جريدة الاسبوع الادبي العدد 798 تاريخ 9/3/2002
Updated: Tuesday, September 30, 2003 04:28 AM
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

قضايا اللغة والنقد في حوار مع الدكتور رضوان قضماني ـــ حوار: صباح السوسو

عالم الأدب لا حدود له، والكتابة عن الإبداع الأدبي ونقده يتيح لنا الدخول إلى رحابات مفتوحة، ومادام الإنسان يعبر عن نفسه بالكلمة فلابد من النقد، وهما متلازمان أعظم تلازم، ونحن سنقف عند الثورة التي أحدثتها البنيوية واللسانيات في دنيا النقد الأدبي في العالم، وهل استفاد منها أدبنا العربي الحديث بشكل خلاّق؟... ا لبنيوية في أساسها (نظرية في المعرفة تؤكد أهمية النموذج أو البناء في كل معرفة علمية، وتجعل للعلاقات الداخلية والنسق الباطن قيمة كبيرة في اكتساب أي علم).‏

أما اللسانيات فهي فرع من العلوم المعرفية أيضاً أصبح مفتاح العلوم المعاصرة التي تسعى إلى التماسك والانسجام والدقة العلمية في نظرياتها ومناهجها، والعلمية الإبداعية، من وجهة نظر اللسانيات هي عملية دلالية خلاّقة تتشكل مكوناتها في الدماغ البشري لتنقل شفرات وأساليب مختلفة الألوان والأشكال سواء أكانت لغوية أم مجازية... والفكرة الأساسية للبنيوية في اللسانيات هي أن اللغة بنية أي كيان واحد متكامل، يتكون من جزئيات من نظام محكم تحكمه عدة علاقات، فالبنية هي مجموعات العلاقات القائمة بين عناصر النظام، أي العلاقة بين مفردات النظام في العمل الأدبي أو سواه.‏

التقينا الدكتور رضوان قضماني المختص في الدراسات اللسانية في الجامعة العربية السورية:‏

ـ يلاحظ أن النقد العربي يستعير في أعمه الأغلب وجهات نظر أورو أمريكية يمارس من خلالها سلطته على الإبداع، وكيف يمكن تطبيق معايير أجنبية على إبداع عربي، بمعنى آخر كيف نطبق المعيارية على أدب مخصوص الهوية بنقد مخصوص الهوية؟...‏

وكأنكم في مثل هذا السؤال تدعون إلى حالة من الحصار، تغلق النوافذ وتصادر الاتجاهات وتقطع الثقافة عن المثاقفة؟ وكأنني أمام مشكلة لا تؤمن بحتمية التأثر والتأثير التي هي محصلة حضارية ترتبط بآلية إنسانية، أنا أرى أن حركة الفكر لا تعرف حدوداً إقليمية بل تنفتح على العالم، ومادمنا ننادي بنقد علمي فإن العلم ليس ملكاً لأحد إذاً أين هي المشكلة؟ المشكلة في التقليد والنقل لا في التمثيل الثقافي، إنها مشكلة ترتبط بانبهار الناقد بمثيله الآخر الغربي إلى درجة تجعله يغترب إليه، إنها حالة من التأثر السطحي بالثقافة الغربية. إن الناقد العربي مطالب بالاطلاع على جميع التجارب في العوالم الأخرى والاستفادة منها على أن يظل مرتبطاً بوعي يربطه بالعالم الذي ينتمي إليه ليكون معاصراً ووارثاً مستوعباً ومجدداً، لكن الحالة الراهنة كثيراً ما تجعلنا نحس بالاستلاب والتبعية وفقدان الشخصية. هذه نقطة. أما النقطة الأخرى فهي أن الأجناس الأدبية التي يتناولها النقد المعاصر هي أجناس جديدة: القصة، الرواية، المسرحية، القصيدة الحديثة، الشعر الحر، أو قصيدة التفعيلة. صحيح إنها أجناس تأصلت في حركتنا الإبداعية إلا أنها ما تزال تعاني من عدم مواكبة الحركة النقدية العربية المعاصرة لها. إن أزمتنا في التعامل مع النظريات الأورو ـ أمريكية كما سميتموها تنبع من صعوبة وجود معايير نقدية جمالية في تراثنا تتوافق مع هذه الأجناس التي لم تكن موجودة في أدبنا حينها. بحيث يمكن الرجوع إليها لدى تقويم عمل يخرج عن دائرة الأحكام التقليدية السائدة، ولذا فإن الناقد العربي يبحث ويجتهد، كان النقد القديم نقداً تذوقياً تأثيرياً يقوم على الإحساس الجمالي، وظل النقد أسير ذاتية الناقد وإحساسه، أما اليوم فنحن نبحث عن نظرية نقدية تنبع من الأجناس الإبداعية الجديدة، نظرية تبحث في هذه الأجناس وجمالياتها ومكوناتها بعيداً عن الادعاء النظري محاولة تحديد هويتها الثقافية القائمة على الجدل الخلاق على الأطروحة الغربية سعياً إلى إبداع صيغة حضارية تحقق التوازن الفاعل بين الخصوصية، وتمثل إنجازات الآخر في إطار هذه الخصوصية على الأطروحات الغربية سعياً إلى إبداع صيغة حضارية تحقق التوازن الفاعل بين الخصوصية، وتمثل إنجازات الآخر في إطار هذه الخصوصية.‏

ـ يشكو الباحثون ومؤرخو الأدب والنقد من فوضى المصطلح النقدي العربي، سواء في النظرية الأدبية الواحدة أو في النظريات المختلفة، كيف يمكن تجاوز هذه المشكلة نظرياً وتطبيقياً؟‏

أيضاً كان السؤال يقول: هل من وصفة شافية؟ المشكلة ليست مرضاً نجرع له دواء فنشفى، خاصة وأن هذه المشكلة تشبه المرض المستشري الذي يصبح عضالاً، فنحن نعيش في عصر نركض فيه لاهثين وراء المعلومات دون أن نستطيع اللحاق بها.. إنه عصر اتساع معرفي هائل يضطر الناقد إلى الاغتراف منه ومواكبته، وهو ملزم بذلك لكنه في كثير من الأحيان سيسعى وراءه لاهثاً، وقد يمسك ببعضه قبل أن يتمكن من فهم ما يدور فيه، إن اتساع حقول المعرفة شملت النقد الأدبي، لذا صار الناقد يقف حائراً أمام التحولات التي تطرأ على عالم النقد واصطلاحاته، وقد انبرت إلى هذه المهمة مجامع اللغة العربية والمجلس الأعلى للثقافة وغيرهما من المؤسسات الثقافية العلمية التي تحاول تأسيس منظومة للمقولات النقدية للخروج من إشكالية المصطلح النقدي يسير بهذا الاصطلاح نحو الثبات والوضوح، ويحدد مفهومه كي لا يكون مجرد تسمية لظاهرة أدبية وحسب، وقد وضعت مقترحات كثيرة لحل هذه المشكلة، نذكر منها مثلاً إرفاق المصطلح الوافد بصيغته اللغوية الأجنبية وشرحه دلالياً، في هامش والاستعانة بالتراث لترجيح المصطلح المناسب ترجمة للأجنبي، واحترام المحاولات السابقة التي لاقت شيوعاً، والابتعاد عن الاصطلاحات التي تحمل دلالة مزدوجة توخياً لعدم الوقوع في اللبس ومراعاة توجيهات المجامع اللغوية والقواعد التي وضعتها لضبط هذه المسألة...‏

ـ يدعو بعض النقاد والمنظرين إلى اختراع نظرية نقدية عربية، والملاحظ أن الرواية المعاصرة وكذلك الشعر الحديث (التفعيلة) وقصيدة النثر والمسرح والسينما هي أجناس غير عربية من حيث طبائعها كما أسلفت قبل قليل على الرغم من تطويعها للذائقة العربية، هل اختراع نظرية نقدية عربية ضرورة في عصر العولمة؟‏

سؤال مركب فلنفككه! يرتبط بنظرية نقدية عربية، أنا ضد كلمة اختراع الواردة في نص السؤال. النقاد الحقيقيون لا يخترعون يبدعون.. يؤسسون انطلاقاً من وعيٍ عالٍ.. وعي بالذات أولاً، وهو وعي يؤكد عملية الإبداع الأدبي ويجعلها حاضرة، ويخلق حقلاً معرفياً يتجلى عبر نشاط متميز يقوم على التأصيل والتفسير والتحليل والتأويل المتسلح بكل ما تتطلبه القراءة، وفق الفهم الحديث لهذه الفاعلية، ويرتبط هذا الوعي التقدمي كما يؤكد د.جابر عصفور، بموضوعه في الأدب وبعلاقته به وكيفية قراءته وإعادة بنائه كما يرتبط بعلاقته بتراثه اتصالاً وانفصالاً...‏

على هذا يقوم النقد بعملية تأصيل لا بعملية اختراع. وكما كانت الحقبة التي ولدت في الغرب نقداً حداثياً حقبة ملأى بالتحولات الاقتصادية والثقافية والعلمية.. أنجبت كتابات إليوت ولورنس وريلكه ومايا كوفسكي وباسترناك فخلخلت القيم والمفهومات ليجد الكاتب نفسه داخل شبكة هائلة من العلاقات والاصطلاحات والمفهومات والصيغ والأشكال. هكذا أيضاً حال النقد العربي الحديث الذي يجد نفسه اليوم أمام مثل هذا الكم والنوع أيضاً الهائلين من التحولات التي أدت في كثير من الأحيان إلى ما عبر عنه النقد المعاصر بانكسار الأحلام، وإذا كانت النظرية النقدية الأدبية الحديثة قد تطورت على مدى قرن بدءاً من شكلوفسكي في روسيا (مع ثورة اكتوبر 1917)، وصولاً إلى ما نشهده الآن، فإن النظرية النقدية العربية المعاصرة التي بدأت متأخرة في الثمانينات بعد تأجج عملية الترجمة على أيدي المغاربة أولاً ما تزال تسعى للبحث عن نفسها. لا بالاختراع إنما بمحاولات التأصيل التي بدأت على أيدي مفكرين مثل الجابري وتوفيق بكار وما زالت مستمرة على أيدي محمد مفتاح ومجد نيساو التي تسعى إلى تأسيس نقد ذي رؤية تفسير الظواهر وفق استراتيجية العلاقات البنيوية والتراتبية والقوانين المتحكمة فيها وفي وظائفها ضمن النسق العام كما يقول محمد مفتاح، ولعل في اندفاع الباحثين نحو الدراسات النقدية الأوروبية محاولة للإسهام في تطوير الأجناس الأدبية المتنوعة من جهة ومحاولة لتشكيل نظرية نقدية عربية تنطلق من واقع عربي لتبني حداثة عربية.‏

أما ما يتعلق بالرواية والشعر والمسرح التي يقول السؤال : إنها (أجناس غير عربية على الرغم من تطويعها للذائقة العربية) فهو قول غير دقيق بسبب بسيط، هو أن نمط الحياة والتشكيلة الاجتماعية الاقتصادية هما اللذان يخلقان أجناساً أدبية تتوافق معهما... لقد انتهى نمط المعيشة ، وانتهت التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية اللتان ترتبطان بالأجناس الأدبية القديمة الشعر الكلاسيكي الملحمي والغنائي، وكان لابد للوضع الجديد من أن يخلق أجناسه المتوافقة معه والتي تنبثق وتنطلق أيضاً من أجناس قديمة سبقتها مثل التشكيلات الاجتماعية الجديدة التي تنبثق من تشكيلات سابقة لتحل محلها على الرغم من أنها انبعثت من صلبها.‏

ـ يلاحظ أن البنيوية بكل اتجاهاتها أفرزت نقداً ساهم في حل كثير من قضايا الأدب إلى أي مدى يمكن الاستفادة من البنيوية في نقد أدبنا العربي بحيث يصير هذا النقد فعالية عامة وليست خاصة؟‏

لنبدأ من الأصل، والأصل أن البنيوية تشكلت في رحم الشكلانية الروسية أولاً في الثلاثينات من هذا القرن، والفرنسية ثانياً في الستينات القرن الماضي إذن لنعد إلى الأساس الشكلاني لنحدد المنطلقات التي قامت عليها الشكلانية والتي حددتها د. فريال جبوري غزول على النحو الآتي، أحددها كما تسعفني الذاكرة نبرة راديكالية تنفر من كل ماهو ميتافيزيقي، ومنهجية تجريبية تعتمد دراسة الظواهر امبيريقياً لا انطباعياً، وتركيز على نسيج النص بدءاً من أصواته وانتهاءً بتراكيبه ودلالته على أنه وحدة كلية، ونظرة جديدة إلى اللغة تعتمد على مستويات النص، وارتكزت الشكلانية على دعامة علمية تقوم على المنهج العلمي الوضعي، وقد أخذت البنيوية كل هذا فانطلقت من مفهوم البنية بنية النص الأدبي أي منظومة العلاقات التي تحكم هذا النص، وهي علاقات تشكل مستويات تراتبية تبدأ من المستوى الصوتي فالصرفي فالمعجمي فالدلالي في التحليل اللغوي، أما في تحليل الخطاب الأدبي فهي مستويات تراتبية أيضاً تبدأ من تحديد الحوافز ومنها إلى البنى الحكائية التي تشكل المتن الحكائي في النثر، أما في الشعر فيها مستويات تتمثل في السطر الشعري والمقطع الشعري والإيقاع في القافية.. وهي في كل هذا تنطلق من أن النص وحدة كلية تواصلية هل في هذا ما ينافي بنية الإبداع العربي في أشكاله المختلفة؟ أليس في هذا تحقيق لعملية النقد الأدبي وموضوعيته؟ ألا يخدم هذا تشكيل نظرية نقدية عربية معاصرة؟ ألا يؤدي هذا إلى فاعلية النقد وحضوره؟ كل أسئلة لها إجابة عندي، ومن هنا تنبع أهميتها.‏

ـ تنحو اللسانيات من حيث علاقاتها بالأدب إلى جدولة الإبداع من خلال إحصائيات وتخطيطات وبيانات ورسومات ورموز رياضية كأنها الطلاسم، هل تعتقدون أن هذا المنهج يمكنه الكشف عن جوهر الشعر شكلاً أو جوهر الدراما. أو الرواية، بحيث يمكن ممايزة الغث من السمين؟...‏

لنصحح المفاهيم أولاً، مالسانيات الأدب؟ لنحددها كي تصبح إجابتنا عن هذا السؤال معللة.‏

لنبدأ ببعض الإشارات إن نتائج الدراسات اللغوية التي وصلت إليها اللسانيات لم يستفد منها بفاعلية إلا عندما بدأت تستخدم في تعميق الخصائص البنيوية في النصوص الأدبية منها خصوصاً.‏

اختلفت اللسانيات في تحليلها للنصوص عن الدراسات اللغوية التقليدية في أنها تنطلق من كلية منظومة اللغة وبنيتها التي تقوم على خضوع الوحدات الأصغر تراتبياً (الصوت، ثم الوحدة الصرفية، ثم..) للوحدات اللغوية الأكبر (الأكثر تعقيداً)، وقد سمح هذا للسانيات أن تكشف عن بنية اللغة، وان تصوغ توصيفاً لها يحدد الأساس الذي تقوم عليه انطلاقاً من وظيفتها الأهم، وهي أنها أداة للتعبير والتواصل، وهي منظومات علامات سيميائية وظيفتها في المجتمع معلوماتية ومعرفية وإدراكية وجمالية. وقد تم للسانيات هذا كله بفضل إنجازها المفهومات اللسانية الأساسية، مثل: العلاقة اللسانية، المستوى اللغوي، التراتبية، البنية، المنظومة، التقابل، المثال (النموذج)... التي سرعان ما ارتبطت بمنظومة مفهومات أخرى أدبية استندت إلى اللسانيات لحل مسائل نقدية كثيرة نظرية وتطبيقية ترتبط بنظرية التواصل اللغوي مثل الحدث الكلامي والخطاب.. لقد استطاعت اللسانيات إقامة بناء لدراسة النص، أدبياً كان أم غير أدبي أساسه تحديد وحدات لغوية مختلفة تقف في صف حسب طولها: الأقصر فالأطول، أي الأبسط فالأكثر تعقيداً من الصوت وصولاً إلى النص الذي وجهت جميع الوحدات اللغوية من أجل إنشائه ليطابق الطابق العلوي الأهم في سلسلة مستويات تراتبية، وانصب جهد اللسانيين على تحليل النص ومكوناته البنيوية بدءاً من تبيان الوحدات اللغوية التي تدخل فيه فهي مادة خام تصبح مكونات رئيسة في عمارة النص.. إذ ليست العمارة أن نبني من حجارة وآجر وأعمدة وخشب، لأن هذه المواد الأولية يأتلف بعضها مع بعض لتشكيل كتلS بنائية أجزاء مكونة، تشكيلات) يخلق منها المهندس المعماري (المؤلف) كل ما يمكنه من تكوينات وبنى، وهدف التحليل اللساني أن يكشف ما تكونه المادة اللغوية من تشكيلات (مكونات رئيسة) ينصاغ منها كل واحد هو النص، فإذا انضافت الشعرية(حسب رومان جاكبسون). إلى هذه التشكيلات صار النص إبداعاً أدبياً. هذا ما تسعى لسانيات الأدب إليه فهل في هذه طلاسم؟ وكما يمكن لمهندس العمارة أن يقدم مخططه في شرح مقولات بسيطة توضح مضمون هذا المخطط في تشكيله المعماري يمكن له أيضاً أن يقدمه للمختصين مثل الدارسين لإبداعه في إحصائيات ومخططات ورسوم رياضية هدفها التوضيح والتلخيص والكشف عن الجوهر.‏

ـ يجري الحديث دائماً عن إنجازات عبد القاهر الجرجاني وحازم القرطاجني وغيرهما من أصحاب الاتجاهات الريادية في النقد العربي غير التقليدي. إلى أي مدى يمكن تطوير تلك الإنجازات بنيوياً لصياغة رؤية عربية تنبع من طبيعة الإبداع العربي؟‏

تنبع أهمية كل من الجرجاني والقرطاجني في أنهما أحدثا نقلة في النقد القديم، فقد كان ذاك النقد يقوم على التذوق الذاتي والتأثر الشخصي، ولم يستطع أن يؤسس لنفسه منطلقات علمية موضوعية، أي أن يرقى إلى مصاف العلوم البحتة، بل ظل مرهوناً بثقافة الناقد وذوقه إلى أن جاء الجرجاني والقرطاجني فوضع الأول نظرية النظم ووضع الثاني نظرية لما نسميه اليوم صورة فنية انطلاقاً من المحاكاة الأرسطية، وقد استمد الاثنان نظريتيهما من أرسطو لكنهما جعلاها ذات طعم عربي خالص، فبرهنا على أن الفكر العربي قادر على أن يهضم المكونات الثقافية في الحضارات الأخرى، وأن يعيد خلقها في صيغة وطنية تتوافق مع الواقع العربي، وهذا ما نتعلمه من هذين العالمين الكبيرين.‏

ـ وماذا بعد السيميائيات والتأويلات والتفكيكات... الخ..؟‏

السيميائيات جزء من اللسانيات، وقد أشرنا إليها والتأويل جزء من النظرية الدلالية اللسانية، وقد أشرنا إليه أيضاً، أما التفكيك فهو جزء من (ما بعد الحداثة) ونحن لم نصل إلى الحداثة بعد وأنا ضد حرق المراحل والقفز فوقها وهو ما تعلمناه من التجربة السوفيتية الفاشلة التي كانت تنادي بـ"الطريق غير الرأسمالي إلى الاشتراكية..."، أي بالقفز فوق الرأسمالية للوصول إلى الاشتراكية ففشل كل من أخذ بهذه المقولة... لأنها تقفز فوق مراحل لابد منها... ونحن نقول إن علينا إنجاز حداثتنا أولاً كي نصل بعدها إلى مابعد الحداثة.‏

ـ يلاحظ أن الإبداع الأدبي عموماً يتطور بمعزل عن نظريات النقد أياً كان نوعها ومع ذلك نرى أن سلطة النقد هي التي تحدد وترسم مسار فاعلية الأدب في الحياة الاجتماعية كيف تفسر ذلك؟‏

النقد مثل الأدب حقل من حقول المعرفة الإنسانية، لكنها معرفة عن الأدب لذلك تقوم بين الأدب والنقد جسور محكمة البنيان قديمة العهد تؤلف القاسم المشترك بينها كي يواكب كل منهما الآخر، وأهمها أن الأدب فعالية كتابية تنتج نصاً، والنقد ينتج نصاً عن نص، وهو نص محكوم بظروف الزمان والمكان والمجتمع، وهو نص ثقافي كالأدب أي جزء مكون من ثقافةٍ تتكون من موروثات فكرية وأيديولوجية وسياسية واقتصادية.. إذن لابد لكل من الأدب والنقد أن يواكب كل منهما الآخر.‏

ـ باعتباركم مدرساً للنقد ونظرية الأدب و اللسانيات، إلى أي مدى تستطيع الجامعة أن تكوّن لدى الطالب موقفاً نقدياً؟‏

تعالوا إلينا في الجامعة، وانظروا، ماذا ندرس؟ وكيف؟ كيف يتعامل طالبنا مع النص الأدبي، فنحن نحاول أن نجعل الطالب يمتلك المنهج للبحث والتحليل النقديين.. نفلح نادراً ونفشل غالباً لأسباب موضوعية خارجة عن إرادتنا ترتبط بالحال الذي نحن فيه.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244