جريدة الاسبوع الادبي العدد 798 تاريخ 9/3/2002
Updated: Tuesday, September 30, 2003 04:28 AM
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

قراءة قومية في كتاب: المعارضة التونسية نشأتها وتطورها.ـــ أسد عبيد

وهو يكتب عن الماضي، يؤسس الباحث التونسي توفيق المديني للمستقبل كما يدعو إليه ويريده. وفي كتابه العاشر والذي صدر عن اتحاد الكتاب العرب، يدون أزماناً وأسماء وأحداثاً تقع في دائرة اهتماماته الفكرية والسياسية والثقافية، ذات الطابع الاستراتيجي.‏

لكن المديني الذي يجعل من القطر التونسي موضع مولده مثالاً لدراسته القومية يبرز بحق معالم الأحداث الأساسية في الوطن العربي كافة. فحين يتحدث عن المعارضة التونسية نشأتها وتطورها، فهو بالآن نفسه يتحدث عن مستقبل المعارضة في الوطن العربي ويرصد ظاهرتين هامتين فيه:‏

آ-أزمة المعارضة العربية بسبب جور حكوماتها، وهي بالأصل معارضة وليدة الظروف التي أحاطت بها بجوار حكوماتها.‏

ب-بالرغم من أن الكتاب يستقصي النموذج من شمال أفريقيا، لكن القارئ سرعان ما يكتشف بوضوح، الصلة الوثيقة بين ما يجري ويحدث في المغرب العربي وبين مشرقه، بما يؤكد وحدة وتشابه المشاكل فيهما وتقارب أسبابها وموازاة نتائجها في الاتجاهين العمودي والأفقي، على اتساع الساحة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.‏

فالأزمة التي تشغل بال المؤلف دائماً هي أزمة شاملة بالعناوين والتفصيلات، وهذه الأزمة ناجمة عن سقوط مرجعيات الدولة القطرية أو ضعفها أو صلفها وكذلك اختفاء الكثير من مرجعيات المعارضة، نتيجة الانهدام العميق الواسع بينها وبين حكوماتها، وغياب مبدأ القبول بالرأي الآخر، وهي تبحث عن شرعية ما، في الفكر المعاصر.‏

يعطي المؤلف أولوية لبرامج أحزاب المعارضة، التي افتقدت صلة السياسة ليس فقط مع حكوماتها بل مع مجتمعاتها أيضاً، التي صارت تعيش باللهاث وراء لقمة العيش اليومية وحسب، وهاتين الظاهرتين في الدولة القطرية والمعارضة العصرية أصبحت تجسد النقد الذي يؤيده الكاتب ويدعو إليه عبر فكر سياسي ديمقراطي بديل يقدم أجوبة تتجاوز التحديات. ولأن الأزمة العربية المضمرة بالكتاب تظهر على جانبي نهر المعارضة والسلطة، فإن علاجها المحتمل هو النقد والنقد الذاتي.‏

أي نقد المعارضة للسلطة ونقدها لنفسها.‏

هو يقول: "إن المواطنين التونسيين يعانون من غياب الديمقراطية مثلهم في ذلك مثل كل المواطنين العرب"‏

إذ تحولت المنظمات والنقابات والأحزاب إلى أتباع للسلطة. لكن هذا الواقع المؤلم لا يعفي النخب الوطنية، والقوى الحية من مراجعة حقيقية وعميقة لمنطلقات رؤاها وبرامجها الميدانية.‏

حدث أول صدام في تونس بين الحركة اليوسفية (نسبة لصالح بن يوسف) وبين "البورقيبية" المدافعة عن التسوية السياسية مع الاستعمار الفرنسي. إذ أخذت البورقيبة تنادي عام 1956 بحل مرحلي وبمبدأ "خذ وطالب" مما جعل الحركة المعارضة تعتمد منهاجاً أقرته كل حركات التحرر في المغرب العربي يقول:‏

1-إن المغرب العربي عاش ضمن الحاضنة الإسلامية وهو يسير على طريقها نحو مستقبله، كجزء لا يتجزأ من بلاد العروبة وفي دائرة الجامعة العربية وفي نطاق الوقائع التاريخية.‏

2-إن الاستقلال المأمول به هو الاستقلال التام لأقطار المغرب تونس- الجزائر المغرب، والتقارب مع أقطار المشرق. دون التفاوض مع المستعمر أياً كان هذا المستعمر، على التفاصيل، وترك الأساس، كما كان يدعو إلى ذلك الرئيس "بورقيبة" الذي نظر إلى الاستقلال الوطني من زاوية التسويه السياسة مع الاستعمار.‏

فاستطاع هزم المعارضة اليوسفية، التي عجزت عن بلورة مشروع قومي فكري- ثقافي يتحول إلى قوة سياسية فاعلة على اتساع المغرب العربي كله. ومع هزيمة المعارضة اليوسفية، انهزمت فكرة الحزب الواحد والرأي الواحد، فاغتيل زعيمها عام 1962 في أوروبا. بعد ذلك قامت الجبهة القومية التقدمية لتحرير تونس، في مطلع السبعينات وناصب النظام العداء، وعززت علاقتها القومية مع (الجزائر وليبيا) لكنها فشلت في تشكيل بديل حقيقي. وهذا الفشل قاد إلى ضرورة تأسيس حركة جديدة على يد الطلاب الذين درسوا في جامعات دمشق وبغداد في الأربعينات والخمسينات وهي حركة حزب البعث العربي لكنها أيضاً انقسمت إلى قسمين الأول "القيادة التاريخية".‏

والآخر حركة 23 شباط، وبهذا الانقسام ضعفت فشددت الدولة قبضتها على الحركة ليس باعتبارها معارضة للنظام وحسب، بل بوصفها حركة يسارية وقومية. إذ يؤكد المؤلف على أن أهم عوامل فشل حركة البعث هو حصرها في إطار النخبة المثقفة وانقسامها الذي تواكب مع تراجع النشاط القومي في المشرق العربي عقب الانفصال بين سورية ومصر وسقوط الوحدة، ثم امتداد تفاعل هزيمة 1967، وهذا ما أدى إلى تراجع مقاومة الإمبريالية الأمريكية والصهيونية، مما أدى بدوره إلى رفع شعارات تسوية أُفرغت من مضمون السلام العادل. إذ تلاشت قوى التحرر والوحدة بعد حرب الخليج الثانية. بينما ظلت تونس ضد الخطاب البعثي- الناصري، ولم ينفع قيام حركة التجمع القومي العربي مع مطلع الثمانينات، نظراً لسطوة الدولة القطرية، ورغم موقف الحركة موقفاً متشدداً إزاء الصراع العربي- الصهيوني.‏

في مرحلة لاحقة تبلور التيار القومي الديمقراطي على أساس: مقولات الحداثة والعقلانية والعلمانية.‏

ومن هذا التيار انبثقت حركة التحرير الشعبية العربية بقيادة ثلاث كوادر هم: (توفيق المديني مؤلف الكتاب) ومحسن معياري وعمر الماجري) وقد اعتمدت هذه الحركة نهج تمتين علاقاتها مع منظمة التحرير الفلسطينية والعداء لإسرائيل وسلامها.‏

فسارت على منهج تحرير أرض الوطن العربي كافة، وتحقيق الوحدة القومية وإنجاز مرحلة الثورة الديمقراطية، عن طريق بناء الفكر الثوري التقدمي والجبهة القومية الشاملة، ومواجهة الإمبريالية الأمريكية والقوى المرتبطة بها سياسياً وثقافياً واقتصادياً وتوفير قاعدة عسكرية لاحقاً.‏

واعتبرت الحركة "إن مشكلات الوطن العربي وقضاياه ليست مشكلات سورية دون مصر أو مصر دون السودان أو المشرق دون المغرب".‏

وقد تفاعلت الحركة مع المشاكل التونسية ولا زال جناح المديني يعمل على تأسيس مشروع فكري- ثقافي يشكل ركيزة للمشروع القومي النهضوي الديمقراطي كمقدمة للمشروع السياسي المستقبلي، كما يؤكد في كتبه ونشاطه الثقافي. والملاحظ أن الحركات التي ظل لها أثر بحياة التونسيين حتى الآن هي.‏

1-حركة البعث العربي الاشتراكي التي نشأت في الأربعينات.‏

2-حركة القوميين العرب التي نهضت في الخمسينيات.‏

3-الحركة الناصرية في أواخر الخمسينات.‏

لكن هذه الحركات لم تعد قائمة أو ذات فعالية سياسية مباشرة. ومع ذلك ظلت المسألة القومية بصفة عامة عائمة وغير مؤطرة بنشاط مبرمج. ولهذا يدعو الكاتب إلى تسليط الضوء على النقد الواقعي للفكر القومي، على اختلاف تياراته وتلاوينه وفق أسس: العقلانية ونقل الوعي العربي من وهدة التأخير والأسلوب التآمري والغوات إلى مستوى العصر الحديث، ومطابقة الواقع بأبعاده:‏

التاريخية والكونية وفق منهج ممارسة السياسة والديمقراطية.‏

إن هذا المنهج يعطي أهمية متزايدة للمشروع القومي العربي، كخيار للأمة سواء على الصعيد التاريخي أو الاستراتيجي المستقبلي.‏

يرصد المؤلف تطور المعارضة القومية وعلاقتها بالأنظمة العربية القائمة، فيرى: أن نشأة التيارات اليسارية وانخراطها في النضال الوطني لم تجعلها متماسكة لدرجة توحيد اتجاهاتها.‏

ومع نهاية الحرب العالمية الثانية وقعت هذه التيارات بازدواجية جعلتها فريسة للأنظمة، ومجللة بالأخطاء القاتلة المتصلة بعلاقاتها مع اليسار الأوربي والاتحاد السوفييتي سابقاً ومع أن رغبة الشيوعيين التوانسة أظهروا استعدادهم للخروج من العزلة الفكرية، غير أن القوى السياسية المؤيدة للولايات المتحدة كانت قد ثبتت أقدامها أكثر وانتصرت مما دفع القوى اليسارية من المعارضة الثورية إلى المعارضة الاشتراكية -الدستورية وكرستها بإصدار حوالي 25 صحيفة ومجلة طيلة نصف قرن تقريباً. وكانت الصحافة التونسية كمثال قد عرفت انتعاشة مهمة بعد التغيير الذي حمل الرئيس "بن علي" إلى سدة الحكم عام 1987. فتم تعديل قانون الصحافة بما يحظر مصادرتها، وأصبحت الصحف التي كانت تصدر سراً تصدر بالعلن، مما قاد المعارضة القومية والتقدمية إلى تحالفها مع السلطة ضد الحركة الإسلامية، إضافة إلى ظهور تنظيمات يسارية جديدة، لكنها تلاشت وتشرذمت. فاعترف النظام رسمياً بقيام حزب التجمع الاشتراكي التقدمي عام 1988. إلا أن هذا الحزب لم يتمكن من احتلال مقعد واحد في البرلمان خلال ثلاث دورات انتخابية، في مواجهة الحزب الحاكم التجمع "الدستوري الديمقراطي"، ومع ذلك ظلت المعارضة حتى عام 2001 بعدما استبدلت اسمها بحزب (الديمقراطي) الذي لا زال في المعارضة حتى الآن.‏

تؤكد التجربة السياسية والتاريخية في تونس أن المعارضة اليسارية بمختلف مكوناتها لم تستطع أن تجند قطاعاً واسعاً من الناس، ولهذا لم تصبح هذه المعارضة أحزاباً بالمعنى الطبقي والاجتماعي ولم تجتمع مصالحها في إحداث تحول ديمقراطي حقيقي وتغيير جذري في الحياة السياسية، نظراً لوجود بنى اجتماعية متخلفة داخلها وحولها. فقد انهار الريف كما هي الحال في بقية الأقطار العربية، ولم يتم نهوض صناعي كما كانت الحال في أوربا التي قامت طبقتها الوسطى بإحداث تغييرات إيجابية مع تقدم اجتماعي- صناعي.‏

لم يقم لا في المغرب العربي أو في المشرق العربي نظام إنتاج حديث بدلاً عن النمط التقليدي المتخلف، وبالتالي لم تقم بعد دولة الحق والقانون، ولم يتعلم المواطن السلوك السليم، لأن الدولة القطرية الحالية في كافة البلدان العربية دولة أقرب إلى المفهوم البوليسي ومعادية للديمقراطية، أو تابعة للخارج تحت تغطية ممارسات مرائية وإعلام متحايل فاشل.‏

من الطبيعي أن تشهد الصراعات في تونس أشكالاً وألواناً متعددة. فإذا كانت الخلافات قد صعدت وهبطت بين القوى القومية والعلمانية، فإن تلك الصراعات وجدت مناخاً لها بولادة الحركة الإسلامية، بعدما شهدت تونس تقليصاً "للأسلمة" في عهد بورقيبة خلال ثلاثين عاماً، كان فيها بورقيبة يحاول تقليد "كمال أتاتورك" في تركيا التي نجحت إلى حد ما في تغريب الدولة، إضافة إلى أن البورقيبية سعت دائماً إلى الاقتداء بالغرب الرأسمالي الأوروبي. ومن هذه الزاوية تحالفت الحركة اليوسفية مع المؤسسة الدينية التي احتواها النظام. لكن هذا الاحتواء ساعد الإسلاميين بالانتقال "من الجامع إلى الجامعة" وبذلك بدأ الإسلاميون في مرحلة التأطير الأيديولوجي وبناء الهيكل التنظيمي وفق المكونات التالية:‏

1-التدين التقليدي التونسي.‏

2-الخطاب السلفي الأخواني القادم من المشرق العربي.‏

3-التيار الإسلامي العقلاني الذي عبر عن نفسه في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي. حيث تراجعت فكرة "الاشتراكية العربية".‏

ونما الاتجاه العقلاني في الحركة الإسلامية انضج الخلافات الفكرية داخلها مثل نقد "الخطاب السلفي" الذي مثله "حسن البنا وسيد قطب والمودودي" مع تصاعد الخلافات بين التيارين السلفي الكامل والإسلامي السياسي، الذي اعتبر نفسه "تقدمياً" وكان ذلك مع غروب العقد السابع ونتوء الخطاب الإسلامي المعتدل برؤية ثقافية واسعة وقيام دولة زمنية ورؤية اقتصادية - اجتماعية ذات وشائج اشتراكية ديمقراطية، مع رفض مبدئي للعلمانية وبلورة مفاهيم الإسلام الاجتماعية في "صيغ معاصرة". وخلال فترة العقدين السابع والثامن حدث في تونس تبادل الاختراقات بين البورقيبية والحركة الإسلامية وظهرت مسألة الخلاف بين "النقل والعقل" ومهدت الخلافات الداخلية ذات الامتداد الخارجي إلى حدوث انقلاب عسكري برئاسة الرئيس "زين العابدين بن علي" الذي عمل على تصفية الحرس البورقيبي القديم في الدولة والحزب الحاكم، بشعارات ووعود ديمقراطية لم تنفذ على آية حال. لكن المرحلة الحالية استوعبت وأشركت صفوفاً واسعة من الأحزاب السياسية الإصلاحية المعارضة في المعادلة السياسية القائمة بشكل عام، إلى أن آل النظام التونسي مثل كل العرب تقريباً إلى معارضة تحطيم العراق نهائياً أو تقسيمه، بضوء النتائج التي بدأت تتبلور مع نهاية حرب الخليج الثانية وعدم جدية طرح التسوية السياسية بشأن القضية الفلسطينية، ورفض إسرائيل تطبيق قرارات الأمم المتحدة وفي الفترة الأخيرة أصبح الخلاف بين الحركة الإسلامية أكثر وضوحاً، فهناك جناح أصولي يدعو إلى العودة للقرون الوسطى، وبين جناح يميل إلى روح العصر، والخصمان هما الآن خارج السلطة الرسمية.‏

وظل الحزب الواحد يهيمن، بينما المعارضة بكافة أشكالها وألوانها تردد منذ مطلع التسعينات: إن البلد يشهد حالة "موت السياسة" في مناخ تصر فيه هذه المعارضة على التمسك بالخيار الديمقراطي والتداول السلمي على السلطة دستورياً ولا زال هذا الإصرار قائم بأمل حدوث شيء جدي في انتخابات 2004 القادمة.‏

بيد أن المديني يرى أن التشظي السياسي في الوطن ليس بلا أسباب ولعل أهمها:‏

1-وجود بنية اجتماعية تقليدية ناجمة عن التأخر التاريخي للمجتمع العربي بوجه عام.‏

2-انهيار الفئات الوسطى التي تؤلف أكثرية الشعب بسبب سياسة الخصخصة والاندماج في نظام العولمة الرأسمالية.‏

3-طابع العلاقة بين المثقف العربي والسلطات.‏

ذلك المثقف الذي يمثل كلمة السر لأي تقدم سياسي. إذ يدعو المديني المثقف العربي إلى أن يكون مفكراً نقدياً ويقدم مشروعاً مجتمعياً بدلاً عما هو سائد ومسيطر ويستنتج أن لا تقدماً سليماً إلا بتوسيع رقعة الديمقراطية والمساءلة والشفافية للقضاء على ما يسمى بالفساد الأكبر، وهنا يبرز دور هام منوط بالإعلام العربي في تسليط الضوء على الفساد الأكبر في أعلى مواقعه ومرتكزاته السياسية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244