البستان الأزرق ـــ تأليف: عارف الخطيب

قصص للأطفال ـــ من منشورات اتحاد الكتّاب العربدمشق - 2000

Updated: Wednesday, September 17, 2003 05:02 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الأبْلَه

كان "سمعان" رجلاً أبلهَ، يعيشُ مع أمِّهِ العجوز‏

لم يكنْ يؤذي أحداً بيدِهِ، وإنما يؤذي الناسَ بلسانِهِ، وهو لا يدري، لأنهُ لا يعلمُ أنَّ لكلِ مقامٍ مقالاً يناسبُهُ، فقد يُهنِّئُ أهلَ الميتِ، ويُعزِّي أهلَ العروس، و.. لذلك كانت أُمُّهُ، لا تسمحُ لـه بالخروج من البيت.‏

ملَّ سمعانُ القعودَ في البيت، فتوسَّل إلى أمِّهِ، لكي تدعهُ يخرج..‏

رقَّ قلبُ العجوز، فأذنَتْ لـه بالخروج، وأوصَتْهُ قائلةً:‏

-إيّاكَ أنْ تؤذي أحداً بكلامك!‏

كاد سمعانُ يطيرُ فرحاً، فقبّلَ رأسَ أُمِّهِ، وقال:‏

- ماذا تريدينَ أنْ أقٌول؟‏

- اسكتْ.. لا تتكلَّمْ.‏

- ما أسهلَ هذا!‏

لم يفهمْ سمعانُ ما تعنيهِ أُمُّهُ، وانطلقَ خارجاً من البيت، يسيرُ في الشارع، ويقول:‏

-اسكتْ.. لا تتكلَّمْ، اسكتْ.. لا تتكلَّم..‏

مرَّ ببائعٍ جوال، يدفعُ عربتهُ، وينادي بصوتٍ رخيم:‏

- رمّان، رمّان.. حلو ريّان.‏

- اسكتْ.. لا تتكلَّمْ.‏

- رمّان، رمّان.. حلو ريّان.‏

- اسكت.. لا تتكلَّمْ.‏

- رما..‏

- اسـ..‏

نفدَ صبرُ البائعِ، فانهال على سمعان، يضربُهُ، ويقول:‏

- سأقطعُ لسانكَ، إذا أعدْتَ ما تقول.‏

لم يقاوم سمعانُ البائعَ، بل قال له:‏

- ماذا تريدُ أنْ أقول؟‏

- قل: ما أحلى هذا الصوت!‏

سار سمعانُ في طريقِهِ، وهو يردِّد:‏

- ما أحلى هذا الصوت!‏

وقف عندَ حمارٍ ينهقُ، وظلَّ يقول:‏

- ما أحلى هذا الصوت!‏

قال أحدُ العابرين:‏

- لا تقلْ هذا يا أبله!‏

- ماذا تريدُ أنْ أقول؟‏

- قل: أبعدَهُ اللهُ، ولا أسمعَنا صوتَهُ.‏

انطلقَ سمعانُ، وهو يردِّد:‏

- أبعدَهُ اللهُ، ولا أسمعنا صوته.‏

التقى جنازة ميِّت، ومازال يقول:‏

- أبعده الله، ولا أسمعنا صوته‏

غضبَ أهل الميت، وأحدقوا بسمعان، يضربونهُ، ويقولون:‏

- لا أبعدَ الله غيركَ، وإياكَ أنْ تعودَ إلى قولك!‏

قال سمعان:‏

- ماذا تريدون أنْ أقول؟‏

- قل: رحمَهُ اللهُ، ما كان أكرمَهُ!‏

تابعَ سمعانُ سيرَهُ، وهو يردِّد:‏

- رحمه اللهُ، ما كان أكرمه!‏

شاهدَ رجلاً، يُلقي على القمامة، فأراً ميتاً، فوقف على رأسه، وهو يقول:‏

- رحمه اللهُ، ما كان أكرمه!‏

التفتَ الرجلُ إليه، وقال غاضباً:‏

- لا تقلْ هذا، وإلاّ ألحقتُكَ بالفأر.‏

- ماذا تريدُ أنْ أقول؟‏

- قل: ما أنتنَ رائحته!‏

مشى سمعانُ، وهو يردِّدُ:‏

- ما أنتنَ رائحته!‏

وقف أمام حانوت عطّار، يرنو إلى العطر، ويقول:‏

- ما أنتن رائحته!‏

خرج إليه العطّارُ، رفعَ قبضته، وقال:‏

- سأُحطِّم رأسكَ، إذا قلتَ هذا الكلام.‏

- ماذا تريدُ أنْ أقول؟‏

- قل: ما أطيبه.. ما أطيبه!‏

راح سمعانُ يردِّدُ ما قالَهُ العطّارُ، فرأى رجلينِ يتضاربانِ، وقف قربهما، يتفرّجُ عليهما، وكلَّما اشتدَّ بينهما الضربُ ، قال:‏

- ما أطيبه.. ما أطيبه!‏

ترك الرجلانِ القتالَ، وشرعا يضربانِ سمعان.. كان سمعان، يتألّم من الضرب، ويقول:‏

- ما أطيبه.. ما أطيبه!‏

اكتشفَ الرجلانِ حمقَهُ، فأشفقا عليه، وقالا له:‏

- انصرفْ عنا، ولا تقلْ هذا الكلام.‏

- ماذا تريدانِ أنْ أقول؟‏

- قل: يا ناس أصلحوا بين إخوانكم.‏

تابعَ سمعانُ مسيرَهُ.. مرَّ بكلابٍ تتعاركُ، وقف عندها، وهو يقول:‏

- يا ناس أصلحوا بين إخوانكم.‏

اجتمع عليه بضعةُ رجالٍ، فأشبعوهُ ضرباً، وهو يلتفتُ يمنةً ويسرةً، ويقول مدهوشاً:‏

- على أيِّ أمرٍ تعاقبونني؟!‏

- نعاقبكَ على قولكَ السخيف.‏

- ماذا تريدون أنْ أقول؟‏

قال له شيخٌ حكيم:‏

- اسكتْ.. لا تتكلَّمْ.‏

صاحَ سمعانُ فرحاً:‏

- آه.. هذا ما أوصَتْني به أُمِّي!‏

وعادَ سمعانُ إلى البيت، وهو يردِّد مسروراً:‏

- اسكتْ.. لا تتكلَّمْ.‏

اسكتْ.. لا تتكلَّمْ.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244