جريدة الاسبوع الادبي العدد 799 تاريخ 16/3/2002
Updated: Tuesday, September 30, 2003 04:34 AM
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

صدام جهالات ـــ د. اسكندر لوقا

للفيلسوف الفرنسي المعاصر "جان غريش" رؤيته فيما يتعلق بمسألة "صدام الحضارات" التي أطلقها صموئيل هانتنغتون منذ مدة فصارت على كل لسان ولا تزال تتردد إلى يومنا هذا بين مؤيد ومعارض، بين مهتم بما يقال حول هذه المسألة وبين من لا تعنيه المسألة برمتها.‏

يرى الفيلسوف "جان غريش" أستاذ الفلسفة في كلية الفلسفة التابعة للمعهد الكاثوليكي في العاصمة الفرنسية أن الواجب يقضي بالتصدي لهذه المقولة قائلاً بالحرف: لأن الصدام في حقيقة الأمر هو صدام "جهالات" وليس صدام حضارات.‏

وفي مناقشته لأفكار صموئيل هانتنغتون يضيف قوله بأن المسألة المطروحة يعود تاريخها إلى عهد بزوغ الفلسفة التي دارت حول "التلاقي المألوف والغريب". وفي ضوء رؤيته هذه يستمد جان غريش حجته هذه كما يقول هو نفسه من معلمه في الفلسفة "بول ريكور" الذي أعلن ذات يوم: أن الطريق الأقصر من الذات إلى الذات تمر في الآخر.‏

بهذا المعنى نرى أن غريش ينفي أن يكون الوصول إلى الآخر عبر التصادم الحتمي وإنما الوصول إليه يمكن أن يتم عبر التفهم بالدرجة الأولى. وينصح الفيلسوف "جان غريش" بأن تتوجه هذه المسألة حالياً بعنوان أكثر ملاءمة وهو: حوار الثقافات.‏

وفي اعتقادنا أن هذه المسألة التي تتأرجح بين التصادم والتفاهم أو التفهم، سوف تبقى موضع جدل وخلافات إلى أمد غير محدود، إلى أن تستقر في عقول المفكرين المنشغلين بنتائج ما يسمى الآن بالعولمة. والعولمة وإن كانت قد أُشبعت درساً وبحثاً تبقى النافذة التي أطلّ منها العالم في الوقت الراهن باعتبارها توضح رؤى لم تكن بمثل هذا الحجم من قبل، فضلاً عن مساهمات دريدر وفوكوياما ومن دخل هذا النفق الذي لا قرار له من الناحية العملية إلا إذا تمكّن الفكر في وقت لاحق، قد يطول زمنه أو يقصر، من وضع صيغة للمستقبل تستطيع أن تحتوي تحت جنحها هواجس البشرية وآمال أبنائها.‏

وفي اعتقاد الكثيرين ممن يرون إلى مقولة الصدام الحضاري الآن أن هذا الاصطلاح لا يفي بغرض البحث عن علاقات صحية إن جاز التعبير وصولاً إلى وضعية التوازن الإقليمي أو الدولي بحال من الأحوال. وفي اعتقادنا أن مصطلح "الحضارة" بحد ذاته ذو مدلول يبعد عن المصطلح صفة الصدام، ولكنه يبقي من جانب آخر على إمكانية المنافسة، على أن تكون المنافسة بدورها شريفة كما نردد في أدبياتنا الشعبية، وأيضاً مع إمكانية المعارضة بما هو أفضل لدى هذه الحضارة أو تلك، وإلا ما معنى المصطلح إن لم تكن "الحضارة" تعني موقعاً ما لهذه الأمة أو تلك في تاريخ الإنسانية؟‏

إن حضارات أثبتت حضورها على مدى الزمن بكل ما تعنيه كلمة المدى، من الصعوبة بمكان أن تنهيها معركة تستند إلى قوة السلاح أو الاقتصاد أو ما شابه ذلك. صحيح أن ملامح الحضارة في موقع ما على سطح الأرض قد تفقد ألقها لفترة من الزمن ولسبب من الأسباب، بيد أن بقاء جذورها في عمق الأرض من عوامل قدرتها على إحياء ذاتها في يوم آت. وفي سياق هذه الرؤية يمكننا القول بأن "الأنظمة" التي واكبت تطور الحياة واندثرت بالفعل لم تكن تجسد فكرة الحضارة كما نفهم صيغة الحضارة أو نرى إليها بمفهوم اليوم بتعبير أدق. ومن هنا اندثرت "أنظمة" الأقوياء الذين دمروا أنفسهم رغم ما حققوه من فتوحات وكاد العالم كله يدين لهم ساجدين.‏

على هذا النحو يشهد جيلنا وقد يشهد الجيل القادم أيضاً ما شهده أبناء العصور القديمة حيث كان الاجتياح العسكري هو عنوان فرض الحضور، فيما يجري هذا الأمر الآن اعتماداً على الغزو الإعلامي والثقافي، وإلى حد ما الغزو الاقتصادي، الأمر الذي لا يبرر تغليب مبدأ الصراع على مبدأ الحوار لأن الأقوى هو من يملك الفضاء بما عنده من وسائل الحضور في الفضاء أكثر من سواه. هذه الوضعية تماثل، عملياً، وليس نظرياً فحسب، تماثل عملية الغزو المسلح إن لم تتفوق عليه من ناحية الخطورة على مستقبل من لم يتمكن من فرض حضوره في الفضاء. وهذه نقطة لا تستدعي التسليم بنظرية الصراع بقدر ما تتصل بما عنيناه بإشارتنا إلى مبدأ المنافسة والحوار.‏

ربما كانت هذه الصورة غير مطروحة أو أنها غير مقبولة حتى إذا طرحت، وهذا أمر واقع، في نظر من يملك قول كلمته ويمضي، غير عابئ بما يستجر وراءه من نتائج، ولكنه في هذه الحالة يكون كمن لا يعتبر من دروس التاريخ من قبل وغير قادر على ترسيم حدود مستقبله من ناحية أخرى ضمن اعتبارات شعوره بأناه المتفوقة في الوقت الحالي، ومثل هذه الرؤى سادت العالم في أزمنة بعيدة أو قريبة نسبياً ومع هذا كانت النتيجة أن دفع أصحاب هذه الرؤى الثمن على نحو ما دفعه تيمورلنك وجنكيز خان وهولاكو في القديم، وهتلر وحلفاؤه في الحرب الثانية في العصر الحديث، الأمر الذي يؤكد مجدداً أن الصراع على النحو الذي فهمه البعض على أنه انتصار لحضارة الغرب على حضارة الشرق يوماً، أو روج فكرة أن لا خلاص إلا بالانتقال إلى خندق الأقوى في عالم اليوم أمام من يريد البقاء على قيد الحياة أو أن يكون له موقع قدم على الأرض بين بقية الكائنات الحية، ليس صراعاً نزيهاً أو بريئاً بأي حال من الأحوال.‏

إنها مسألة زمن، وعبثاً القول بأن حضارة يبشر بها أحد من الناس أو دولة من الدول يمكن أن تتحقق على الوجه المنشود لأن ما يبنى بالقوة، إن لم يزل بالقوة المعاكسة، لا بد أن يزول بفعل الأيام، على نحو ما نراه في حاضرنا من خلال الأوابد في زياراتنا لمواقع الآثار المنتشرة هنا أو هناك. إنه فعلاً صراع بعض من تنطبق عليهم صفة الجهالة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244