البستان الأزرق ـــ تأليف: عارف الخطيب

قصص للأطفال ـــ من منشورات اتحاد الكتّاب العربدمشق - 2000

Updated: Wednesday, September 17, 2003 05:02 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الجَبان واللصّ

كان برهان رجلاً جباناً أحمقَ، عقلُهُ مشغولٌ بالوساوس، وقلبُهُ مملوءٌ بالمخاوف، فهو دائمُ الالتفات، ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشمال، يحسبُ كلَّ شيءٍ عدوّاً، فيخافُ من الورقة التي تتحرّكُ وراءَهُ، ويخافُ من ظلِّهِ الذي يلازمُهُ، فيقفُ مذعوراً مرتاباً..‏

ويقفُ الظل..!‏

ينحني برهانُ عليه، وهو يغمضُ عينيهِ ويفتحهما، ويتفرَّسُ في ظلِّهِ المرسومِ على الأرض، ثم يلمسُهُ بأناملَ راعشةٍ، وحينما يوقن بأنَّهُ ظلٌّ، يتابعُ سيرَهُ، ولا يلتفتُ نحوه، فقد يتحوّلُ إلى شيءٍ آخر!‏

ذاع خبرُ جبنِ برهان، وسمعَ به الكبيرُ والصغير، لذلك كان الأولادُ يختبئون، خلف الجدرانِ والزوايا، وينتظرون مروره، فإذا ما وصل إلى قربهم، خرجوا من مخابئهم فجأةً، وصاحوا في وجهه، فيطير فؤادُهُ، ويرتعشُ جسمُهُ، ومع ذلك، ينظرُ إليهم حانقاً، ويقول:‏

- افعلوا هذا مع غيري، فأنا لا أخاف!‏

- دَعْنا نضعُ أيدينا على صدركَ.‏

- لماذا؟‏

- لنسمعَ خفقانَ قلبكَ، ونعرفَ صدقَ قولك.‏

- لن يلمَس أحدٌ منكم صدري، سواءٌ أصدّقتم أم لم تُصدقوا.‏

وفي إحدى الليالي، كان برهان وزوجته، نائمينِ في البيت، وعند منتصفِ الليل، جاء أحدُ اللصوص، وفتح عليهم الباب..‏

أحسَّ به برهان، فغطَّى وجهَهُ باللحاف، وفرائصُهُ ترتعدُ، وقلبُهُ ينتفض..‏

وأحسَّتِ الزوجةُ باللص، فنخسَتْ زوجها، وهمسَتْ في أذنه:‏

- لقد فتح لصٌّ بابَ البيت!‏

- فتحه الهواءُ لا اللص.‏

- الهواءُ لا يفتحُ الباب.‏

- لا تجادلي كثيراً، وإذا لم تُصدِّقي أسألُهُ.‏

قالتِ الزوجةُ ساخرةً:‏

- اسألْهُ!‏

كان اللصُّ يسمعُ حديثَ الزوجينِ، ويضحكُ في سرِّهِ..‏

قال الزوج:‏

- أنتَ لصٌّ أم هواء؟‏

قال اللص:‏

- أنا هواء!‏

قال الزوج:‏

- هل صدَّقْتِ الآن؟‏

صمتَتِ الزوجةُ كاظمةً غيظها، فقد أعيْتها حماقةُ زوجها..‏

أخذ اللصُّ يجمعُ متاعَ البيت، ويضعُهُ في كيسٍ كبير، وهو آمنٌ مطمئنّ، وحينما فرغ من البيت، خرج إلى الفِناء، يبحثُ عن أشياءَ أخرى..‏

نفدَ صبرُ الزوجةِ، وثارَتْ ثائرتها، فنهضَتْ من فراشها، وتناولَتْ عصاً غليظة، ومشَتْ على رؤوسِ أصابعها، وعندما صارت وراء اللص، رفعَتْ عصاها، وضربَتْهُ على رأسهِ، فانطرح مغمىً عليه، والدماءُ تسيلُ من رأسه..‏

هرعَتِ المرأةُ إلى زوجها، وجذبَتْ عنه اللحافَ، وهي تقول:‏

- انهضْ يا جبان، لقد قتلْتُهُ!‏

- من قتلْتِ؟‏

قالتِ الزوجةُ غاضبةً هازئة:‏

- قتلْتُ الهواءَ، ودماؤهُ تسيل!‏

- ماذا تقولينَ يا حمقاء؟!‏

رفعَتِ المرأةُ زوجها من تحت إبطيهِ، ودفعَتْهُ إلى الفِناء دفعاً، فشاهدَ اللصَّ مطروحاً، ومتاعُ البيتِ بجانبه..‏

نكسَ رأسَهُ خجلاً، وقال بصوتٍ خافت:‏

- وما العملُ الآن؟‏

- يجبُ أنْ نخبرَ الشرطة.‏

- مَنْ سيذهبُ إليهم، في هذا الليل؟!‏

- أنتَ.. ألستَ رجلاً؟!‏

- بلى، بلى.. أحضري لي ثيابي.‏

- ابقَ هنا ريثما أبحثُ عنها، ربَّما كانت في كيسِ اللص.‏

دخلَت المرأةُ البيتَ، وظلَّ برهانُ واقفاً، عند رأسِ اللص، ينظرُ إليه مدهوشاً، ويعجبُ من شجاعة زوجتِهِ، ويقول:‏

-أيُّ امرأةٍ عندي، وأنا لا أدري؟!‏

والتفتَ حولـه، فرأى العصا، تناولها بيدٍ مرتجفة، وحينما صارتْ في قبضته، رفعها إلى الأعلى، وضرب اللصَّ الممدَّدَ، ضربةً ضعيفة، وانتظرَ ما يبدرُ منه..‏

لم ينهضِ اللصُّ، ولم يتحرّكْ..‏

طار الخوفُ من قلب برهان، لأوَّل مرةٍ في حياته، فانهال على اللصِ الطريح، يضربُهُ بلا هوادة، وهو يشعرُ بسعادةٍ غامرةٍ غريبة، لم يذقْ طعمها من قبل، فاستمرَّتْ عصاهُ، تعلو وتهوي وهو يهتفُ فرحاً:‏

-.. ما أحلى الشجاعة!!‏

أفاق اللصُّ من إغمائه، شاعراً بألم الضربِ، وانطلق هارباً كالسهم..‏

جرى برهانُ وراءَهُ، وهو يصيح:‏

-يا لص.. يا أخي.. أمانة في عنقكَ أنْ تخبرَ الناسَ بما حدثَ.. قل لهم: إنَّ برهانَ المغوار، أشبعَني ضرباً بالعصا!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244