|
||||||
| Updated: Tuesday, September 30, 2003 04:27 AM | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
غسَّان كنفاني عاشق الأرض الفلسطينيّة ـــ د.سمر روحي الفيصل لم يكن موت أبطال رواية (رجال في الشمس) لغسَّان كنفاني داخل الخزَّان مجرّد نهاية لرواية جميلة، بل كان نبوءة قدَّمها غسّان كنفاني لمصير الفلسطيني الذي اختار الاتجاه شرقاً إلى الكويت بدلاً من أن يتجه غرباً إلى فلسطين المحتلّة. وكأنّ غسان كنفاني رغب في هذه الرواية الصادرة عام 1963 في أن يُجسِد ما صرَّح به بعد سنوات قليلة (1966) في كتابه (أدب المقاومة في فلسطين المحتلة). ذلك أن الفلسطيني الذي اختار البقاء في فلسطين بعد نكبة عام 1948 عنصر مقاوم بوجوده قبل سلاحه. أما الفلسطيني الذي اختار الخروج من فلسطين ومقاومة المحتل الإسرائيلي من (الخارج)، فقد يضيع في الحياة العربية، ويجرفه واقعه وتأخذه أحلامه بعيداً عن الأرض المحتلّة. وربما كان مصيره الموت في (الخزَّان)، ولن يفيده عدم (الدَّقِّ) على هذا الخزّان الذي التهب (صفيحه) بالشمس الحارقة، لأنه حبس نفسه بأحلامه فعسر عليه أن يدقَّ ليخرج من الخزّان وينجو من الموت. وإذا كان الموت داخل الخزّان رمزاً لمصير الفلسطيني الذي ابتعد عن أرضه في صورة الرحيل إلى الكويت من أجل العمل، فإن الدلالة الرمزيّة للموت توحي بأن الطريق الوحيدة للفلسطيني هي طريق العودة إلى فلسطين لمقاومة المحتل الإسرائيلي فيها، فلا أرض للفلسطيني غير فلسطين، ولا قضية له غير التحرير. وليس من العسير بالنسبة إلى القارئ أن يلاحظ مركزيّة (الأرض الفلسطينيّة) في تفكير غسّان كنفاني. فأينما اتجهت في إبداعاته الصحفيّة والفنية والبحثيّة والقصصيّة والروائيّة وجدت الأرض الفلسطينيّة. حتى إنني لا أبالغ إذا قلتُ إن الأرض المحتلة هي الهاجس الذي سيطر على غسان كنفاني طوال حياته (1936-1972). فقد انصرف إليها باحثاً منقِّباً في كتابه الرائد (أدب المقاومة في فلسطين المحتلة/ 1966)، وفي طبعة الكتاب نفسه المزيدة المنقَّحة التي عنونها غسان بـ (الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال/ 1968)، ثم في كتابه (المقاومة ومعضلاتها/ 1970). ولم يكتف بذلك، بل رجع إلى تاريخ المقاومة في الأرض الفلسطينية في كتابه (ثورة 1936- 1939 في فلسطين /1974)، وحلّل المحتل الصهيوني وأدبه لمعرفة صلته بهذه الأرض في كتابه (في الأدب الصهيوني /1967)، وفي كتاب آخر سمعتُ به ولم أقع عليه هو (العرب والدين في الأدب الصهيوني/ ؟). وتألّق غسان كنفاني في العرض الحكائيّ الرمزيّ والمباشر للأرض الفلسطينيّة في قصصه، خصوصاً (أرض البرتقال الحزين/ 1962) و (عن الرجال والبنادق /1968). وراح يتفنّن في الدلالات الرمزيّة لمصائر أبنائها وواقعهم في رواياته، وخصوصاً (رجال في الشمس/ 1963) و (ما تبقى لكم /1966) و (عائد إلى حيفا/1969) و (أم سعد/ 1969)... ولقد كان سليمان حسين دقيقاً في كتابه (الطريق إلى النص) حين أشار إلى أن غسان كنفاني تناول في كثير من قصصه ورواياته مجتمع الأرض المحتلة بطريقة رفعت الواقع إلى مستوى المتخيَّل، دون أن يعني ذلك الانفصال عن هذا الواقع وعالمه، أو مجافاته والهروب منه. ذلك أن غسان كنفاني خلق بوساطة الفن واقعاً فلسطينياً جديداً، وعالماً نضالياً ملحميّاً في بنيته ومضمونه. فأنتَ تقرأ قصصه فتراها تُقدِّم حكاية واقعيّة واضحة، ذات حبكة متماسكة، ولغة تصويريّة جميلة. ولكنكَ في أثناء القراءة تجد الواقع قد ارتقى شيئاً فشيئاً إلى المتخيَّل، وبدأ يضجُّ بالدلالات الرمزيّة. ففي قصة (حامد يكفُّ عن سماع قصص الأعمام)، وهي إحدى قصص مجموعة (عن الرجال والبنادق)، حدث بسيط هو اقتراب حامد من الدبابة المعادية في أثناء تفجيرها مما أفقده سمعه. ويبدو هذا الحدث عادياً أوّل وهلة، ولكنّ سياق القصة يرتقي بفقدان السمع من سياقه الواقعي إلى سياق رمزيّ، فيجعله نتيجة لمآسي الفلسطينيين التي استمع إليها حامد طوال طفولته من جدّاته وأعمامه، تلك المآسي التي دفعت أهله وأقاربه إلى الحذر والخوف من العدو الإسرائيلي، وشيء من الرغبة في الحفاظ على أنفسهم من غدره. ولما كبر حامد وأصبح مقاوماً وشارك في تفجير الدبابة المعادية احتفظ بدويّ الانفجار في أذنه، وجعله الصوت الوحيد الذي يمكنه الاستماع إليه. وكأنّ فقدان السمع هنا هو الصمم المختار طوعاً للابتعاد عن الاستماع إلى التحذير الذي قدَّمه عمُّ الرّاوي، ذلك التحذير الذي رُبِّي عليه الأعمام لما رأوه من بطش العدو الإسرائيلي بهم. ومن ثَمَّ أصبح الصمم رمزاً لتجاهل الجيل الجديد الخوف الموروث، ولانخراطه في المقاومة واستماعه إلى صوتها وحده. وهذه هي البداية الجديدة التي بشَّرت القصة بها، بداية تاريخ المقاومة الذي جسّده تفجير دبابة العدو على المستوى الواقعي، والعمل المقاوم على المستوى الرمزي. إن المستوى الرمزيّ لأرض غسان كنفاني الفلسطينية لا يعترف بالغموض، ولا يؤمن به في الفن المقاوم، بل يعترف بالفن الواقعي الماتع المؤثِّر الذي يناهض الشعارات والصراخ في أثناء إعادة إنتاج الأرض في القصص والروايات. وهذا المستوى الرمزي نتيجة من نتائج ارتقاء الحسّيّ الواقعي إلى المتخيَّل المعنويّ، وشيء من الإيحاء الفنيّ المعبِّر عن رؤيا غسان كنفاني للمصير الفلسطيني داخل الأرض المحتلة وخارجها. فهو يرى أن مصير الفلسطيني محدَّد باستعادة أرضه من المحتل الصهيوني، وأن صراعه مع الصهيونية صراع وجود وليس صراع حدود. إنه المصير التراجيديّ الذي كُتِب على الفلسطيني الخوض فيه والنضال من أجله، حتى إن الأرض الفلسطينية أصبحت بالنسبة إليه القِبْلة الجديدة التي لا يرى غيرها، ولا يسير في طريق لا تؤدّي إليها. ولعلنا نتذكّر هنا ريادة غسان كنفاني في الدعوة إلى المقاومة، وفي توظيف الفن لهذه الدعوة، في الفترة الممهِّدة لانطلاق العمل الفدائي في منتصف الستينيات. ولعلنا نتذكّر أيضاً أن كنفاني استشهد نتيجة إصراره على المقاومة، بعد أن وضعت الموساد الإسرائيلية عبوة ناسفة تحت مقعد سيارته يوم السبت الثامن من تموز /يوليو 1972. لعلنا نتذكّر أخيراً أن كنفاني لم يكتف بالكلمة المناضلة، بل قرن الكلمة بالفعل وراح يُسهم في الإعداد المنظَّم للعمل الفدائي. ولهذا السبب لا أعتقد بأن هناك إمكانيّة كبيرة لتفسير المستوى الرمزي في رؤياه الفنية على أنه نوع من إدانة شعور الذنب لدى الفلسطينيين الذين لم يقاوموا العدو داخل فلسطين وخارجها، بل راحوا يخوضون في الحياة ويبتعدون رويداً رويداً عن قضية الأرض. أقول إن رؤيا غسان كنفاني التي يوحي بها المستوى الرمزي في قصصه ورواياته لا تُشجِّع كثيراً على التفسير الخاص بالشعور بالذنب. من ذلك ما فُسِّرتْ به عبارة الرّاوي في (رجال في الشمس) حين صرخ: لماذا لم تدقّوا الخزّان؟. فقد فسّرها مصطفى عبد الغني في كتابه (نقد الذات في الرواية الفلسطينية) بأنها إدانة للإنسان الفلسطيني قبل أن تكون إدانة للأرض العربية. إنها، حسب تعبير الناقد: (صرخة ممرورة للشعور بالذنب). فأبطال الرواية (قيس وأسعد ومروان) الذين يمثِّلون ثلاثة أجيال فلسطينية اختاروا الموقف الهروبي في طريق الموت، ولما اكتشفوا أن الطريق تصل بهم إلى هذا المصير لم يحاولوا الخروج منها. وهذا تفسير لصرخة الراوي (لماذا لم تدقّوا الخزّان؟)، ولكنه ليس التفسير الوحيد الممكن، لأن الصرخة -حسب تعبير حليم بركات وضمن الخطاب التحريضيّ لغسان كنفاني -قد تعني حدود البلاد العربية مقفلة (بالمعنى الرمزيّ) في وجه الفلسطيني. وهذا الإقفال هو التفسير الذي بدأتُ به المقالة، ورأيتُه تعبيراً عن رؤيا غسان كنفاني للفلسطيني الذي يتجه شرقاً بعيداً عن الأرض الفلسطينية فلا يواجه في هذه الطريق غير الموت، لأن حياته الحقيقيّة تكمن في الاتجاه غرباً إلى فلسطين لمقاومة العدو فيها. إن غسان كنفاني، عاشق الأرض الفلسطينية، ليس كاتباً وصُحفيّاً ومناضلاً فحسب، بل هو أيضاً فنّان ملتزم ذو رؤيا. وليس أدلّ على ذلك من بقاء نصوصه عرضة للتأويل والتفسير بعد نحو من ثلاثين سنة على استشهاده. *** |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |