جريدة الاسبوع الادبي العدد 798 تاريخ 9/3/2002
Updated: Tuesday, September 30, 2003 04:28 AM
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 
مع الثعالبي في اللطائف والظرائف

مع الثعالبي في اللطائف والظرائف... وتحسين القبيح وتقبيح الحسن ـــ أسعد الفارس


منذ أن خلق الله الإنسان على الأرض وهو يمر بمواقف يومية يخطئ فيها ويصيب، يسعى لتحقيق أهدافه وطموحاته؛ فينجح أو يخفق، وقد تقبل عليه الدنيا فيفرح ويبتهج ويرى الوجود كله بمنظار حسن، وقد تدبر عنه فيصاب بالإحباط والخيبة، فتقعده عن المثابرة مرارة الفشل ومتاعب الحياة، وفي دوامة الغضب والانفعال قد يسب الدنيا كلها، وقد يعلل النفس بتحسين القبيح الذي يلاقيه، وتقبيح الحسن لأنه أصبح بعيد المنال، وفي ذلك تخفيف لما يجد ويكابد. وفي نظرة بسيطة إلى المحيط، نجد المتناقضات والأضداد، نجد الشيء وضده، فالفرح والسرور مقابل الحسرة والألم، والنور يقابله الظلام، والغنى يقابله الفقر، والهداية تقابلها الغواية، والخير مقابل الشر.

ومن نعمة المولى عز وجل على الإنسان: اللغة التي يعبر بواسطتها عن أحاسيسه وانفعالاته، والكتابة التي يدون بها تجربته في الحياة، ولهذا تعد الكتب التي تعنى باللطائف والطرائف والأضداد مفيدة في هذا المجال، وطريفة في هذا اللون من الأدب الذي يختص بمختلف شؤون الحياة، ويتناول مواقف هامة في حياة بني البشر حكاماً كانوا أم محكومين! إنها فن أدبي رفيع يعتمد بالأساس على الفكاهة والطرافة لا على أساس التحقيق والتقرير، وقد أتحفنا الثعالبي بحشد أطراف ما قيل من نثر ومن شعر في إيراد الشيء وضده؛ وتحسين ما تم التعارف على تقبيحه وتقبيح ما اتفق على تحسينه، فبرع في هذا الفن الأدبي، واشتهر به حتى سمي بجاحظ نيسابور.

الثعالبي هو أبو محمد منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي النيسابوري صاحب المؤلفات الأدبية واللغوية المتنوعة، فنسبته إلى نيسابور من بلاد خراسان، التي فتحت أيام سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، وتشير كتب التراجم إلى أن حياته تعود للفترة ما بين عامي "350-429"هـ، والحميري في الروض المعطار يذكر أن هذا البلد الإسلامي كان قد أخرج أكابر العلماء والأدباء فمنهم: مسلم بن الحجاج صاحب "المسند الصحيح" والثعالبي صاحب يتيمية الدهر في محاسن أهل العصر. قال نصر الله بن قلاقس:

 

 

أبيات أشعار اليتيمة

أبكار أفكار قديمة

 

 

ماتوا وعاشت بعدهم

فلذاك سُميَّتِ اليتيمة

 

أما عن صفته بالثعالبي فقد نسب إلى مهنة أبيه الذي كان يصنّع ويخيط جلود الثعالب، ونحن مع الثعالبي في هذه العجالة في كتاب: "اليواقيت في بعض المواقيت، في مدح الشيء وذمه" وكتاب اللطائف والظرائف في الأضداد" وقد خرج علينا الثعالبي بينهما ببحث ممتع عن تحسين القبيح وتقبيح الحسن، وقد جمع فيه بعض الطرائف من الكتابين السابقين، وللثعالبي أسلوب معروف في تكرار موضوعات سابقة في كتاب جديد، لا من أجل الحشو، أو لقلة في ذهنية هذا الرجل، بل يوظف التكرار في موضوعات أدبية مختلفة. فكتاب اليواقيت، وكتاب اللطائف والظرائف كلاهما يدور موضوعه حول الجمع بين مدح الشيء وذمه، بينما كتاب التقبيح والتحسين يدور موضوعه حول تحسين ما هو مذموم، وذم ما هو حسن وممدوح في سياق فني خاص لا يعني به قاعدة سلوكية، أو فكرة منهجية يدعو إليها، بل يقصد الترويح والفكاهة، خصوصاً وأن اللطف والظرافة كانت سمة طبيعية عند العرب زمن الثعالبي، مع الفصاحة والمهارة في استخدام مفردات اللغة.. وما أحوجنا اليوم إلى التمكن من لغتنا التي أضعنا معالمها في موجة الاهتمام باللغة الدارجة في عصر التغريب والفضائيات التي تهدف إلى طمس هويتنا الثقافية، والحيلولة بين الأجيال وتراثنا الأدبي واللغوي. كانت العرب في موقف القبيح تكني ولا تفصح، فالحدّة عند العلماء كناية عن الجهل، والقطع عند المنجمين كناية عن الموت، والغراب عند الشعراء كناية عن المأبون، لأنه يواري سوءة أخيه، والاقتصار كناية عن البخل، والانحياز كناية عن الهزيمة، والسليم كناية عن اللديغ، والطويلة عند المخنثين كناية عن اللحية، فعندما برص بلعاء بن قيس الكناني، قيل له ما هذا؟ قال: سيف جلاه الله. ومن طرائف المدح والذم والتقبيح والتحسين في كتب الثعالبي: ذم أحدهم للمعلم فيورد الثعالبي رد البلخي: أن العلم والتعلم تعد من أشرف المهن والصناعات، إذ لا يستغني كاتب ولا حاسب ولا صانع ولا بائع عن أن يتعلم صناعة من هو أعلم منه، والعقل بحد ذاته يعد هبة من المولى عز وجل يجب تشغيلها بما ينفع، ولكن عندما تنقلب الموازين ويجور الدهر على صاحب العقل يحلو للناس القول مع ابن المعتز:

وحلاوة الدنيا لجاهلها

 

 

ومرارة الدنيا لمن عقلا

وماذا يصنع العالم بعلمه وهو يرى صاحب الجهل يعطى بجهله وينال، وتضرب به الأمثال فيقال: "كفُّ بختٍ خير من كنز علم". ولهذا قيل في الشعر:

 

المال يستر كلُّ عيبٍ في الفتى

والمال يرفعُ كلَّ نذل ساقط

 

 

فعليك بالأموال فاقصد جمعها

واضرب بكتب العلم عرض الحائط

 

فالمهارة والعقل عند الجهال تجلب الضرر لصاحبها، ومثلهم الصعو من بغاث الطير لا يؤبه به، بينما يحبس الهزاز من الطيور في الأقفاص لأنه يغرد، ولابن البغل قول في هذا المجال:

 

الصعوُ يصفرُ آمناً، ولأجله

حبس الهزازُ لأنه يترنم

 

 

لو كنت أجهل ما علمت لسرَّني

جهلي، كما قد ساءني ما أعلم

 

ومن أصعب أنواع البلوى: الابتلاء بالفقر الذي قال عنه سيدنا علي رضي الله عنه: لو كان الفقر رجلاً لقتلته، ولكن الفقر يُحسَّن ويتم التعايش معه بالقناعة والسعي، وإن لازم فقد لازم من قبل الأنبياء والصالحين، وفيه قول البحتري:

 

فقر كفقر الأنبياء وغربة

وصبابة ليس البلاء بواحد

 

والعرب تعد الفقير خفيف الحمل لا عدو له، ويبقى الغني مثقلاً خائفاً لا يحصى أعداؤه "كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى" والمال والبنون نعمة لمن يقدر أهميتها، وفتنة لا ينجو منها إلا من عافاه الله. ومع ذلك كله يبقى المال والولد زينة الحياة الدنيا:

 

شيآن لا تحسنُ الدنيا بغيرهما

المال يصلح منه الحال والولد

 

 

زين الحياة هما لو كان غيرهما

كان الكتاب به من ربنا يرد

 

والمدح والذم والتقبيح والتحسين نالت الكرم والجود والبخل بآن واحد، فالجود عند العرب "أن تكون بمالك متبرعاً وعن مال غيرك متّورعاً" ولا يُلام الكريم عند عمر بن عبد العزيز بقوله:

 

مالي أشح بمالٍ لست أملكه

والمال بعدي إذا ما مت مقسوم

 

 

لا بارك الله في مال أخَلَّفهُ

للوارثين وعرضي فيه مشتوم

 

وما أكثر ما قيل في مناقب الأجواد من الناس، ولكن للبخلاء منطق آخر، فمن عجبهم: أن يسمى القصد بخلاً والسرف جوداً، وقالوا: اتركوا الجود للملوك فهو لا يليق إلا بهم، ومن شابههم في ذلك فقد افتقر وافتضح، فلا يلومن إلا نفسه، قال شاعر البخلاء:

 

يا رب جود جرّ فقر امرئ

فقام في الناس مقام الذليل

 

 

فاشدد عُرى مالك واستبقه

فالبخل خير من سؤال البخيل

 

كما عملوا بقول ابن المقفع: "أمسك مالك لا ينعم به الناس، فاخصص به ذا الحق من أهلك، ودع الأجانب جانباً، ولو شاء الله أن يوسع على خلقه حتى لا يكون فيهم محتاج لفعل. وقد كانت الملوك قبل الإسلام تحتجب عن الرعية، قال الحكيم للملك: لا تمكن الناس من كثرة رؤيتهم لك، فإن أجرأ الناس على الأسد أكثرهم له رؤية، وقال ابن نباته السعدي:

 

ولو كان الحجاب بغير نفع

لما احتاج الفؤاد إلى حجاب

 

وترى العجم أنه ما من شيء بأضيع للمملكة من شدة احتجاب الملوك، ويعيب أبو العتاهية على بعض الأمراء تعلقه بالحجاب قال:

 

متى ينجح الغادي إليك لحاجةٍ

ونصفك محجوب ونصفك نائم

 

وكان خالد بن عبد الله القسري يقول لحاجبه: "إذا أخذت مجلسي فلا تحجبن أحداً عني، فإن الوالي يحتجب لثلاثة أشياء: عيّ يكره أن يُطَّلَع عليه، أو ريبة يخاف انتشارها، أو بخل يكره أن يُسأل معه شيئاً".

ومما أدركه الناس من كلام النبوة: "الحياة شعبة من الإيمان" وفي أمثال العرب: إذا لم تستح فافعل ما شئت، وهو ما عبر عنه الشاعر:

 

إذا لم تخش عاقبة الليالي

ولم تستح فافعل ما تشاء

 

 

فلا وأبيك ما في العيش خيرٌ

ولا الدنيا إذا ذهب الحياء

 

وفي هذا الزمان النكد العسير، لا ينجح فيه الوقح المتكفف فكيف الحيي المتعفف؟.

قال أحدهم:

ليس للحاجات إلا

 

 

من له وجه وقَاح

ولسان ذو فضول

 

 

وغدوٍ ورَاح

ومع ذلك تبقى الوقاحة كالقداحة، بها يستفز اللهب ويشتعل الحطب، ولم تتوقف مسيرة المدح والذم في كتب الثعالبي عند حد بل طالت الورد والنساء والجواري والغلمان.

أما الشجاعة في سبيل الحق فطبع حسن جميل، ولكن الجبناء يرونها تهوراً وتهلكة، وتلك ورب الكعبة خديعة الطبع اللئيم، فالثعالبي مع أبي الطيب المتنبي في مدح الشجاعة:

 

يرى الجبناء أن العجز عقل

وتلك خديعة الطبع اللئيم

 

 

وكل شجاعة في المرء تغني

ولا مثل الشجاعة في الحكيم

 

وهو في لسان الجبناء يقول: من أراد السلامة، فليدع الشجاعة، والفرار في وقته ظفر، قال محمد بن أبي حمزة العقيلي:

 

ظلت تشجعني هند وقد علمت

أن الشجاعة مقرون بها العطبُ

 

 

يا هند لا والذي حج الحجيج له

لا يشتهي الموت عندي من له أدب

 

وعندما نتوقف عن سرد الأمثلة من أضداد الثعالبي نمر على روحه في التحسينات ومنها تحسين أمر البنات، فالعرب في الجاهلية كانوا لا يودون أن تولد لهم بنت، ولكن الإسلام أبطل فيهم تلك العادة، ومما يروى أن رجلاً جاء إلى معاوية بن أبي سفيان وعنده ابنته عائشة، فقال: من هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال هذه تفاحة القلب، فقال الرجل: انبذها عنك، قال معاوية: ولم؟ قال الرجل: لأنهن يلدن الأعداء، ويقربن البعداء، ويورثن الضغائن، قال معاوية: لا تقل هذا، فو الله ما مرض المرضى، ولا ندب الموتى، ولا أعان على الأحزان مثلهن، وإنك لتجد خالاً قد نفعه بنو أخته، فقال: يا أمير المؤمنين قد حببتهن إليّ. ومن نوادر تطير الأعيان والأمراء أن يحيى بن خالد البرمكي تطير يوماً، وسبب تطيره أن الهادي كان قد هدده بالقتل إن لم يحمل الرشيد على خلع نفسه، فرجع مغموماً وكلم غلاماً له في شيء، فأجابه الغلام بما أغاظه، فلطمه يحيى لطمة انكسرت بها حلقة خاتمه، وطاح الفص، فاشتد ذلك عليه وجزع له، فدخل عليه السيّاري الشاعر، فوجده في هذه الحالة، فهون عليه بشعره، فقال:

 

أخلاك من كل الهموم سقوطه

وأتاك بالفرج انفراج الخاتم

 

 

قد كان ضاق ففك حلقة ضيقه

فامسك فما ريب الزمان بدائم

 

فلما أمسى ارتفعت الداعية لموت الهادي، فصار الأمر إلى الرشيد، فأمر للسيّاري بعشرة آلام درهم. وأقبح القبائل أن يكون المرء محبوساً ظلماً وعدواناً وراء القضبان، مغيباً في السجن خلف الأسوار العالية، وقد يهون الحبس على صاحبه، عندما لا يكون الحبس مرتبطاً بفعل شائن شنيع، ومن الظلم أن يسجن المرء بسبب فكره ورأيه، وهو مما غنى له علي بن الجهم:

 

قالوا حبست فقلت لست بظائري

حبسي وأي مهند لا يغمد

 

 

والحبس ما لم تغشه لدنيّة

شنعاء نعم المنزل المتورد

 

 

بيت يجدد للكريم محله

ويزار فيه ولا يزور فيحمد

 

وهناك أمثلة كثيرة في موضوع التقبيح عند الثعالبي، نسوق منها كره الناس في الماضي لساعي البريد، لأنه يجلب أسرار الناس، وأخبار البلاد والعباد، وكان الولاة وأمراء الجند في الأقاليم يخافون ساعي البريد لأنه بمثابة عين الخليفة، ولما ولي سعيد بن حميد بريد الآفاق، قال فيه أبو عليّ البصير:

بأبي نفس سعيد

 

 

إنها نفس شريفة

لم تزل تختال حتى

 

 

صار غمّاز الخليفة

ومن أشنع التقبيح أن يقبح بعضهم القمر، مع أنه كان ولا يزال صديق العشاق، والذي على ضوئه يحلو السمر، قال ابن الرومي:

 

يا سارق الأنوار من شمس الضحى

يا مثكلي طيب الكرى ومنغصي

 

 

لم يظفر التشبيه فيك بطائل

متسلماً بهقاً كوجه الأبرص

 

كان بودي أن تحظى لطائف وطرائف الثعالبي في الأضداد باهتمام أهل العلم والأدب وذوي الذوق الفني الرفيع... وتمنيت لو أن المجال يتسع للتجوال في الروائع الفنية التي كرسها الثعالبي في كتبه في القرن العاشر الميلادي أزهى أيام الحضارة العربية الإسلامية. والله الموفق.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244