البستان الأزرق ـــ تأليف: عارف الخطيب

قصص للأطفال ـــ من منشورات اتحاد الكتّاب العربدمشق - 2000

Updated: Wednesday, September 17, 2003 05:02 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

سعفان وجمعان

في قريتنا مجنونانِ اثنان، أحدهما يُدعى "سعفان"، والآخرُ يُدعى "جمعان"..‏

وكان بينهما خِلافٌ وخِصام، فلا يصطلحانِ ولا يتحادثان، وإذا ما التقيا مصادفةً، تبادلا نظرةَ ازدراءٍ، ثم أعرضَ كلٌّ منهما عن صاحبهِ، وافترقا صامتين..‏

وذاتَ مرَّةٍ، سألْتُ سعفان:‏

-لماذا لم تكلِّم جمعان؟!‏

فلوى رأسَهُ، وحملقَ إليَّ مدهوشاَ، وقال:‏

-أما رأيته؟.. إنَّهُ مجنون!‏

وعلى الرغم من عدائهما الظاهر، كان يربطهما حبٌّ عميق، فإذا ما افتقدَ أحدهما الآخر، انتابه القلقُ عليه، وظلَّ يبحثُ عنه، حتى يجدَهُ..‏

حينذاك، ينتحي جانباً، ويرنو إليه مسروراً، ثم ينصرف هادئَ النفسِ، هانئَ البال..‏

وكان هذانِ المجنونانِ، لا يؤذيانِ أحداً، وما حدث صباحَ اليوم، لم يكن في الحسبان، فقد كان سعفان، ماراً في الزقاق، فرأى طفلاً صغيراً، على باب منزله، يأكلُ قطعةً من الحلوى، فراقبه قليلاً، ثم خطفه وهرب..‏

أخذ الطفلُ يبكي ويصرخ، وخرجَتِ الأمُّ، فرأَتْ صغيرها، بين ذراعي المجنون، فهرولتْ وراءهُ خائفةً، تركضُ وتصيح:‏

-قفْ يا سعفان.. اتركِ الطفلَ.. سأُعطيكَ ما تريد.‏

ولكنَّ سعفان، ظلَّ يركضُ، لا يقفُ، ولا يلتفت..‏

سمع الناسُ صياحَ المرأة، وشاهدوا الطفلَ مع المجنون، فهرعوا إليه، ليلحقوا به، وينقذوا الطفل، ولكنْ قبلَ أنْ يدركوه، صعد إلى مئذنة الجامع، وأطلَّ من نافذتها العالية، فوجد الناسَ قد وصلوا إلى باب الجامع، فأخرج رأسَ الطفلِ من النافذة، وقال مُحذِّراً:‏

-ابتعدوا عن الباب، وإلاّ ألقيْتُ الطفلَ من هنا.‏

كانتِ الرؤوسُ مرفوعةً، والعيونُ معلَّقةً بالطفل، والقلوبُ تخفق فزعاً، والطفلُ يبكي، والمجنونُ يتوعَّدُ، فتراجعَ الناسُ عن الباب، وقالوا مشفقين:‏

-أدخلِ الطفلَ يا سعفان، ولن نقتربَ من الباب.‏

ومكث الناسُ حائرين، لا يدرون ماذا يفعلون!‏

وكان بينهم شيخٌ كبير، يُطرقُ مفكِّراً، ثم رفع رأسَهُ، والتفتَ إلى الرجال، وقال:‏

- ابحثوا عن جمعان، وأحضروه فوراً.‏

- لماذا؟‏

- لن يحلَّ هذه المشكلةَ غيره.‏

قال رجلٌ ساخراً:‏

- ومتى كان المجانينُ يحلُّون مشاكلَ العقلاء؟!‏

قال الشيخُ جازماً:‏

- لا يفهمُ المجنون، إلاّ مجنونٌ مثلُهُ.‏

أطاع الرجالُ الشيخ، وانتشروا في أزقَّة القرية، يبحثون عن جمعان، وما لبثوا أنْ وجدوه، وعادوا به، فاقترب الشيخُ منه، وأخبرَهُ بما عمل سعفان، وطلب إليه، أنْ ينقذَ الطفل..‏

رفع جمعانُ رأسهُ، ونظر إلى أعلى المئذنة، فرأى سعفان، يُشرفُ من نافذتها، فهزَّ رأسَهُ، وقال للشيخ، وهو يضحك:‏

- الأمرُ سهلٌ جدّاً.‏

- كيف؟!‏

- هاتوا منشاراً.‏

سارعَ الرجالُ، وجلبوا المنشارَ، فأخذَهُ جمعانُ، ووضعَ أسنانه، على جدار المئذنة، ونظر إلى أعلاها، وقال مُهدِّداً:‏

- انزلْ يا سعفان، وإلاّ نشرْتُ بكَ المئذنة.‏

مدَّ سعفانُ رأسَهُ، ونظر إلى الأسفل، فشاهد المنشارَ على جدار المئذنة، وجمعانُ يدفعُهُ ويُرجعُهُ، فطار قلبُهُ، وصاح مستغيثاً:‏

- لا تنشرِ المئذنة يا جمعان، أنا نازلٌ حالاً.‏

وسرعان ما نزل سعفان، ففرح الناسُ كثيراً، وبادروا إلى الطفل، يتفحّصونهُ ويتلمسونهُ، فلم يجدوا به أيَّ أذى، فأخذَتْهُ أُمُّهُ، وصارت تضمّهُ وتقبّلُهُ، وعيناها تفيضانِ فرحاً..‏

وسمع الناسُ قهقهةً، فالتفتوا إلى الوراء، فشاهدوا سعفانَ وجمعانَ، يركضانِ ويضحكان..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244