|
||||||
| Updated: Tuesday, September 30, 2003 04:28 AM | ||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
حياةٌ تُعاش حتى الموت! ـــ عبد القادر الحصني زيارة صديقي الشاعر عماد جنيدي لي؛ صباح اليوم؛
في مكتبي بالاتحاد تملأُ عليَّ ليلتي هذه، وتنحّي مسودات أوراق كثيرة كنتُ أعددتها
لهذه الزّاوية، وتحلَّ محلَّها.. أجل. إنه عماد جنيدي، بعد سنين طويلة، بلحمه
ودمه.. بوجهه المستدير المشرب بحمرة ليس من السهل الجزم بما إذا كانت حمرة رغيف
خرج، توَّاً، من التنور أم حمرة شتاء دافئ من تلك التي يوسِّم (من الوسامة) بها
ماء البحر وهواؤه وجوهَ البحارة والصيادين بنحاس
أحمر طازج... بعينيه الواسعتين اللتين تحتفظان بمساحات واسعة فائضة على
حاجة الوجود الذي يحاول بخيط مرئياته الغليظ أن يملأهما.. مساحات برّيّة لم
تُسْتأنف بعد.. مساحات للدهشة والحلم والحريّة والضياع... كلمات ودّيّة قليلة تبادلناها، ثم مضى عماد،
ليتركني لهواجسي المستبدّة في هذه الليلة الموحشة. كدت أبدأ قصيدة جديدة بلازمة
قديمة: "في هذي الليلة يملؤني حزن واحد"، هي فاتحة قصيدة لشاعر صديق
قديم هو حسين بهاء الدين أحد زملاء الدراسة بكلية الهندسة في وسط السبعينيات،
ولكنَّ حشداً من الأصدقاء الشعراء الآخرين الذين أتلعوا حناجرهم للشعر في ذلك
المنعطفِ من الزمن تدفّقوا عليَّ، وملؤوا بمصائرهم المؤسية كل مساحة ممكنة للشعر،
وتركوا في عينيّ جذاذات من القرميد الأحمر وكلاماً مبعثراً يرتطم بعضه ببعضه
الآخر، مثل حطام أحلام، ومثل ربيع مبكر دهمه حاطب من برد قارس وحيف، فلم يستكمل
أيامه، ليفضي إلى صيف... حاطبٌ عنيفٌ ضنَّ على ربيعنا حتى بالخريف. محمد مصطفى درويش الذي طلع على الشعر بنفس عذب
حميم وأدوات عمل شعريّ كاملة، تستجمع التراث الشعريّ العربيّ، وتحاول فضاءً
جديداً، لا ترنّ الآن في أذنيّ إلا ضحكته المجهشة التي تختزن القهر ومئات القصائد
المكبوتة، فألوذ بما في صوته القديم من دفء:
رياض صالح الحسين بخراب دورته الدمويَّة، وشاي
الصباح البارد، ونزقه البريء، وصممه الممتلئ بالصراخ... أذكر حين جاء أحد مسؤولي
الثقافة والسياسة لمصافحتنا، وكنّا مجموعة من الأدباء الشباب، بيننا الأديب اليمني
الصديق محمود الصغيري.. أذكر كيف أدار رياض صالح الحسين ظهره، وترك يد ذلك المسؤول
معلّقة في هواء، يضطرب من الخجل (واضح من العبارة أن الذي كان يضطرب من الخجل هو
الهواء). منذر المصري المنفيَّ في ثيابه الذي التقيته آخر
مرَّة في اللاذقيَّة؛ قبل عشر سنوات تقريباً؛ أخذني إلى مرسمه، وأراني لوحاته
الممتلئة بالغربان السوداء.... قال لي: أصدقائي من الفنانين التشكيليين لا
يستهلكون اللون الأسود... إنَّهم يعطونني
ما لديهم من هذا اللون لأملأ به لوحاتي... فرج بيرقدار الذي ابتلعه التنين، فوجده عسيراً
على الهضم، فلفظه، هو القائل:
ميرزا ميرزا صاحب قصائد النثر المتميّزة الذي
دخل صيدليته في (سلمية)، ولم يخرج بعد.. حسان عزت الذي غبطني على عزلتي في "قسطل
معاف"، وهم يدخلونه إلى "العناية المشدَّدة"، في مشفى المجتهد...
إنه صاحب "جناين ورد"، وحامل غوطة دمشق الشرقية إلى صحراء الخليج... دعد حداد التي جرّبت خطأ الموت... بوجهها الطفلي
الكبير وخطواتها الوئيدة، تسبر الزمن بقطع التوست وفناجين الشاي، وتختصر الحياة
بوقفات قصيرة في المخبز ولدى بائع الصحف وأمام واجهة الأزهار على مسافة لا تزيد عن خمسين متراً في شارع
العابد، عائدةً من وزارة الثقافة إلى بيتها، لتودع قساوة الحجر الصلد الغشيم نعومة
يديها ورقّة مشاعرها في منحوتات تشبه انسراح ناي في كراج للشاحنات الكبيرة. إيه أيها الصديق عماد جنيدي. هل تذكر كل هؤلاء
الأصدقاء؟ وهل
يعود ا لزمن ثلاثين عاماً، لتحدّثني من جديد في مقصف الأزروني بجامعة دمشق عن
أحلامك ومشروعاتك الجنونيّة؟ ولنتساءل معاً: هل... الحياة تستحقّ أن تعاش حتى
الموت؟! |