|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 05:04 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
المشهد الثاني (في الطريق أمام بيت ست الحسن). (تدخل الغناجة من اليمين، يلاحقها "المدلل") الغناجة : طلبت منك أن تكفّ عن مطاردتي. أينما اتجهت أراك تقف أمامي كإبليس..! المدلل : أحبك يا "غناجة" فلماذا لاتصدقينني!؟ الغناجة : وأنا لاأحبك. لأن الحب لايكون قسراً! المدلل : وأنا رجوتك يا (غناجة) أن ترحميني فأنا أسير عينيك، فلماذا تُعذبينني وأنت تعرفين أنني أريدك زوجة لي؟ الغناجة : واللّه لوخلا هذا الكوكب من الرجال، ولم يبق فيه إلاك لرفضتك زوجاً لي.! أنا الغناجة التي تطيح بقلوب الرجال تحت قدميها تتزوج من المدلل صبي المطحنة أجير عيواظ!! المدلل : ولكنني سأدفع لك المهر الذي تريدين. الغناجة : وهل أنت قادر على مهري أيها المدلل؟! المدلل : كم تريدين؟؟ الغناجة : اسمع يامدلل.. يكفيك ما أعطيك في الليل، دعني وشأني، وإياك أن تعترض طريقي ثانية! المدلل : والحب الذي في صدري يا (غناجة). إنه يكبر يوماً بعد يوم.. كما تنمو الأعشاب في الربيع.. كما يكبر القمر في السماء. الغناجة : ولكن القمر الذي يكبر لابد أن يتقلص بعد منتصف الشهر. هيا ابتعد عن طريقي أيها المخادع. المدلل : طريقك هو طريقي ياغناجة! الغناجة : المرأة يامدلل تحب الرجل من أجل ماله أو خصاله. وأنت لاتملك إلا سوء السمعة. أم تظن أنني لا أعرف ماذا يقول عنك الرجال. المدلل : كفى ياغناجة.. فكلانا من طينة واحدة. كل رجل يتمنى أن يكون طيّب النسب، كثير المال، صاحب سلطة وسلطان.. ولكني لا أعرف لي أباً، وليس بيدي إلا أن أكون الصبي المدلل، المدلل الأجير.. نعم أجير طحان! الغناجة : وعليك أن تفهم الآن أنّ امرأة في مثل جمالي لاتقبل أن تتزوج أجيراً في مطحنة. لماذا لاأتزوج من رجل وسيم وغني مثل سيدك عيواظ صاحب المطحنة!! المدلل : ولكن سيدي عيواظ متزوج وهو رجل شريف! الغناجة : وفّر كلامك الآن، ودعني. لأنك لاتعرف شيئاً بعد عن لعبة الحياة والأزواج المخلصين! (يدخل بكري متنكراً في هيئة رجل عجوز) بكري : ها! هاهوذا الغرام الشيطاني يتجلى في بهاء الليل. رجل وامرأة تحت مظلة الظلام يتناجيان (يضحك) من المدلل؟؟ الصبي العاشق الواهم، والغناجة المرأة اللعوب!! عجيب اجتماع الضدين! (يقترب فيحاول المدلل الاختباء) لن تهرب يامدلل من عيني.. فأنا أملك عينا سحرية تخترق الجدران. تعال، اقترب، فقد سمعت حواركما من بدايته، وأنا أختبئ وراء الشجرة هناك. المدلل : و.. ولكن من أنت أيها العجوز.. أنا لاأعرفك!! الغناجة : أرأيت يامدلل كيف تخاف من رجل عجوز؟! المدلل : أنا لم أخف.. بل.. بل.. بكري : بل ماذا أيها الصبي الجبان؟ المدلل : من؟ بكري؟! ولكن لم تتختفّى بهذه الثياب؟! بكري (يمسك بالمدلل): نصحتك مرات ومرات أن تكف عن ملاحقة الغناجة. وعندما يقول بكري كلمته فيجب أن يطاع.. أسمعت؟! المدلل : أنا.. كبرت. ويحق لي أن أحب من أحب.. بكري : إذاً، أنت لاتريد سماع نصيحتي يا مدلل.. مارأيك أن أربطك من قدميك وأعلقك في شجرة السنديان.. المدلل : ولكني لم أفعل شيئاً.. بكري : كف عن ملاحقة الغناجة.. الغناجة : دعه يابكري.. دع رقبته النحيلة ستنكسر كعود الشعير. بكري : اسمع يا مدلل. من أجل عيني الغناجة الجميلتين أترك الدنيا وما فيها.. (يصفعه) هيا.. لاأريد أن أرى وجهك أسبوعاً كاملاً.. وإياك أن تحدث أحداً أنك رأيتني متخفياً.. الغناجة : (تضحك) قسوت عليه كثيراً يابكري. فهو لايزال صغيراً، وهو يحبني كما ترى.. أنا لا أصدق أن الغيرة تدخل إلى قلبك لأن حب المال هو الذي يغذيه. وأنت تقول دوماً: جيوبنا قلوبنا. بكري : صدقت ياغناجة. المال هو الساحر العجيب الذي نسعى إليه كلانا. كل منا له طريقته الخاصة. ولكننا نلتقي في النهاية على هدف واحد. حب كبير لايفنى في قلب الإنسان. الغناجة : إذاً لماذا لانقطع طريقنا معاً؟! بكري : لم يحن الوقت بعد ياغناجة.. في رأسي أحلام كثيرة لابد أنْ أحققها. يجب أنْ أكون ثرياً أولاً.. الغناجة : إذاً، المال أغلى لك مني!! بكري : يجب أنْ أصبح ثرياً.. الغناجة : أؤكد يابكري أنك ذاهبٌ الآن لسرقة قصر أو متجر.. وإلاّ لما تنكرت في هيئة شيخ عجوز... وهذه الحبال حول خصرك تفضح أمرك.. بكري : يجب أنْ أملك المال.. عندها لن يذكر أحد ماضي بكري. سيضعني مالي في القمة. وأتزوج من أحب. الغناجة : أنت لاتحب إلا نفسك. بكري : لا أنكر ياغناجة. أجملُ حب هو حبُ النفس. حبٌ لايموت. اسمعي ياغناجة ألا تريدين الصعود معي إلى القمة؟ الغناجة : أحلام يابكري تُعلّل بها النفس الحزينة. بكري : إذا فعلت ماأريد ستحققين ماتريدين.. الغناجة : أوهام! فلن ينتشلنا من عمل الليل إلا معجزة. بكري : المال.. المال يا غناجة هو المعجزة. الغناجة : دعك من الأحلام ولينصرف كلٌ منا إلى عمله قبل أنْ يداهمنا العسس. بكري : العسس ياجبانة! متى تُطهرين قلبك من الخوف؟! هيّا دعيني الآن وانصرفي. واحذري أنْ يعرف أحدٌ ما أفعل.. هيّا فسوف يكون وجهك فألاً حسناً الليلة! الغناجة : إذاً سأنتظرك بعد إتمام عملك الليلة، إلى اللقاء. (تضحك، تنصرف بدلال وبطء). بكري : (وحده) سأظل أمتصُّ دمك مثل العلقة ياملعونة. ولتكن هذه آخر ليلة أودع فيها الفقر. وسأحتفل معك ياغناجة بانتصاري. المال والمرأة.. لا أستطيع أنْ أستغني عن أحدهما. فلتخرج روحي من هذا الجسد إذا لم أحقق ماأريد.. (يدخل كركوز، فيفاجأ به بكري). بكري : (وحده) منْ هذا القادم الذي يريد أنْ يفسد عليّ خطتي! كركوز! كركوز : (وحده) آه.. يالحظي العاثر. رجل يقف تحت النافذة؟! أية مصادفة هذه! لن أستطيع وداع ست الحسن في هذه الليلة الحاسمة، ها. إنه رجل عجوز (يقترب) أنت! أيها الرجل العجوز، لماذا تقف هنا في هذا الطقس البارد؟! أتنتظر أحداً؟ والليل المظلم يطمس كل شيء!! بكري : آه يابني! أضعت طريقي، وأرجو أن تدلني عليه. كركوز : وأي طريق تريد أن تسلكه ياعمي الشيخ؟. أم أنت تفضل أنْ تنتظر ليمر بيتك من هنا؟! بكري : (يضحك) يا اللّه. ما أشد لطفك وما أكثر ظرفك! يبدو لي يابني- واللّه أعلم- أنك شاب شهم من أسرة طيبة وقد بعثك اللّه إليّ لتدلني على بيت صديقي (حنبوج). كركوز : (مذهولاً) حنبوج! (وحده) يا إلهي سيوقظ البيت كله، ولن أستطيع بعدها أن أناجي ست الحسن، وهذا لقاؤنا الأخير قبل الرحيل. لا أصدق أنّ اللّه تعالى بعثه إليّ في هذه الليلة!. بكري : ها.. ماذا قلت يابني! ألست من أهل هذه المدينة أيها الشاب الطيب؟ صديقي حنبوج سيرحب بك ويشكرك على معروفك.آ... ربما لم تعرفه بعد... إنه التاجر حنبوج والد ست الحسن.. كركوز : يا إلهي! أي اسم جميل يعلنه هذا العجوز القادم من الموت. بكري : من تحدث يابني؟. هل هناك أحد معنا؟! قل لي يابني. أذهب من هنا أم من هنا؟! كركوز : بل قف مكانك ولاتتحرك. بكري : ولماذا تصرخ هكذا يابني؟. هل أغضبتك في شيء أيها الشاب الطيب؟ لقد تعبت حتى وصلت إلى هنا. وأنا كما ترى شيخ قهرته الأيام. اطمئن يابني فأنا صديق قديم لحنبوج. مضى زمن ولم نلتق (يخرج من جيبه قطعة نقدية) خذ. هذه مكافأة لك ودلني على بيت صديقي الحبيب. كركوز : (وحده) ماأشد غبائي! هل يمكن أن يكون لحنبوج الأعور صديق مخلص مثل هذا؟! مهما يكن الأمر فلن أفوّت فرصة وداع ست الحسن. بكري : خذ. هذه ليرة أخرى... ولكن أرجوك دلني على البيت واختر لي مدخلاً سرياً لايراني منه أحد. سأجعلها مفاجأة لصديقي حنبوج. لقد حدثني كثيراً في آخر مرة عن مدخله السري!. كركوز : (وحده) حقاً إنه صديق لحنبوج، ولولا ذلك لما عرف المدخل السري. بكري : ها.. ماذا قلت يابني؟. كركوز : ما أطيب قلبك أيها الشيخ العجوز! تقطع المسافات الطويلة وأنت في هذا العمر لرؤية صديق! حقاً. إنّ هذه الدنيا لاتزال بألف خير. بكري : إذاً لاتجعلني أيها الشاب الطيّب أقف في هذا الجو البارد. كركوز : آه..يا لغبائي!! اتبعني يا عمي الشيخ. فأنت قادم من بلاد بعيدة وقد هدّك التعب.. ولكن اعلم ياعمي الشيخ أنّه ليس سهلاً أنْ يفشي المرء أسرار الآخرين، فقد كنت أظن نفسي الرجل الوحيد في هذه المدينة مَنْ يعرف المدخل السري. بكري : آه.. أيها الشاب الطيب المخلص، لولا أنني أعلم أنه لا ولد لصديقي حنبوج غير ست الحسن لقلت إنك ابن صديقي الحبيب.. ولكن قلْ لي من أنت يابنيّ. فالفضول أثار مشاعري؟ كركوز : أنا كركوز ياعمي الشيخ... بكري : كركوز! يا للمفاجأة العجيبة! ما أكرم السماء التي أرسلتك إليّ!. كركوز : وهل تعرفني ياعمي الشيخ؟! بكري : كركوز اسم جميل، سمعته كثيراً من لسان صديقي حنبوج!. لكم هو معجب بك وبأخلاقك وشهامتك ورجولتك.! وليسامحني اللّه على زلة اللسان.. إنه معجب بهذا الحب لابنته ست الحسن.. كركوز : عمي حنبوج قال كل هذا!! ماأسعدني! أنا لاأصدق!. بكري : صدّق يابنيّ.. لم يكن بيننا موعد لأفضي إليك بما سمعت عنك. كركوز : هات يدك ياعمي الشيخ سأقودك إلى المدخل السري. بكري : ولكن عاهدني يا بنيّ ألا تبوح بسري الآن. أرجوك. كم ستكون فرحتي عظيمة حين تقع عيناي على وجه ابنته ست الحسن. أنا لم أرها منذ عشر سنوات.. لابد أنها أصبحت شابة فارعة الطول، ساحرة العينين، لها جديلتان تنتهيان بالشرائط الملونة. وجه ملائكي! كركوز : تماماً. هي كما تقول، وأكثر جمالاً. بل هي ملكة الجمال في هذه المدينة. بكري : وقد سمعت أنّ شاباً وسيماً طيباً خطبها.. قلت في نفسي لن يكون هذا الشاب غير كركوز الذي امتدحه حنبوج أمامي. شاب طيب لشابة طيبة! كركوز : إذاً، أنت تعرف كل شيء ياعمي الشيخ. نعم، أنا خطبت ست الحسن و سعادتي اليوم لاتُقدّر.. بكري : وأنا سعادتي أكبر لأن المصادفات السعيدة جمعتني بك.. سأبوح لك بسر يا كركوز الطيب.. حنبوج يحبك، ولكنه يتظاهر بغير ذلك حتى لايشتد طمعك في ثروته.. قال لي.. كركوز أجمل شباب المدينة وأقواهم ولو تقدم إلى خطبة ابنتي الوحيدة لما ترددت لحظة واحدة. كركوز : يا اللّه! أنت تعرف كل صغيرة وكبيرة عني! بكري : الأقدار يا بني ساقتك إليّ لأتم ماعزمت عليه قبل أنْ ترحل من أجل المهر. ماأكثر حنانك يا حنبوج! ألف ليرة ذهبية فقط تدفعها مهراً لست الحسن، وهي تساوي مئات الألوف!! كركوز : بل قلْ كنوز الدنيا ياعمي الشيخ.. بكري : والآن يابني، وقد ارتوى قلبي من السعادة، ساعدني على الوصول إلى بيت حنبوج ومدخله السري! امسك يدي جيداً، أكاد لاأرى طريقي فأنت تعلم أنّ الإنسان مخلوق ضعيف، وها هوذا بصري يضعف يوماً بعد يوم.. سُنّةُ الحياة يا كركوز الطيب! هل البيت بعيدٌ يابني! كركوز : هاهوذا أمامنا ياعمي الشيخ!! بكري : إذاً كنا نقف أمام قصر حنبوج وأنا لاأدري! آه ماأكثر حرصك. وماأشدّ أمانتك ياكركوز.! كركوز : هيّا ياعمي الشيخ سأقودك إلى المدخل السري.. (يدخلان. تُفتح النافذة المرتفعة في الوسط و تظهر ست الحسن مضطربة). ست الحسن : آه يا كركوز! تُرى ما الذي أخرك عني في هذه الليلة. هكذا تفعل بي يا كركوز. تتركني حائرة لا أعرف شعري من قدمي؟! ربما هو حزين الآن لا يدري ماذا يفعل كعادته. آه.. كم أحبك يا كركوز.! وكم سأفتقدك بعد رحيلك!.. (يعود كركوز مسرعاً). كركوز : (دون أن ينظر إلى النافذة) سامحيني يا حبيبتي (ست الحسن) فما فعلته الآن قد لايرضيك. ولكنني كما يقولون شاب طيب، أهبل، كلمة تهزّه، وكلمة تقتله. ماذا أفعل إذا كان اللّه خلق لي قلباً لايعرف غير لغة الحب.. الأُذين والبطين فيهما دم الحب. سامحيني ياحبيبتي.. ولكن ماذا يعني الأُذين والبُطين! ست الحسن : سامحتك ياكركوز الحبيب. كركوز : (يُفاجأ) سامحيني!! أقسم إنني مافعلت ذلك إلا رغماً عني.. وسترين أنني لم أُسئ لك أو لعمي حنبوج. ست الحسن : حسبتك قد غيّرت رأيك وأقلعت عن السفر. كركوز : لابد من الرحيل ياحبيبتي. من أجلك ياست الحسن أجوب الدنيا. أسافر إلى القمر. وأصارع ذلك الثور الذي يحمل الأرض على قرنيه.. أنت تعلمين يا ست الحسن الحبيبة أنّ مافي صدري من حب لك أقوى من مطحنة صديقي عيواظ. ست الحسن : لم أكن أعتقد أنك تحبني مثل هذا الحب. كركوز : انظري.. لقد حصلت الآن على ليرتين ذهبيتين.. بقي من الألف تسعمئة و ثمان وتسعون.. ولكني ياحبيبتي خائف. ست الحسن : مم تخالف ياكركوز؟ لقد أعطاك والدي وعداً، وشهد عليه عمي عيواظ. كركوز : أخشى أن أعود لأجدك زوجة رجل غيري. وعندها سأقتل نفسي. ست الحسن : اطمئن ياحبيبي كركوز. سأرفض كل عرض مهما كان مغرياً. كركوز : عاهديني يا ست الحسن. قولي أحبك ياكركوز كما تحبني. عندها سأطير إلى جزيرة القرود سعيداً بغربتي التي ستعطيني مهر ست الحسن. وعندما أعود، سأحسد نفسي لأنني أتزوج من أجمل جميلات مدينة الأعاجيب. ست الحسن : وأنا أخشى ياكركوز أنْ تغيّرك الغربة فتجد هناك فتاةً أجمل مني تحبها وتحبك.. عاهدني أنك ستعود. كركوز : آه ياحبيبة القلب! ليس بين مخلوقات الأرض من يحب مثل حبي لك. ولو طلب مني والدك رأسي مهراً لقدمته دون إبطاء ست الحسن :(تضحك) ومانفعك ياكركوز عندما يُقطع رأسك! كركوز : أناملكٌ لك فافعلي بي ماتشائين. ولتشهد هذه الليلة الباردة أنّ حبي أكثرُ حرارةً من البركان.. ولكنني حزين يا ست الحسن حين أتخيل كم سيطول فراقنا، وأدعو اللّه أن تبقى روحانا متعانقتين إلى الأبد كعناق السماء للبحر عند الأفق.! ست الحسن : آه ياكركوز! لقد قطّعت بكلماتك الساحرة نياط القلب.. ولكنني خائفة مثلك. كركوز : قولي سأنتظرك ياكركوز.. ست الحسن : أنت تعلم أنني أشعر بالخجل والضعف أمام والدي.. كركوز : حين أحصل على ألف ليرة ذهبية سأطير على ظهر السحاب. بيني وبين الذهب عداوة.. ولكنني سأحبه لأنني سأخبئه في عبّي. هنا قريباً من القلب. سأصبح التاجر كركوز صهر التاجر حنبوج، وسيكون لنا أولاد. وأهل المدينة يقولون هؤلاء هم أولاد التاجر كركوز.. ست الحسن : آه ياكركوز! ما أجمل أحلامك! ولو كان الأمر بيدي لفضلت أنْ تكون بجانبي على الرحيل من أجل المهر! ها.. اسمع من بعيد أصواتاً.. كركوز : إذاً، الوداع ياحبيبتي. فمع خيوط الصباح يكون المركب قد غادر الميناء ولكنني يا ست الحسن أيتها الحبيبة. سأدع قلبي عندك رهينة.. (يدخل سكران يترنح وهو ينشد ويغني..) سكران : قفْ.. عندك.. أيها الرجل.. لاتتحرك! أنا سكران. لاتخف.. سأسألك كم الساعة الآن.. (يمسك كركوز) هذا وجه أعرفه.. يشبه وجه أهبل مدينتنا.. كركوز! (يضحك) أنت لاتعرفه.. أمّا أنا فأعرفه.. كركوز : دعني ياسكران.. ابتعد عني.. رائحتك نتنة.. سكران : نسيت أن أضع الطيب على لحيتي.. ولكنّ الحاكم هو السبب. كركوز : قلت لك دعني.. لاتشدّني هكذا. سكران : يا اللّه! الوجه وجه كركوز، والصوت صوت كركوز.. فمن أنت؟! كركوز : أنا كركوز ياسكران.. دعني الآن. سكران : خذ. اشرب من هذا النبيذ المغشوش.. العشاق يحتاجون إلى الخمر كي تقوى قلوبهم ويمسحوا الخجل عن جباهم، ياكركوز الأهبل! كركوز : ومادخلي أنا بما تقول؟! سكران : أنت بحاجة إلى برميل من الخمر كي تنسى حبك لست الحسن.. كركوز : (مضطرباً) وما دخلك أنت.. ثم إنك تبدو ثملاً، ولكنك... تبدو واعياً لما تقول. سكران : صدقت يا كركوز الأهبل.. كركوز : كفّ عن إهانتي.. سكران : أهبل.. نعم.. وأحمق.. ضحك عليك اللعين حنبوج.. حنبوج من أعوان إبليس.. هذا النبيذ له لسعة الدبّور.. ولكنني أشربه.. لا أجد غيره أمامي.. كركوز : وكيف عرفت قصتي.. أنا.. سكران : قلْ لي ياكركوز الأهبل.. الطريق إلى الميناء من هنا.. أم من هنا؟! سأهاجر إلى بلاد يُوزعون فيها الخمر مجاناً.. لايُعقل أنْ أتسوّل ثمن النبيذ طوال حياتي.. كركوز : أعوذ باللّه منك؟ اتركني بحالي وانصرف عني الآن.. سكران : معك حق.. لاتريدني أن أهاجر معك.. سأنتظر مركباً آخر.. ولكن تعال أعانقك فقد لاتعود.. الدنيا فيها الموت والحياة.. لاتحزن إذا متَّ قبل أنْ تتزوج ست الحسن.. ولكنك ميت منذ الآن.. مثلي.. (يضحك). كركوز : قلت لك دعني الآن.. أرجوك يا سكران اخفض صوتك. سكران : سيقبض عليّ الآن الحراس وأنت أيضاً يجب أنْ يقبضوا عليك بتهمة الحماقة.. وسيقول لك القاضي غداً الحماقة مثل السكر ويحكم عليك بالسجن.. أيها الحراس! أيها الأحمق! أنا سكران ألا تقبضون عليّ.. ماذا حدث لكم. هل أنتم سكارى مثلي.. أم أنكم نيام.. أين أنام الليلة إذا لم تقبضوا عليّ!؟ (يخرج سكران وهو يغني). كركوز : كابوس.. كنت أريد ياست الحسن أنْ يكون وجهك آخر ماتقع عليه عيناي قبل الرحيل.. لقد عكر سكران لحظات الوداع وأفسدها. ست الحسن : الوداع ياكركوز.. رافقتك السلامة. الوداع. (تغلق النافذة- يظل كركوز واقفاً جامداً- يدخل عيواظ..) عيواظ : كركوز! ما الذي تفعله هنا في مثل هذه الساعة. كنت أظنك في البيت تودع أمك؟! كركوز : صدقني ياعيواظ أنا لا أقدر على وداعها لأنها لم تكف عن النحيب منذ علمت بسفري. عيواظ : ماأقسى قلوب الأبناء حين يكبرون! كركوز : أقسم إنني حين أعود سأعوضها عن دموعها ذهباً. أرجوك ياصديقي عيواظ أن ترعاها في غيابي. عيواظ : وأنا أستحلفك باللّه ألاّ تدع أحزانها تشتد في هذه الليلة السوداء! كركوز : لاأستطيع. لا أستطيع.. عيواظ : حسناً، وأنا أعاهدك أنْ أعطيها كل أسبوع مبلغاً يساعدها على العيش. كركوز : وأنا مدين لك بحياتي أيها الصديق المخلص. عيواظ : إذاً ماعليك إلاّ أنْ تتوجه الآن إلى الميناء قبل أنْ يبحر المركب. ولاتنسَ أنْ تُخبرني عن مكانك في جزيرة القرود. كركوز : إلى اللقاء ياصديقي عيواظ. عيواظ : (يعانقه) يجب أنْ تعود سريعاً ياكركوز فكلنا في انتظارك. (يفترقان. يخرج عيواظ. ثم يدخل الحكيم (أبو فانوس) فيلتقي بكركوز عند الطرف الأيمن من الطريق..). كركوز : مرحباً بشيخي الحكيم (أبو فانوس).. لكم تمنيت أنْ ألقاك قبل الرحيل. أبو فانوس : هذا أنت ياكركوز المسكين. بحثت عنك في كل مكان، وعرفت أنني سأجدك هنا. فقصر حنبوج أصبح عسلاً مسموماً يجتذب إليه الفراشات. كركوز : كنت سأحزن كثيراً لو أنني رحلت دون وداعك! أبو فانوس : وسيكون حزني أكبر لو أنك رحلت. كركوز : ولكنني عزمت ياشيخي الحكيم! أبو فانوس : تترك بلدك وأمك الوحيدة من أجل ألف ليرة ذهبية!؟ كركوز : ليس في المدينة كلها من يقرضني هذا المبلغ. أبو فانوس : وليس أقسى من ذلك إلا غربةً دون أصدقاء. كركوز : وهذا الحب الذي يسري في عروقي؟! أبو فانوس : وهم كبير. أيُّ حب هذا الذي يُشرّدك في الأرض؟! أيُّ حب يجعلك تهجر أمك وأهلك؟ لم يعد الحب في هذه الأيام سوى وهم يتعلق به الأغبياء أمثالك. وسيأتي رجل فاسق يحمل الليرات الذهبية ويختطف منك ست الحسن قبل أن تعود. كركوز : ولكنك ياشيخي لو ملكت العينين اللتين أرى بهما ست الحسن لعذرتني. أبو فانوس : أتعيّرني ياولد لأنني لا أبصر؟! أعلم ياكركوز أن عمى البصيرة هو المصيبة. و إياك أن تعتقد أن البصر وحده هو الذي يريك الحقيقة. كركوز : هل تريد مني ياشيخ أن أتراجع في اللحظة الأخيرة؟ أبو فانوس : من نعم اللّه عليّ أنني لا أبصر. ولكني أحسّ وأعرف وأدرك ماسيقع. أعرف حقيقة حنبوج ومايريد أن يفعل بك. كركوز : ولكن عمي حنبوج عاهدني أمام عيواظ على أن ينتظر عودتي! أبو فانوس : حنبوج رجل منافق. ولن تنفعك ليراتك حين تعود. ستخسر كثيراً. ستخسر نفسك قبل كل شيء. لن تجد طريقاً للسعادة بعدها. كركوز : سامحني ياشيخي الحكيم. لقد عزمت على الرحيل، ولن يثنيني عن عزمي إلا الموت. أبو فانوس : لو كنت أملك من القوة مايمكنني من منعك من الرحيل لفعلت ذلك. وأنا أحس بالطمأنينة لأنني أنقذ شاباً طيباً من مصيدة المال. ولكن الحب جعلك ذليلاً ضعيف الإرادة. كركوز : لذة الحب ياشيخي الحكيم أن نشعر بالضعف. أبو فانوس : هيا انصرف عني دون كلمة. فلن أحتمل سماع كلمة أخرى من أحمق باع نفسه للهلاك. هيا انصرف قبل أن أحطم هذا الفانوس على رأسك. هيا أيها الطائش. فلن تجني من بحثك عن المال غير الألم والشقاء! (يتوجه كركوز مسرعاً إلى الطرف الأيسر من الطريق. ثم يختفي..) أبو فانوس : (وحده) رافقتك السلامة ياكركوز الطيب.. ستنتهي حياتك مع أول قرش تكتنزه.. مسكين لقد أوقعك حنبوج في شباكه.. (يختفي أبو فانوس...) |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |