حكاية كركوز و ست الحسن أو مأساة كركوز - محمد جهاد الكاتب

مسرحية في ثلاثة فصول - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Wednesday, September 17, 2003 05:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثاني

"العودة من جزيرة القرود"‏

المشهد الأول‏

(طريق في مدينة الأعاجيب. يبدو كركوز في هيئة حسنة ومعه تابعه "سراج")‏

كركوز : نعم هذا هو الحي الذي نشأت فيه حتى صرت شاباً ولي شاربان. آه! ما أطيب هذا الهواء، وما أرقه. أجمل هواء تنشقته في حياتي. إن شهقة واحدة تنسيني آلام عشر سنوات من الكد والغربة..‏

سراج : ولكنك ياسيدي كنت في بلادنا معززاً وكأنك في وطنك.‏

كركوز : لا أنكر ذلك يا"سراج". فحاكمكم رجل مخلص.. وعادل، وأهل الجزيرة طيبون.. ولكنني كنت بينكم غريباً في وجهي ولساني.‏

سراج : لو كنت غريباً ياسيدي كركوز لما عرض عليك حاكمنا أنْ يزوجك من ابنته الصغرى..‏

كركوز : لاتذكّرني ياسراج فتلك محنة قاسية..‏

سراج : لم ينقذك منها إلا حسن عملك وطيب قلبك. وإلاّ من يرفض ابنة الحاكم زوجة له إلا الأبله!!‏

كركوز : صدقت ياسراج.. صدقت.. كان امتحاناً صعباً لحبي.‏

سراج : ولولا أن حاكم جزيرتنا رجل عاقل لقطع رقبتك قبل أن يطلع عليك الصباح، فتلك إهانة في تقاليدنا عقابها الموت..‏

كركوز : وأنا لاأصدق أنني نجوت ياسراج.. والفضل لك..‏

سراج : بل الفضل لهذا الاختراع الذي قدمته للجزيرة.. الطاحونة الحجريّة الكبيرة.. أنسيت ياسيدي كركوز!؟‏

كركوز : كنتم تطحنون بالرحى.. فعلمتكم أن تستفيدوا من مجرى الماء.. كما نفعل هنا..‏

سراج : كم كانت فرحة أهل الجزيرة عظيمة حين دارت الطاحونة الكبيرة فوق النهر.‏

كركوز : لاأكتمك ياسراج أنّ ابنة الحاكم رائعة الجمال، رقيقة الكلام، ولكنْ ماذا أفعل بهذا القلب المصلوب أمام عيني ست الحسن.. إيه، وأخيراً عدت يا كركوز إلى المدينة التي تضم بين أسوارها قلبك الرهينة عند أجمل فتيات الدنيا. ماأسعدني وأنا أعود إليك يامدينتي المحبوبة!. (مذهولاً) قف ياسراج.. إنْ لم أكن مخطئاً فقد كان بيتي هنا.. نعم. أكاد لاأصدق. لا يمكن أنْ أخطئ.. واللّه لو كنت معصوب العينين لعرفت كيف أصل إلى مسقط رأسي.‏

سراج : ولكنْ ياسيدي كركوز قد تتشابه الطرق والبيوت في المدينة الواحدة.‏

كركوز : قد أخطئ في كل شيء إلاّ في معرفة البيت الذي ولدت فيه نعم. لن أخطئ. الناس تقول إن صاحب الرأس الصغير يكون أبله. ترى ما الذي حدث؟! أملك في صدري إحساساً حزيناً. نعم هذه أرضي وبيتي.. تركت فيه أمي تنسج لي الثياب وهي لاتعلم متى أعود..‏

سراج : ولكننا ياسيدي نقف أمام قصر عظيم يشبه قصر حاكم جزيرتنا!‏

كركوز : اسكت ياسراج، اسكت. لايمكن للمرء أنْ ينسى وطنه وبيته مهما ابتعد عنهما. واللّه لو بقي في صدري نفس واحد لعرفت قبل أنْ أموت أنها أرضي. الأرض ياسراج مثل الدم الذي يجري في العروق. ولكن ما الذي حدث؟!‏

سراج : مارأيك ياسيدي أنْ نسأل بعض المارة..‏

كركوز : هاهو ذا رجل قادم إلينا.. هيه أنت أيها الرجل الطيب، لو سمحت، توقف قليلاً. أحمالك كما أرى ثقيلة على ظهرك أعانك اللّه ياعم.. قلْ لي لمن هذا القصر العظيم؟‏

الحمّال : لاشك أنك غريبٌ عن المدينة.‏

كركوز : بل أنا منها ياعم. ولكنني كنت مهاجراً إلى جزيرة بعيدة. وها أنا ذا أعود لأراها مدينة أخرى.. قلْ لي ألم يكن مكان هذا القصر بيت تسكن فيه امرأة؟!‏

الحمّال : آه.. إنها قصة طويلة يابني.. وأنت كما ترى أحمل على ظهري الأحمال.. أوقف غيري ليقص عليك الحكاية.‏

كركوز : أنزل أحمالك (يساعده) وقصَّ علي. خذ هذه القطعة الفضية.‏

الحمّال : قطعة فضية من أجل حكاية.. لابد أنّ في الأمر سراً يابني أو أنك تحب الفضول فتبعثر دراهمك على سماع الحكايا. خذ قطعتك الفضية يابني لا أريدها..‏

كركوز : أرجوك أخبرني ماذا تعرف.‏

الحمّال : ومن يضمن لي ألاّ تكون من أعوان قائد الشرطة وتريد أنْ تجرني في الحديث إلى مايغضبه، ثم ترميني في السجن!..‏

كركوز : أعوذ بالله ياعم.. لماذا تدخل السجن وأنت لاتفعل شيئاً مخالفاً لقانون المدينة.‏

الحمّال : بيني وبينك، لم يعد أحد يثق بأحد في مديتنا. نصف أهل المدينة يتجسسون على النصف الآخر. ساعدني يابني على حمل أحمالي. فأنا أكدّ على عيالي فلا أحصّل لهم غير الخبز.‏

كركوز : وهذه قطعة فضية أخرى فما رأيك؟!‏

الحمّال : لعن اللّه هذا اللسان الذي أخبئه في فمي سيقودني يوماً ما إلى السجن أو القبر.‏

كركوز : ثق بي ياعم فأنا لست من أعوان أحد.‏

سراج : سيدي لم يمض عليه أكثر من ساعة في هذه المدينة.‏

الحمّال : دعني وشأني يابني.‏

كركوز : اطمئن ياعم فأنا صديق عيواظ صاحب المطحنة المائية في الطرف الشرقي من المدينة.‏

الحمّال : (يرفع أحماله) وتقول لي لست من أعوان أحد. تضحك على رجل فقير عجوز. سترك يارب. في وجه من كان صباحي! إنه وجه زوجتي المنحوس وشعرها المنكوش مثل القنفذ.‏

(يسرع الحمّال بالابتعاد)‏

كركوز : أنا لاأفهم شيئاً. كأنني لسعته بالسوط حين ذكرت له اسم صديقي عيواظ. هل فهمت شيئاً ياسراج؟!‏

سراج : أنا غريب عن المدينة، ولا أعرف طباع أهلها. ولكن الرجل كان خائفاً. ولعل في الأمر سراً ياسيدي كركوز.‏

كركوز : هاهوذا رجل آخر قادم نحونا. لن أدعه قبل أن يخبّرني بما يعرف.. ولكن ألا ترى معي ياسراج أن أهل المدينة يضعون على رؤوسهم غطاء متشابهاً؟، بل هو غطاء واحد.‏

سراج : إنه متسول ياسيدي.. ويبدو متعباً، وهو أعمى أيضاً.‏

كركوز : قف أنت يا أخي..‏

مصرّم : أعطني مما أعطاك اللّه.‏

كركوز : لقد أعطاني اللّه أكثر مما أريد.‏

مصرّم : تصدق ياأخي. الحسنة بعشرة أمثالها.‏

كركوز : خذ ياأخي هذه قطعة فضية.‏

مصرّم : لا أذلك اللّه يابني. وليكن لك قصر في الجنة..‏

كركوز : كنت سأسألك يا أخي عن صاحب هذا القصر.. عذراً، فأنت لاترى كما أرى. ولكن توقف قليلاً وجهك هذا ليس غريباً عني. بل إن هذه الملامح تذكرني برجل أعرفه!‏

مصرّم : لاتسخر مني ياسيدي.. كيف لرجل سيد مثلك أن يعرف متسولاً مثلي!‏

كركوز : لايمكن أن أخطئ رغم غيابي عن المدينة عشر سنوات.‏

مصرّم : كأن هذا الصوت الرقيق قد سمعته قبل الآن.. نعم إنه يذكرني بصديق قديم.. آه سيدي فالذاكرة الضعيفة عبء على الإنسان.‏

كركوز : من أعرفه كان مبصراً. عيناه براقتان. كان قوياً يستطيع أن يدفع حجر الطاحون وحده.. كان شاباً يفيض الشباب من وجهه كما يفيض النبع العذب. ظهره مستقيم.. ولكنك تشبهه تماماً.‏

مصرّم : آه.. ماأقسى الزمان! كل شيء فيه يتبدل.‏

كركوز : صدقت يا أخي، وأرجو اللّه أن تكون حبيبتي ست الحسن باقية على عهدها.‏

مصرّم : ماذا تقول ياسيدي؟! ست الحسن حبيبتك.. يا إلهي.!‏

كركوز : نعم يا أخي وأية غرابة في ذلك. ست الحسن بنت التاجر حنبوج هي خطيبتي وحبيبتي.‏

مصرّم : يا إلهي!‏

كركوز : مابك يا رجل كأن أفعى سامة دخلت إلى صدرك!‏

مصرّم : أية مفاجأة أمامي! غير معقول! أنت كركوز. عرفت أنك كركوز الأهبل. أنا مصرّم ياكركوز أتذكرني؟!‏

كركوز : مصرّم! صديقي الحبيب! من فعل بك كل هذا؟ أية مأساة جعلت مصرّم بائساً حزيناً متسولاً أعمى!! هذا حلم عابر.. لايمكن أن أصدقه..‏

مصرّم : (يبكي) ذهب زمن الحب والوفاء والإخلاص. يا للحسرة!!‏

كركوز : أخبرني ماذا حدث؟! أكاد أجن!! قل ياصديقي القديم ما الذي جعلك متسولاً. لماذا فقدت بصرك. أخبرني يامصرّم!‏

مصرّم : آه.. ياصديقي كركوز.. لم تبق لنا إلا الذكريات.‏

كركوز : أراهن أنك تتنكر في هذا الزي. قل يامصرّم هل وصلتكم عادة الاحتفال التنكري كما يجري في المدن المجاورة.‏

مصرّم : أي تنكر ياكركوز.. هذه الحقيقة!‏

كركوز : ماذا حدث لبيتي؟ قصر من هذا؟! وأين أمي الآن؟!‏

مصرّم : أنا في حلم. هذا أمر مؤكد. فأهل المدينة يعرفون أنّ كركوز غرقت به السفينة وهو عائد إلى المدينة..‏

كركوز : أنا غرقت؟! أنا غرقت ياسراج ولم أسمع بهذا الخبر إلا الآن.‏

مصرّم : لذلك أرجوك ياأخي كركوز.. أن تقترب لأتأكد من شخصيتك الصوت صوت كركوز. الطيبة طيبة كركوز. الطول (يلمس وجهه) ولكن كركوز لم تكن له لحية.. الأنف! أنف كركوز..‏

كركوز : أنا لم أغرق يامصرّم. أنا حي، وهذا هو سراج شاهد على ذلك.‏

مصرّم : حقاً. أنت كركوز.. ولكن لماذا قالوا إنك غرقت وشبعت موتاً؟‏

كركوز : أنا أسألك يامصرّم ما الذي حدث لك.. ماذا حدث لأمي!‏

مصرّم : الحمد للّه على سلامتك يا أخي كركوز.. ولكن لن أدع الفرح بلقائك وعودك سالماً ينسيني حبي لك وخوفي عليك. أنصحك ياصديقي ويا أخي كركوز أن تغادر المدينة وتعود من حيث أتيت أو دعْ أهل المدينة يعتقدون أنك غرقت وأكلك الحوت..‏

كركوز : أي كلام أسمع من أخي مصرّم؟! لابد أن أحداً خلع عقلك وركّبه في قدميك.‏

مصرّم : تأكد أنني عاقل، ورغم أنني أعمى فأنا أعرف تماماً الجهات الأربع.‏

كركوز : أنا عدت بعد غياب عشر سنوات لأبقى يامصرّم. وأنت تعرف القصة من بدايتها.‏

مصرّم : وأنت لاتعرف ماذا حدث بعد رحيلك. اسمع نصيحة أخيك مصرّم، فأنا أحبك وأخشى عليك من الغدر.. أرجوك أن تغادر المدينة.‏

كركوز : أنت مجنون يامصرّم. مجنون! أنا عدت حاملاً مهر ست الحسن، وأكثر منه. مهر كلفني الخوف والجوع ورأيت الموت يتبعني، ينام معي.. انتظرت لحظة العودة كما ينتظر الرضيع ثدي أمه بعد جوع طويل.. كانت عودتي حلماً..‏

مصرّم : الذين قالوا إنك غرقت.. لايريدون أن تعود.. ستخسر مالك ونفسك.‏

لن يدعوك تعود إلى الحياة.‏

كركوز : من هم يا مصرّم. قل الحقيقة أريد أن أعرف كل شيء!‏

مصرّم : آه، ياأخي كركوز ماأقسى الحقيقة؟! سأقولها لك بعد أن تهدأ وتفتح أذنيك.‏

كركوز : وهل تراني أسد أذني بأصابعي؟!‏

مصرّم : حسن. ذنبك على جنبك... هذا القصر الذي تراه أمامك أقامه صاحبه فوق خراب بيتك..‏

كركوز : سأهدّ السقف على رأسه..‏

مصرّم : إنه حنبوج ياكركوز.. حنبوج والد ست الحسن!‏

كركوز : عمي حنبوج! لم أكن أتصور أنه رجل شهم. لاشك أن حبيبة القلب ست الحسن طلبت من والدها حنبوج أن تعيش أمي معها في هذا القصر. أعرف أنها تحبني وتحب كل مايخصني.‏

مصرّم : كف عن أحلامك وخيالك.. الغربة لم تغير من أمرك شيئاً. كما أنت! كثير الأحلام طيب القلب.‏

كركوز : لو أني هنا لما فرطت بهذا البيت.. بيت فيه الذكريات. هنا ولدت يامصرّم!‏

مصرّم : ما أعجبك ياكركوز! تريد أن تعرف الحقيقة ولاتريد.‏

كركوز : ولكنها حقيقة حلوة..‏

مصرّم : بيتك يا أخي كركوز صادره القاضي.. منحه لحنبوج تعويضاً له فأقام عليه هذا القصر.‏

كركوز : ولكنه كان يملك قصراً مثل قصر السلطان. أنا لا أفهم شيئاً.!‏

مصرّم : ولن تفهم شيئاً مادام قلبك يقودك نحو حتفك!‏

كركوز : سراج، اقرصني ياسراج! مصرّم لماذا لاتختصر الحديث وتوضح الحقيقة؟‏

مصرّم : القاضي أمر بمصادرة بيتك وأعطاه لعمك حنبوج تعويضاً عن السرقة.‏

كركوز : ومادخل القاضي ببيتي؟‏

مصرّم : آه.. آه!! يالسوء طالعي، تغيب عشر سنوات وأكون أنا بومة الشر.. افتح عقلك يا أخي كركوز. هناك أشياء لاتقال ولكنّ الإنسان يدركها بعقله.‏

كركوز : لاتدعني أفقد عقلي يامصرّم. سراج، اضربني على رأسي لعلي أفهم مايقوله الفيلسوف مصرّم.‏

سراج : هدئ من روعك ياسيدي كركوز.‏

مصرّم : ها أنت ذا ياكركوز صرت سيداً ولك تابع. فلماذا لاتصغي إليّ وتفهم ما أقول؟؟‏

سراج : سيدي يفهم كل شيء ولكنك لاتفصّل الحقائق.!‏

كركوز : قل يامصرّم، ماذا حدث لأمي؟ أين هي الآن؟!‏

مصرّم : طردها حنبوج من البيت، وراحت تتنقل من بيت إلى آخر..‏

كركوز : حنبوج يفعل ذلك؟!‏

مصرّم : نعم.. نعم فعل ذلك. ألا تصدقني؟! بعد أن عرف الناس أنك سرقت صندوقه حكم الـ...‏

كركوز : (مقاطعاً) أيّ صندوق يامصرّم؟!‏

مصرّم : صندوق حنبوج الذي أخذته من بيته يوم سفرك!‏

كركوز : وماذا أفعل بصندوق حنبوج؟؟‏

مصرّم : اتهموك بالسرقة. وحكم عليك القاضي بالسجن ومصادرة أموالك. ولأنك لاتملك إلا بيت أمك..‏

كركوز : ولكني كركوز الأمين.. مستحيل. هذا مستحيل. أنت تمزح. قل شيئاً غير ذلك.‏

مصرّم : هذه هي الحقيقة التي تريد معرفتها.. والآن مارأيك؟!‏

كركوز : وأين أمي الآن؟‏

مصرّم : كان الناس يرونها يوماً وتختفي أياماً.. إلى أن غابت، ولم يعثر أحد عليها بعدها. بعض الناس قال إنها دفنت نفسها حية في المقبرة القديمة.‏

كركوز : ياللعار! ياللعار! أيتها المسكينة الشقية! يا للفضيحة! أمي تدفن نفسها حية!!‏

مصرّم : نامت في أحد القبور.. ولم تظهر بعد ذلك.. لاتبك يا أخي كركوز. فالبكاء لن يعيد الأموات.‏

كركوز : هذا أول ثمن أدفعه لحصولي على الذهب.. راحت الأرض!. راحت الأم!‏

مصرّم : والذهب في يديك لن ينفعك لأنك عدت متأخراً!‏

كركوز : ما الذي ينفعني في هذه المدينة. كأنني أرى مدينة غريبة عني. ماذا أفعل الآن؟!‏

مصرّم : اهرب ياكركوز.. اخرج من المدينة قبل أن تكتمل المأساة!‏

كركوز : ولكن لماذا لم يفعل صديقي عيواظ شيئاً من أجل أمي؟!‏

مصرّم : لأن عيواظ صار صديقاً عزيزاً لحنبوج.‏

كركوز : أية مفاجآت تتوالى! لم أعد أحتمل يامصرّم. كفى باللّه عليك! خرجت من المدينة وقلبي مطمئن. كنت واثقاً من أن صديقي عيواظ سيقف إلى جانب أمي. آخ ياعيواظ! تخون الصداقة والعشرة الطيبة وتتآمر مع حنبوج!‏

مصرّم : كل شيء تبدل في المدينة. ماحدث فيها يشبه الأساطير! أو حكايا ألف ليلة وليلة!‏

كركوز : سأدفن أحزاني الآن في صدري، وأدخل قصر حنبوج، فأقدم مهر ست الحسن ألفي ليرة ذهبية. سأتظاهر بالسعادة. وإن كان هذا صعباً.. وعندما يرى حنبوج الليرات الذهبية ستكون ضحكته إلى أذنيه. ويقبلني. ويدعوني إلى العشاء. ويقدمني إلى أصدقائه التجار صهراً غالياً غنياً!‏

مصرّم : مسكين! أنت مسكين يا أخي كركوز، وتستحق أن أرثي حالك. فالحب الذي تبحث عنه انتهى ورحل معك في المركب!‏

كركوز : ماذا تقول أيها المخادع! أتغار مني لأنك لاتملك آلاف الليرات الذهبية مثلي؟! افتح الكيس ياسراج واترك أخي مصرّم يمتع عينيه بالذهب البراق!‏

مصرّم : ولكنني يا أخي كركوز أعمى كما ترى!‏

كركوز : إذاً مدّ يدك إلى الكيس وتلّمس نعومة الليرات. اسمع صوت قرقعتها.. إنّه أجمل من صوت البلابل!‏

مصرّم : لاتغضب مني يا أخي كركوز، لأنك لو عرفت الحقيقة كلّها ستعضُّ أصابعك ندماً.‏

كركوز : بل سأعضّ أذنيك، وأقضم لسانك..‏

مصرّم : لا يا أخي كركوز، لايمكن أنْ تكون فظاً مع أخيك مصرّم الذي فقد بصره من أجلك..‏

كركوز : وماعلاقة بصرك بحبي وغربتي.‏

مصرّم : من أجلك يا أخي كركوز صرت أعمى.. نعم.. ألا تصدقني؟!‏

كركوز : من أجلي أنا؟!‏

مصرّم : نعم.. لأنني دافعت عنك.. أحببت فيك الطيبة والحب الصافي. وكنت أتمنى أنْ أملك مثل هذا الحب، وهذه الروح المتفانية.. والآن أرى نهاية المأساة أمامي..‏

كركوز : ماهذه الألغاز يامصرّم؟! فأنا لازلت أهيم بذكر ست الحسن، وفي صدري حبٌ يساوي أضعافاً مضاعفةً لما كنت عليه يوم سفري.‏

مصرّم : بلْ حبك مات ودفن ليلة سفرك.. بعد عام من رحيلك تزّوج بكري مصطفى "ست الحسن"..‏

كركوز : أنت تكذب.. لابد أنك أصبت بالجنون.. ست الحسن زوجة بكري قاطع الطريق والنصاب والقوّاد.. يا إلهي!! ست الحسن لاتفعل ذلك. اقرصني يا سراج لم أعد احتمل. هيّا أخرج مسّلةً وانخزني بها (يصرخ) ست الحسن زوجة اللص بكري مصطفى.. ماذا حدث في هذه الأرض!‏

مصرّم : اخفض صوتك.. ولا تصرخ كالمسعور، فقد يسمعك واحدٌ من رجاله.‏

كركوز : لتسمع الدنيا كلها.. وليرتفع صوتي إلى الشمس.. أنا لا أخاف أحداً..‏

مصرّم : ستُهلك نفسك يا أخي كركوز.. فيد بكري اليوم قوية وطويلة.. إنه قائد شرطة المدينة.‏

كركوز : اصمتْ يامصرّم.. اصمتْ، حتى لايظنك الناس هارباً من البيمارستان.. أنت فقدت بصرك وفقدك عقلك.. مسكين يا أخي مصرم، ماذا فعلت بك الأيام؟! (يلمس رأس مصرّم) آه! يا أخي مصرّم، أنت محموم! هل معك يا سراج مسحوق الكينا.. هذا دواء شافٍ يا أخي مصرّم يستعملونه في جزيرة القرود.. يصنعون منه شراباً عجيباً.‏

مصرّم : لايا أخي كركوز.. أنا بخير.. أنا لست محموماً، أنا عاقل، وعقلك يا أخي كركوز لايقبل الحقائق.‏

كركوز : (يمسك بمصرّم) قلْ لي كيف تزوج بكري ست الحسن. قلْ إنك تكذب وسأسامحك.. قلْ أرجوك..‏

مصرّم : شهد الله أنني أقول الحق.. ولولا إلحاحك لما أخبرتك شيئاً.. اسمع أصوات طبول الحرس السلطاني!.. إنهم قادمون إلينا!‏

كركوز : أنت تحكم عليّ بالموت.. تخرج روحي من صدري!‏

(يظهر سكران في الطرف الأيسر وهو يغني).‏

مصرّم : في ليلة رحيلك، دخل بكري إلى قصر حنبوج من الممر السري، وسرق صندوق ذهبه، وهرب. وعاد بعدها واتهمك بالسرقة وشهد بأنك حملت معك الصندوق وركبت المركب.. الناس كلهم صدقوا الحكاية.. وشاع في المدينة بعد مدة أنك غرقت في البحر! وصدق الناس الحكاية. ثم قدّم بكري المال المسروق مهراً لست الحسن. ثلاثة آلاف ليرة ذهبية.. وأخذها حنبوج سعيداً.. أفهمت الآن. أم تريد أن أعيد!‏

كركوز : ما أتعسني! ما أتعسني وما أغباني! الرجل الذي استغل معرفتي لبيت حنبوج كان لصاً. ادعّى أنه صديق قديم يريد أنْ يفاجئ صديقه. أنا صدّقته. أنا لا أستطيع إلاّ أن أصدق ماأسمع.. هذا عيبي. هذه فضيلتي، لا أدري!‏

مصرّم : بكري أعطى أوصافاً دقيقةً للصندوق فصدّقه الناس، وأنا أيضاً شهدت يا أخي كركوز. وليسامحني اللّه. شهدت بأنك تعرف الممر السري..‏

كركوز : حتى أنت يامصرّم!‏

مصرّم : وست الحسن شهدت أنك قلت لها ليلة وداعها! إنَّ مفاجأة كبيرة تنتظر والدها حنبوج في الداخل..‏

كركوز : وست الحسن شهدت ضدي!‏

مصرّم : لم تشهد ضدك، ولكنها اعترفت بأنها كانت تُدخلك إلى القصر من الممر السري لتقابلها في غياب والدها!‏

كركوز : يا رأسي.. يارأسي! اضربني ياسراج.. اضربني بقوة..‏

سراج : كان اللّه في عونك ياسيدي.. أنت الآن في امتحان صعب!‏

(يقترب سكران وهو يغني).‏

سكران : ذهب الحمار بأم عمرو فلا رجعت ولا رجع الحمار.. (يضحك) كل شيء مفهوم.. أم عمرو لم ترجع.! ولكن الحمار المسكين لم يرجع إلى الآن! لماذا؟!‏

كركوز : يجب أنْ تعرف ست الحسن الحقيقة. رحلتُ إلى أقاصي الدنيا من أجلها، و حين أعود أراها زوجةً لأسوأ رجل في المدينة!!‏

سكران : ماذا تفعل هنا يا مصرّم.. عجيب! قبل قليل رأيتك في الشارع المجاور.. عجيب! ولكن الذي رأيته هناك كان مبصراً.. لعنة اللّه على السكر.. يريك الرجل رجلين.. ولكنني لا أرى الدرهم درهمين في يدي.. (يضحك).‏

مصرّم : اتركني ياسكران.. أنا لاأستطيع التفاهم مع العقلاء.. فكيف مع السكارى!‏

سكران : لا.. لا.. يامصرّم! سأغضب منك وأشكوك للمصرّم الذي رأيته هناك.. أيُّ حظ لي! أراك مرتين.. وأنت لاتراني..‏

كركوز : هيا يا أخي اتركنا مع همّنا.‏

سركان : (يضحك) عجيب! وهل أنا أمسك بك يارجل! الشارع لي ولك.. أنا أقف أمشي. أقف أمشي كما أريد وحين أريد النوم أقعد على الأرض وأتمدد.. و أنا.. ثم أجد نفسي صباحاً في السجن.. ستقول هذا رجل متشرد.‏

مصرّم : دعنا ياسكران..‏

سكران : لوكان معي طبل.. طبل كبير.. لوقفت مع جنود السلطان وطبّلت.. اسمع صوت الطبل من هنا.. أنا أحب الطبول دُمْ.. دُمْ.. دُمْ.. (يقع ويقوم).‏

كركوز : مامعنى أن يتغير كلّ شيء في المدينة.. ويبقى "سكران" يجوب شوارع المدينة!! قلْ يامصرّم!‏

مصرّم : فات أوان القول.. فست الحسن الآن زوجة قائد الشرطة وأنت تعلم ماذا يعني ذلك!‏

كركوز : قصة غير معقولة.. غير معقول.!‏

سكران : (من بعيد) دُمْ.. دُمْ.. دُمْ دُم.. يحيا السلطان. دُمْ دُمْ.. دُمْ دُم.. يحيا السلطان.‏

مصرّم : تنح عن الطريق ياكركوز، سيمرّ حراس السلطان.. وهم لايتورعون عن ضرب المارة بالسوط.‏

(تقترب أصوات الطبول.. ثم تدخل من الطرف الأيسر مجموعة من الحراس.. ويسير في وسطهم قائد الحرس السلطاني..)‏

كركوز : لماذا كلُ هذا الحذر.. فنحن نقف ملتصقين بالجدار.؟ فلماذا يضربوننا.؟‏

مصرّم : حتى نظل ملتصقين بالجدار.. حتى يبقى الخوف سارياً في عروقنا فترة أطول بعد مرور الموكب.. اصمت الآن واحنِ رأسك فقد يعرفك أحد الحراس..‏

(يحنون رؤوسهم حين مرور الموكب، ويقوم حارس بضرب سراج على قدميه..)‏

سراج : (بعد قليل) ماهذه المدينة العجيبة ياسيدي.. أنا لم أفعل شيئاً، ووقفت كالشجرة اليابسة فلماذا ضربني الحارس؟!‏

كركوز : كأنني رأيت وجه قائد الحرس قبل الآن! ولكن.. لا. غير معقول.. لابد أنني في حالة من الخبل.. هذا تفكير مضحك!‏

مصرّم : لاتضحك، ولاتسخر.. بل قل هو ذاته!!‏

كركوز : المدلل!!‏

سكران : (وهو يلحق بالحرس) دمْ دمْ دمْ دمْ عاش الس.. السل السجن.. دم.. دمْ دمْ دمْ عاش السّجان.. السلطان.‏

كركوز : يا إلهي! المدلل.. المدلل ذاته!!‏

مصرّم : المدلل صبي المطحنة المخنث.. الخليع.. عاشق الغناجة!‏

كركوز : ما حدث في هذه المدينة أكبر من رأسي.. المدلل، قائد الحرس السلطاني! أهون عليّ أنْ أصدق أنّ الحمار تعلّم القراءة والكتابة من أنْ أسمع أنّ "المدلل" من رجال السلطان!‏

مصرّم : ولو عرفت من هو السلطان لسقطت مغشياً عليك!‏

كركوز : ليكنْ مَنْ يكون.. لا بد أنه رجلٌ تافه مثل قائد حرسه!‏

مصرّم : بل هو صديقك المخلص عيواظ..‏

كركوز : آ..آ..آ.. (يدور حول نفسه)‏

مصرّم : صديقك الآن هو السلطان عيواظ‏

كركوز : (يدور) عيواظ.. يا عيواظ (كأنه يغني) يا سلطان ويا سلطان ويا عيواظ، ويا عيواظ.. يا سلطان السلاطين، يا عيواظ ويا مسكين (يقف ويصرخ) سراج.. سراج لماذا تقف جامداً.. هيّا اركلني بقدمك.. اقرصني.. أخرجْ سكيناً.. لا ساطوراً. واقطع اصبعي من يدي.. الابهام.. أكبر الأصابع.. اقطع الابهامين أهون عليّ أنْ أعيش بلا ابهامين من أنْ أعيش بلا عقل.‏

سراج : لا تفعل بنفسك هذا يا سيدي! فأنت أعقل العقلاء.‏

كركوز : من المؤكد أنني أعيش كابوساً.. نعم كابوسٌ مزدوج سينقضي. شيء رائع أن أعرف أنني نائم وأرى كابوساً (يضحك) عيواظ سلطان. وبكري رئيس الشرطة. ومدلل قائد الحرس!‏

مصرّم : ونسيت عمك حنبوج.‏

كركوز : مسكين عمي حنبوج..‏

مصرّم : مسكينٌ جداً، فقد عينّه السلطان عيواظ وزير المال‏

كركوز : هذا كابوس جديد!! اكتملت الحكاية!! كفى بالله عليك يا أخي مصرّم! تريد أنْ تختصر لي عشر سنوات في ربع ساعة، حرام عليك! حرام!‏

مصرّم : أنت طلبت مني أنْ أفصّل الحقائق!‏

كركوز : اللص صار شرطياً، والتاجر المحتكر وزير بيت المال، والصبي المخنث صار قائداً.. قائداً للحرس.. وعيواظ صاحب المطحنة. عيواظ الصديق الطيب الذي شهد العهد بيني وبين حنبوج.. صار سلطاناً.. ماذا أفعل الآن يا سراج؟! لا بد أنْ توقظني من النوم حتى يزول الكابوس!‏

مصرّم : نعم عليك أنْ تستيقظ يا كركوز.. غادر المدينة حالاً وانج بجلدك‏

كركوز : ولكن كيف حدث كل ذلك!! كيف تطورت الأمور حتى أصبح هؤلاء سادة المدينة؟!‏

مصرّم : ماذا ينفع أنْ تعرف أو لا تعرف.. كل شيء قد انتهى.. وليس بيد أحد أنْ يفعل شيئاً.. لقد مرّ كل شيء كالبرق الخاطف!‏

كركوز : ولكنني يجب أنْ أعرف ماذا حلّ بسلطاننا العادل والقاضي والوزير..‏

مصرّم : هيّا غادر المدينة.. قبل أنْ يكتشفوا أمرك.. وأخشى أنْ سكران قد عرفك.. فهو كما تعلم من نسل ابليس!‏

كركوز : أي نجاة للجسد، إذا بقيت روحي معذبة!‏

سراج : يا سيدي كركوز، اسمع نصيحة صديقك، وهيّا نغادر المدينة.. سنعود إلى جزيرتنا. تذكرْ يا سيدي كم أحبك الناس هناك، وكمْ أحببتهم. كنت لنا أخاً وكنا لك أهلاً!‏

كركوز : والله يا سراج لن تغنيني كنوز الدنيا عن مدينتي. هنا أهلي وأرضي وحبي. في كل حبة عرق بذلتها كنتُ أرى مدينتي تقترب مني أكثر.. ولكنني الآن أحسُّ بالغربة وأنا في مدينتي التي أعشقها!‏

مصرّم : ما عليك إلا أن تعود من حيث أتيت‏

كركوز : حتى لو قررت الرحيل فلن أغادر المدينة قبل أنْ يعرف الناس الحقيقة. أريدهم أنْ يعرفوا أنني ما زلت حياً وأنني أمين مخلص لا يمكن أنْ أكون لصاً.. يجب أنْ أثبت براءتي.‏

مصرّم : وهل تعتقد يا أخي كركوز أنّ بكري سيمهلك حتى تعرض الحقيقة على أهل المدينة؟ أنت واهم يا أخي.‏

كركوز : سيساعدني صديقي عيواظ.. أو عمي حنبوج.‏

مصرّم : بعد كل ذلك، وتقول عمي حنبوج! ما أعجبك يا أخي! وما أشدّ هذا الحب الذي يقبض على قلبك!‏

كركوز : يجب أنْ تعرف ست الحسن الحقيقة‏

مصرّم : اسمع يا اخي كركوز.. ست الحسن لا ترى أحداً ولا يراها أحد. حين أكتشفتُ أن بكري هو السارق انطلقت إلى معلمي حنبوج. قلت له: أنا رأيت صندوقك المسروق في قصر بكري. كان ذلك مصادفة. وذكرت لمعلمي أوصاف الصندوق بدقة، فماذا كانت النتيجة؟!‏

كركوز : ألم يصدقك عمي حنبوج؟‏

مصرّم : يا أخي، بكري قائد الشرطة وهو زوج ست الحسن وحنبوج هو وزير بيت المال، وبينهما من المصالح والأسرار أكثر مما في البحار المجهولة.‏

كركوز : لماذا لم تذهب إلى القاضي.. أو السلطان نفسه؟!‏

مصرّم : القاضي سمع القصة وهزّ راسه ولم يفعل شيئاً. وكان قد أصدر حكماً عليك وانتهى الأمر. وأخوك عيواظ لم يعد يهمه من الدنيا إلاّ إرضاء زوجته الغناجة، وهو لا يقابل أحداً إلاّ نادراً.‏

كركوز : الغناجة زوجة عيواظ! يا ويلي.. يا ويلي!! تقول الغناجة! هذه هي عجائب الدنيا السبع!‏

مصرّم : ألقوني في السجن بتهمة الاشتراك معك في السرقة ومساعدة اللص كركوز على دخول بيت حنبوج. التهمة واضحة‏

"يدخل إلى المسرح أطفال ورجال ونساء يحملون الأعلام والصناديق، وهم يغنون ويرقصون.‏

كركوز : هل اليوم عيد من أعياد المدينة‏

مصرّم : (يضحك) لا. يا صديقي. هم ذاهبون لتهنئة السلطانة الغناجة بعيد ميلادها‏

كركوز : وما دخل العامة بعيد ميلاد الغناجة، أقصد السلطانة!‏

مصرّم : يجب أنْ يباركوا لها يوم مولدها العظيم.. هل يحملون الهدايا معهم!‏

كركوز : يحملون صناديق صغيرة‏

مصرّم : السلطانة تحب الجواهر.. اللآلى الثمينة.. وهؤلاء اكثرهم صيادون.. وهم يضعون هداياهم في الصناديق‏

(يقوم الرجال بالرقص والغناء ثم يخرجون رويداً رويداً)‏

كركوز : شيء جميل.. ثياب جديدة وأعلام وغناء ورقص! لم تكن مدينتنا تعرف هذه المظاهر.. ولكن لماذ لا يحتفلون بعيد ميلاد ست الحسن. إنها أجمل وأصغر و..‏

مصرّم : دعك من هذا واسمعني.. افتح أذنيك.. سيكون مصيرك أسوأ من مصيري.. لقد تمنيت وأنا في السجن ألاّ أعيش أكثر.. حتى لا يطول عذابي تمنيت لو أنّ اللّه خلقني حشرة بل حيواناً صغيراً.. في السجن المعتم فقدت بصري.. وها أنت ترى أية حال وصلت إليها.‏

كركوز : آه يا صديقي المخلص! لقد تحملت من أجلي العذاب، وعليّ أن أعوض عن كل ما فاتك.. افتح الكيس يا سراج وأخرج صرة من الليرات لأخي مصرّم.‏

مصرّم : لا. لا. يا أخي كركوز.. لا أريد شيئاً سوى أن تنجو بنفسك، وهذا ما يريحني.. دع ليراتك في الكيس فأمامك أيام سوداء!‏

كركوز : ما أتعسني، وأنا أرى صديق العمر متسولاً" آه ليتني لم أسافر! ليتني سمعت نصيحة الحكيم (أبي فانوس). ولكن فورة الحب وطيش الشباب استحوذ على قلبي الملعون.‏

أقسم لك يا ست الحسن إن نار الشوق التي تشتعل في صدري وأنا في الغربة كانت سلوتي وعزائي. ولم أصدق نفسي وأنا أدخل المدينة أنني عائد إلى حبيبتي مزهواً بحبي وإخلاصي! يا إلهي! ماذا أفعل الآن‏

(يلطم خده) ماذا أفعل؟!‏

سراج : ارفق بنفسك يا سيدي كفاك لطما، فواللّه إن حالك تدمي قلبي.. ولكنني لا أعرف ماذا أفعل من أجلك.. لقد أحببتك يا سيدي، ويعلم اللّه أنني لا أبخل بروحي من أجل انقاذ نفسك من هذا العذاب. مرني يا سيدي ماذا أفعل لأساعدك. لا أستطيع أن أقف متفرجاً!‏

مصرّم : هنيئاً لك يا كركوز بهذا التابع المخلص.. في زمن خان فيه الصديق صديقه..‏

كركوز : هذا الشيخ القادم إلينا أعرفه؟ من؟‏

(يظهر الحكيم أبو فانوس يسير ببطء وهو يحمل فانوسه)‏

كركوز : يا اللّه هذا شيخي أبو فانوس! مرحباً بك يا شيخي جئت في الوقت المناسب.. أنا بحاجة إليك يا شيخي.. أنت كما أنت! لم تغيرك الأيام.. يا اللّه. إن فرحتي بلقائك لا تقدر! ألم تعرفني يا شيخي؟! أنا كركوز.. كركوز صديق عيواظ.. أنا سافرت إلى جزيرة القرود من أجل مهر ست الحسن،‏

لا يمكن أن تنساني!‏

مصرّم : شيخنا أبو فانوس لم يعد يتكلم.. إنه يطوف، ويطوف دون أن يقول حرفاً‏

كركوز : ولكنني بحاجة إليه يا أخي مصرّم.. مرحباً بشيخي العزيز، هات يدك لأقبلها.. لماذا ترفض أن تعطيني يدك؟! سامحني يا شيخي.. أنا مثلك لا أصدق كل ما حدث في هذه المدينة.. أنا ركبت رأسي ونفيت نفسي عشر سنوات لأعود فأرى كل شيء طار من يدي.. أنا خسرت كل شيء. أرشدني يا شيخي. ماذا أفعل الآن؟ قل كلمة واحدة أرجوك!‏

مصرّم : افعل ما قلته لك أكثر من مرة لتكون الرابح في النهاية.. غادر هذه المدينة حالاً‏

كركوز : اسكت يا مصرّم. وليتحدث هذا العقل الناضج. أعترف لك يا شيخي أنني أملك عقل عصفور بل إنني الآن فارغ الرأس. أحس وكأنني معلق من عرقوبي في الفضاء. في الأسفل بركة من الزيت المغلي.. وهناك من يشحذ السكين ليقطع الحبل. أرجوك يا شيخي تكلم.‏

سراج : سألتك باللّه يا سيدي كركوز أنْ تنجو بنفسك، ولنبدأ الآن رحلة العودة‏

مصرّم : أحسنت أيها التابع.‏

كركوز : تريدني أنْ أهرب؟‏

مصرّم : بل أريد لك النجاة.. النجاة من المصير الأسود‏

كركوز : لا أستطيع (يمسك يد أبو فانوس) أتوسل إليك يا شيخي دلني على الطريق هات أقبلْ يدك.. لست قادراً على المواجهة وحدي يا شيخي. نعم، أنا خيبت ظنك في الماضي. ولكنني قد أفلح في ما هو آت. أجبني يا شيخي، برأسك، بعينيك، بيديك، اكتب لي سطراً على الورق. أنت حكيمنا العاقل. لا أصدق أنك تتخلى عني وأنا في هذه المحنة!‏

(يتابع أبو فانوس طريقه هادئاً صامتاً، يهز فانوسه)‏

سراج : هيّا يا سيدي كركوز.. أصبح كلّ شيء واضحاً‏

كركوز : لا. لن أرحل. لن أهرب، وليكنْ ما يكون. ولن يكون أسوأ مما أنا فيه.. اسمع يا مصرّم.. قلْ لي إن كل ما حكيته لي مزاح. أو كذبة بيضاء..‏

مصرّم : أعانك اللّه يا أخي كركوز، وشفاك من هذا الحب‏

كركوز : كيف تريد مني أن أنسى حباً دام سنوات طويلة في لحظات سريعة. هكذا كما يغسل الإنسان يديه بالماء والصابون.‏

سراج : إنْ شئت يا سيدي كركوز أنْ تتابع الطريق إلى نهايته فأنا معك، ولن أتخلى عنك.‏

كركوز : هيّا بنا يا سراج.. سأثبت براءتي أمام أهل المدينة كلهم. وسأقابل ست الحسن وصديقي عيواظ..‏

مصرّم : إذاً، تعال معي يا أخي كركوز.. سأدلك على حارس موثوق يُدخلك إلى قصر بكري لتقابل ست الحسن.. واحذر. فالحراسة مشددة، والعيون مبثوثة وأتمنى أنْ يحالفك الحظ.. وإلاّ فنهايتك محزنة!!‏

كركوز : وأنا لن أنسى لك هذا الصنيع.. هيّا يا سراج‏

مصرّم : براءَتُك ستكلفك الكثير يا أخي كركوز.‏

(يخرجون من الطرف الأيمن)‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244