب البذلة المكوية، ينتشي.‏

-أرأيت...؟! اقرأ لزملائك..! خبروا أصحابكم...!)‏

وتابع والدي:‏

(كتمت ضحكة -جلجلت بعدما ذهبوا- حين مد المرشح يده إلى الجريدة، يصحح من وضعيتها، بعد أن قال: هذا من شدة لهفتك لقراءة البيان..‏

قال سلوم: كنت أصفّر من منظر السيارة التي في الجريدة؛ ظننته حادثاً؛ فالدواليب إلى أعلى...‏

ثم ضحكنا أكثر حين قلت له:‏

-ظننتك ستقول: ما أنا بقارئ...‏

-صل على النبي... يا رجل...!‏

وكان يضحك مع النقود التي في جيبه...!)‏

قلت في سري: لو كان لي صوت، لبعته.. ربما!‏

رددت ذلك مرات... حين تتملكني رغبة أن يكون في جيبي قطعة نقود، كالتي يلعب بها أولاد السعدون في المدرسة ذاتها، أو في احتفالات العيد التي تستمر أياماً، وحين أعطاني عمي ليرة، في أحد الأعراس، وضعتها في يد شحاذة قطّع نداؤها قلبي؛ كما كانت تحز أعصابي أصوات الأبقار التي أمر بها يومياً من تحت التوتة التي تربط بها ذبيحة العيد.‏

***‏

ذات مساء صيفي غاص بدخان روث مضاد للناموس، كنا على المصطبة حين قطع عدي النجوم الأكثر إشعاعاً، صراخ أنثوي حاد، من البيت الملاصق لدارنا. جفلت واعتدلت؛ تطلعت إلى أمي: كانت عيناها معلقتين بعيني أبي المبتسم. قلت:‏

-أمي... إنه يضربها..!‏

ضحكت:‏

-لا، لا تزعل من أجلها! هي ليست...‏

ربتت على كتفي:‏

-لماذا لم تنم؟! تأخرت؛ ستفيق لترعى...!‏

ضحكت رفيقة الرعي حين أخبرتها، ولم تستغرب حتى حين حدثتها بما جرى في ليلة تالية: جاءتنا المرأة ذاتها تركض، وكنا على المصطبة عينها، وعصاه تلاحقها، وألوان من النعوت التي تشتهى في أوقات أخرى. بكت أمي من أجلها طويلاً...‏

لكني لم أخبرها بما سمعت في مساء شتوي، كان أنين أمي المكتوم، وضحكها المشتت يتناوبان من الركن المظلم في بيتنا الوسيع، لم أدر إن كان علي أن أزعل من أجلها، أم أفرح! وبقيت عيناي مشتتين في ظلام يعجز عن إضاءته سراج شحيح...‏

قالت أمي:‏

-حتى في هذه لا تنفع..!‏

لم تكن المرة الوحيدة: كانت ترسلني، كلما مر حين من الزمن، لأقف على طرف الحاكورة المقابلة للحرش، لأرفع صوتي محذراً الثعلب المتربص بدجاجاتنا الوفيرة؛ فيخرج وشوشة؛ فتصيح:‏

-ويلي منك، وويلي عليك..! هنيئاً لثعالب الدنيا بحراس من أمثالك..!‏

قعدت، يومئذ، أندب حظي، وقلة حيلتي، وضعف صوتي؛ حين سمعت أصواتاً متلجلجة غير مفهومة قادمة من طريق الوادي القريب؛ جفلت، وكدت أهرب لولا أن شغلتني اللهجة غير العادية، واللحن الغريب، والمقاطع المتداخلة، دون أن أتبين كلمة واحدة، أو نغمة منسجمة، قبل أن يظهر، بعد حين، أخرس القرية المجاورة، عابراً من جوار الحافة التي أختبئ خلفها، منتشياً، منشغلاً، هازاً رأسه، منطرباً...‏

***‏

صديقي يطلق من فمه أصواتاً متقطعة، وهو يشد خيط طائرته الورقية المتعالية. كنت أرفع طائرتي، حين سألته:‏

-ما هذا؟!‏

-هذا صوت الطائرة..‏

-ولكن صوت الطائرة يخرج من مؤخرتها.‏

سخر:‏

-من قال لك؟!‏

-أبي قال لي حين مرت طائرة حربية، سمعت صوتها بعد عبورها، فسألته.‏

-وما الفرق؟! سأفعل حين أستطيع؛ لن أخجلك..!‏

وتابع بعد برهة:‏

-ولماذا لا تفعل أنت؟!‏

ولم أجب.‏

وحين عبرتنا ذات أصيل صيفي محمر، مجموعة من الطائرات الشبحية، وترافق دويها مع أصوات انفجارات الخزانات التي تلينا، أحسست برائحة كريهة، إضافة إلى مشاعر الخوف والحيرة والشك...! وفتشت عن صوتي طويلاً.!‏

***‏

لم يكن لصوتي حاجة، حين حاربنا كل الأعداء، وانتصرنا عليهم في فترات التدريب الصباحية والمسائية. وكنت أحرك شفتي مع الصوت الهادر الذي يرعب العدو في عمق تحصيناته، ويعيد كل الحقوق بخبطة قدم. لكن المشكلة برزت، حين كان علي أن أقسم. وطلب مني أثناء التحضير لحفل التخرج مرات، أن أعيد الكرة، بعد عقوبات وتهديدات. فقد خلص المشرفون بعدئذ إلى أن نقسم جماعة؛ لست متأكداً إن كنت وحدي السبب في ذلك...!‏

***‏

صرخت في وجهه:‏

-أنا غير موافق..!‏

حين قال:‏

-أكيد كلكم موافقون.‏

-أنا غير موافق، وما تقوله غير صحيح، وأنت نفسك لا تؤمن به، ولا تمارسه؛ هؤلاء أيضاً لا يؤمنون، ولا...‏

وقف محتداً، أراد أن يقاطعني.. يسكتني.. ويذكرني بالنظام والأكثرية، والصوت الوحيد النشاز، وبالشذوذ الذي يؤكد صحة القاعدة، وبالحصاة التي تتوهم أنها ستوقف التيار...‏

لكنه بدأ يتراجع، أسبل يديه، أطبق فمه. بعد أن وقفت، وقلت كلاماً كثيراً، كلاماً أفكر في قوله منذ زمن. كاد يثقلني، يخنقني، يميتني.‏

بدأ صراخي يتعالى، ويدي تهتز، وعرقي ينز؛ صار الكلام يتهاطل بالجملة.. بدأت الكلمات متآكلة متداخلة؛ الصوت متواتر..‏

تصاغر الذي كان قبل لحظات أمامي عملاقاً، تضاءل، تلاشى... لم أعد أحس بمن حولي؛ توشوشوا أول الأمر، وانشددت من قميصي لأسكت: ما لك أنت؟! هل جننت؟! هل تريد أن تصلح ما أفسد الدهر؟! ولماذا تحمل السلم بالعرض؟! ومن الذي يدفعك؟! أو يحميك؟!‏

لم أعد أسمع أنفاسهم، زفراتهم، حتى موافقاتهم التي تلت ذلك، وكلمات التأييد التي كان خافتة.. ثم تعالت، حتى أن صوتي لم يعد بإمكاني تمييزه...!‏

قالت زوجتي منقبضة الملامح:‏

-مع من كنت تتخاصم؟! كنت تتعذب، وأنينك خافت؛ هل هذا كابوسك الدائم؟!‏

***‏

في الوادي البعيد، ثمة متسع من الفضاء الخالي من الكائنات، هناك كنا نشرع أصواتنا... نتبارى بالصدى..‏

هل لا زال هناك صدى؟!‏

كان غروب الشمس قد بدأ بإلقاء الغبش على اللوحة الغارقة في الإبهام؛ أطلقت حجراً صوب النهر الذي كان لصهيله نغم الحياة، ذات طفولة.. تردد إيقاع ارتطامها بقاعه الصخري... تلاها نداء خرج من بين شفتي المقششتين، باسم من كانت تشاركني الرعي والصراخ، وأشياء أخرى... لا أدري كيف حدث ذلك، لكنه كان صوت مني، صوتي... أتبعته بآخر، وآخر... تواصل الصدى مديداً، قبل أن تظهر على الضفة المقابلة من الوادي، على الصخرة المواجهة؛ كانت تضرب خديها بكفيها، وتشد شعرها بيديها..‏

تلف صوتي، واستمر الصدى يدوم حتى قذفني خارج الوادي عيياً...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244