|
||||||
| Updated: Tuesday, September 30, 2003 04:27 AM | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
فانتازيا ـــ إبراهيم خريط 1-بولمان ما إن اجتاز بوابة انطلاق البولمان، حتى انقضوا عليه كوحوش ضارية وطيور كاسرة. جاؤوا من كل الجهات... حاصروه كصيد ثمين.. أطبقوا عليه من كل جانب، وقيدوه لئلا يتمكن من الانفلات. شده أحدهم من يده اليمنى وانتزعها وهرع بها إلى الحافلة الأولى. اقتلع الثاني يده اليسرى وحملها إلى الحافلة الثانية. ثالث طويل القامة ممتلئ الجسم طوّق عنقه بذراعه التي تشبه الرافعة.. فصل رأسه عن جسده وقذف به من فوق رؤوس الخلق إلى حافلة ثالثة. رابع ضئيل الجسم قصير الذراعين تعلق بساقيه وجرهما إلى حافلة أخرى. حقيبته التي ظلت على الأرض اختطفها صبي خشن الملامح وطار بها إلى حافلة خامسة. لحظة الإقلاع رحب السائقون بالمسافرين، وتمنوا لهم رحلة مريحة. المرافقون- بوجوههم العابسة- طافوا عليهم ووزعوا أكواباً رقيقة فارغة، وانتظروا زمناً ليس بالقصير قبل أن يعيدوا الكرة ويقطّروا لهم قطرات من الماء لا تبلل شفاههم الجافة. بعد ساعات من الإقلاع والتوقف، والصعود والنزول، والزحف على طريق اسفلتي متعرج، هنّؤوهم بسلامة الوصول. انزلقت أشلاء الرجل المبعثرة من الحافلات.. اجتمعت والتأمت ثانية. التقط حقيبته التي وصلت متأخرة، ثم غادر المكان دون أن يثير استغراب أحد. 2-ضد مجهول بعد ليال طويلة من السهر والتعب أنجز روايته الأخيرة. رمى القلم جانباً وجمع أوراقها المتناثرة. رتبها واسترخى على سريره المعدني. وقبل أن يغط في نوم عميق استرسل مع خيالاته وحلق مع أفكاره... تخيل ردود الفعل التي تثيرها مخطوطته عندما يتداولها القراء بعد نشرها. كيف لا وهي رواية جادة تصور الواقع وترصد بواطن الخلل، وتعري صغاراً يحتمون ويتسترون بألقاب. قفزوا إلى السطح في غفلة من الزمن، تسلقوا الذرا واعتلوا القمم.. وتفضح جرائم ارتكبوها في وضح النهار وعتم الليل، وهم في حقيقتهم طبول جوفاء وفقاعات هواء. قبل انبلاج الفجر تسللت شخصيات روايته من بين السطور.. دنت منه.. طوّقته.. جثمت على صدره وأجهزت عليه، وانقضت على روايته وأتلفتها. ثم تسللت وتوارت بصمت وهدوء. صباحاً.. حضر المحقق والطبيب الشرعي وعناصر الأمن الجنائي.. وبعد الفحص والتدقيق نظموا محضراً بالجريمة وقيدوها ضد مجهول. 3-فرصة بعد غياب طويل رأيته ثانية ولمست تطوراً في أحواله.. امتلأت وجنتاه واستقام ظهره وتجددت ثيابه. وقبل أن أسأله عن سر هذا التغير، بادرني قائلاً: -خلاص يا أخي.. استقر بي المقام في العاصمة.. لي علاقات جيدة ومداخلات كثيرة. فيها أصول وأجول وأجني الرزق حسب الأصول. وقد قدمت إلى بلدتي في زيارة عمل قصيرة، وسوف أسافر بعد قليل. قلت له مداعباً: -حققت حلمك وحصلت على فرصتك.. صرت تلبس الحرير وتنام على السرير. قل لي.. أين تعمل وأين تقيم؟ ما هو عنوانك ورقم هاتفك؟ قد أقصدك يوماً. قال باعتزاز: -اكتب عندك... وأعطاني اسم الشركة التي يعمل فيها ورقم هاتفه وعنوان سكنه. ثم اعتذر وغادر مسرعاً لئلا يتأخر عن موعد سفره. بعد أيام قصدت العاصمة لمتابعة معاملة مستعصية منذ أمد طويل، كما تستعصي الطلقة في بندقية صدئة أثناء التدريب. وعندما وصلت حاولت الاتصال به على الهاتف لعله يساعدني في إنجازها، فجاءني الرد: (الرقم المطلوب غير مخصص). حاولت مرة ثانية وثالثة دون جدوى. أوقفت سيارة وقلت للسائق أن يقلني إلى مكان عمله. سألت عن الشركة في الشارع الذي حدده لي، فقالوا: لا شركة بهذا الاسم وهذا العنوان. ضاقت بي السبل.. ساورني شعور باليأس والخيبة.. تجولت سيراً على قدمي المتعبتين في ساحة المرجة وشارع النصر والحميدية. مصادفة رأيته أو رأيت من يشبهه.. راودني فقلت محدثاً نفسي: الوجوه تتشابه، ومن غير المعقول أن يكون هذا الواقف على ناصية الشارع بثيابه البالية ونظارته السوداء متوكئاً على عصا بإحدى يديه ومستجدياً بالأخرى هو صاحبي الذي أقصده. ندَّت من أعماقي صرخة مكتومة: لكنه هو.. أعرفه من العلامة المميزة على وجهه. فوجئ عندما رآني أدنو منه، وأشاح بوجهه عني. همست باسمه لم يجبني. رفعت صوتي.. حاولت الإمساك به. ابتعد مسرعاً. ابتعد وابتعد.. أفلت مني وضاع في الزحام. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |